جريدة الناس الإلكترونية _ الباحث والقيادي الاستقلالي السابق العلمي: الصحافة الحزبية فقدت بريقها وتأثيرها على الحياة السياسية والثقافية
آخر الأخبار


أضيف في 2013-09-02 13:45:33


الباحث والقيادي الاستقلالي السابق العلمي: الصحافة الحزبية فقدت بريقها وتأثيرها على الحياة السياسية والثقافية






           -        الأستاذ العلمي أنتم أحد القياديين في حزب الاستقلال الذين ناضلوا بالكتابة كذلك وعلى صفحات جرائد الحزب بالإضافة إلى نضالكم السياسي؛ هلّا حدثتُمونا قليلا عن الواقع الحالي لجريدة "العلم" في مرحلة التناوب الحكومي؟ 



 



شخصيا كنت أكتب في جريدة "العلم" خاصة في عمود بالصفحة الأخيرة، الذي كان يخصص في كل مرة لكاتب من مختلف المشارب؛ وانطلاقا من كوني كنت في مراحل الشباب، وكان الحزب آنذاك في المعارضة (أتحدث هنا عن فترة من السبعينات)، فإني كنت أكتب مقالاتسياسية نقدية انصبت من جهة على فضح تزييف إرادة الشعب والاختلالات التي كانت تطبع الواجهات الشكلية المنبثقة عن الانتخابات المفبركة، والتنديد بانتهاكات حقوق الإنسان، ومن جهة ثانية كانت تساهم في التنظير لمجتمع ديمقراطي حقيقي وتعكس تطلع جيلنا للتغيير. لكن واقع الجريدة تغير، للأسف مع دخول الحزب إلى الحكومة في إطار ما سمي بالتناوب التوافقي؛ هذا الانتقال الذي لم تتوفر له في رأيي الشروط الضرورية والظروف الملائمة، لأن المرحلة كانت مؤطرة بدستور يكرس الاستبداد والحكم الفردي المطلق، كما أن تركيبة الحكومة من سبعة أحزاب بعضها كان يصنف في خانة الأحزاب الإدارية، وبالتالي فإنه كان من غير الممكن أن تقدم الحكومة شيئا ملموسا للوطن، وقد صرح الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بعد انتهاء مهمته كوزير أول بأن حكومته لم تكن تتوفر على الصلاحيات التي تمكنها من التغيير، هذا من جهة ومن جهة أخرى وحتى إذا دخلت المعارضة لوحدها إلى حكومة التناوب التوافقي فإنه كان متوقعا أن يبقى مجال اشتغالها محصورا في التسيير اليومي وتنفيذ نفس سياسة الدولة المتبعة منذ سنوات والتي كنا نعارضها.



 



-        ولكن ألا ترون أن دخول حزبكم إلى الحكومة بالإضافة إلى كل من حزب التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي، شركائكم الرئيسيين، جاء بعد مخاض ومشاورات طويلة مع القصر تكللت بتعديل الدستور سنة 1996 مما كان يعتبر أرضية كافية للعمل؟   



 



يمكن القول ربما أن زعامات المعارضة وقتها تعبت من النضال وأحست أنه لا منفذ هناك وقد تساءلت إلى متى ستظل تقوم بدور المعارض، وهي محقة في هذا التساؤل المشروع لأن كل حزب هو موجود كذلك لممارسة الحكم والانتقال إلى السلطة التنفيذية وتطبيق برامج معينة، لكن تعديل الدستور سنة 1996 لم يأت بجديد ولم يستجب لمذكرة الكتلة الديمقراطية في أهم مطالبها. وإذا كانت الكتلة تعاملت بإيجابية مع الدستور فإنها فسرت موقفها بأنها قالت نعم سياسية للانتقال إلى مرحلة جديدة تسودها الثقة بين أحزاب الحركة الوطنية والقصر، ولكن مع ذلك كنت أنا ومجموعة من الإخوة نرى أنه لن تستطيع الحكومة تحقيق ما كانت تتمنى، وهو ما حصل في ظل تلك الشروط التي يعرفها الجميع. فعلا كانت حكومة يقودها اشتراكي (الاتحاد الاشتراكي) ويوجد بها حزب اشتراكي آخر (التقدم والاشتراكية)، إلى جانب حزب الاستقلال الذي له مذهبه الخاص، وهو التعادلية التي يمكن القول بأنها تلتقي مع الاشتراكية في الغاية الأساسية وهي تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، فضلا عن كونه حزبا يميل عبر مساره الطويل إلى الوسطية والاعتدال، وعلى هذا الأساس دخل الحكومة. ولذلك فإنه كان من المأمول أن تترك هذه الحكومة من خلال عملها بصمات لطابعها الاشتراكي أو الاجتماعي، فماذا رأينا؟ العكس تماما.. بحيث في عهد هذه الحكومة تم أكبر تفويت للمؤسسات العمومية لفائدة الخواص، هذا مع العلم أن وزير المالية وقتها كان اشتراكيا ومعروفا عنه دفاعه عن القيم الاشتراكية، سواء من الناحية الأكاديمية بحيث كان باحثا جامعيا، أو من حيث المعتقد والإيديولوجيا السياسية. ولم يحل كل هذا دون إشرافه شخصيا على أكبر عمليات الخوصصة التي تمت في تاريخ البلاد، وهذا يؤكد أن الحكومة كانت تنفذ نفس السياسة المتبعة سابقا وليس برامج الأحزاب الوطنية التي كانت تشكل عمودها الفقري. إذن عمليا كنا نحن بعض المعارضين للحكومة آنذاك ولو أننا ننتمي إلى أحزاب أغلبيتها، كنا على صواب في تحليلنا للوضع، وعاد دخول هذه الأحزاب إلى الحكومة عليها بنتائج سلبية بحيث رأينا كيف أن تلك الأحزاب التي كانت معروفة بالتنظيم المحكم والدفاع عن القيم أصبحت مرتعا للانتهازيين وذوي المصالح الضيقة؛ بحيث أصبح الصراع ليس على الأفكار والمبادئ ولكن على المناصب والكراسي. وهذا أثر بشكل جلي على التنافس السياسي حيث بات كل حزب يبحث عن الأعيان للحصول على مقاعد في البرلمان. ومعروف طبعا عن الأعيان استعمالهم للمال والسلطات المعنوية والمادية من خلال امتلاكهم لوسائل العمل والإنتاج في مناطقهم وهو ما يستغلونه في استقطاب الناخبين. وهذا جعل أحزابنا تنفتح بشكل مهول على الميوعة السياسية والابتعاد عن القيم التي كنا ندافع عنها.





-        هنا نتساءل أين هو دور الإعلام الحزبي؟



هنا يمكن الحديث عن حزب الاستقلال الذي أسسه العلماء والمثقفون والمفكرون وكانت قياداته تضم نخبا وازنة من الكفاءات ومن ذوي التجربة النضالية الطويلة، أما اليوم فنرى تراجعا واضحا في هذا المجال لفائدة أصحاب المال والجاه، ولو لم يكن لهم أي مستوى دراسي ولا أي مسار نضالي سابق، ولا تختلف الأحزاب الوطنية كثيرا فيما آلت إليه بنياتها القيادية.



وهذا كله بكل تأكيد سيؤثر على إعلام الحزب، لأنه في وقت من الأوقات عندما كنا نتحدث عن (العلَم) فإننا نذكر أن مديرها كان هو الأستاذ عبد الكريم غلاب، ورئيس تحريرها كان هو الأستاذ العربي المساري، وبعده جاء الأستاذ عبد الجبار السحيمي؛ ولذلك كانت جريدة "العلم" مدرسة في تقديم لغة عربية فصيحة وقوية وصحيحة، ومدرسة أيضا في التعريف بمبادئ الحزب ورسالته السياسية المبنية على مبادئ قوية وواضحة. وحتى كُتاب الجريدة، فيما مضى، الذين لم يكونوا من بين أعضاء هيئة التحرير، والذين كنت واحدا منهم، كان لهم ما يكفي من متانة اللغة وعمق التحليل الفكري والأدبي والسياسي. أما الآن فيمكنك أن تكتشف بكل بساطة كثرة الأخطاء اللغوية وسطحية التحاليل وهذا لا ينطبق على جريدتنا (العلم) وحسب ولكن حتى على جريدة إخواننا في "الاتحاد الاشتراكي"، بحيث حلت الإثارة والسطحية محل الكتابة الرصينة والتحليل العميق. ويمكن القول بأن الصحافة الحزبية التي كانت رائدة تعرف اليوم تراجعا متزايدا وفقدت معه بريقها وتأثيرها في الحياة السياسية والثقافية.



 



-        ربما شيء طبيعي هذا التبدل في التحليل بما أن الحزب انتقل إلى إدارة الحكم وترك المعارضة؟



 



نعم قد يكون ذلك أحد المبررات ولعله المبرر أو السبب الرئيسي في التراجع الحاد للصحافة الحزبية، وهو ما جعل جريدة "العلم" مثلا تتحول إلى نشرات مواكبة للأنشطة الحكومية، بحيث ما جدوى أن يتم نشر استقبال أو نشاط وزيري أو حزبي، وما هي القيمة التي قد يضيفها مثل ذلك لدى القارئ؟ لا شيء. هذا من جهة ومن جهة أخرى ما كان سببا في تراجع تأثير الصحافة الحزبية، هو ظهور ما يسمى الصحافة المستقلة، بالموازاة تقريبا مع بداية التناوب التوافقي، هذه الصحافة المستقلة، ولو أن لي تحفظا على "استقلاليتها" بحيث إذا لم تكن تابعة للأحزاب فهي تابعة للجهات المانحة، فإنها استطاعت مع ذلك أن تملأ مكانا شاسعا تركته شاغرا الصحافةُ الحزبية ومنها جريدتا الحزب (العلم) و(لوبينيون)، بحيث بدأنا نرى صحافة لديها تنوعا في المواضيع وجرأة في المعالجة، وتنوعا واختلافا في الشكل. كما توفر أعمدة رأي جيدة أغرت حتى قياديين حزبيين بالهجرة نحوها للكتابة فيها. وهذا طبعا زاد من تأزم الجرائد الحزبية بل إن وضع هذه الأخيرة أصبح مزريا، وأخشى أن يكون ذلك بداية اندثار هذا النوع من الصحافة الذي كان في يوم ما لسان حال الحزبيين والزعماء السياسيين. هذا ما تطالعنا به الأرقام بحيث في وقت من الأوقات كانت الجريدة تبيع العشرات من آلاف النسخ، واليوم بالكاد تبيع بضعة مئات، لأن القارئ لا يهمه أن تنشر له أنشطة حزبية أو وزارية بقدر ما يهمه نقل الخبر بمهنية، وتحليله والتعليق عليه بشكل يفتح شهية القارئ للمتابعة، وبالمقابل يمكننا القول أن شقيقة (العلم) بالفرنسية (لوبينيون) ما تزال تحتفظ نسبيا بحد معقول من القراء بحكم تواجد نخبة تفضل القراءة بالفرنسية. وعموما فإنه رغم الدعم الحكومي والإشهار لهذه الصحافة الحزبية فإن مستقبلها يبقى مهددا في ظل وجود العوامل التي ذكرنا، وكذا في ظل وجود أزمة قراءة في المجتمع، ومن ثم فإنه في نظري سيأتي يومٌ يُطرح فيه السؤال عن ماهية الجدوى من استمرار طبع تلك الجرائد التي لا يقرأها سوى عدد جد محدود من الناس !مع ما يترتب على ذلك من خسائر مادية في الطبع والنشر والتوزيع، هذا بالإضافة إلى أنها باتت تكرس مسألة عزوف المغاربة وخاصة الشباب عن العمل السياسي، من خلال تحولها من منابر إعلامية تقدم خدمة الإخبار والتنوير للرأي العام إلى مجرد منشورات تواكب الأنشطة الحزبية وكذا أنشطة قيادات الأحزاب المستوزرين. هذا في الوقت الذي بتنا نعيش فيه زمن التفوق الرقمي والتكنولوجي بحيث يستطيع المواطن بلمسة زر على حاسوبه أن يتابع كل الأخبار أولا بأول على كافة الأصعدة وسواء تعلق الأمر بالحياة السياسية الوطنية أو مختلف مناحي الحياة محليا ودوليا.



 



-        ألا ترى أستاذ أن هذا المنعطف الكبير لتحول الإعلام الحزبي عموما ببلادنا وجريدة العلم تحديدا، والذي بدأ على الأرجح مع بداية التناوب التوافقي في 1998، كان مرده إلى عدم قدرة المسؤولين الحزبيين على وضع مسافة دُنيا بين الإعلام والعمل الحكومي؟



 



بهذا الخصوص تعود بي الذاكرة إلى سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بحيث بالرغم من الاختلاف الإيديولوجي لحزب الاستقلال مالك جريدة (العلم) إلا أن هذه الأخيرة وملاحقها الثقافية بالخصوص كانت مفتوحة ومتاحة لدى عموم المثقفين والكتاب من مختلف الحساسيات ولاسيما منهم الاشتراكيون؛ بحيث لم يكن يجد المشرفون على الجريدة أي حرج في السماح لهؤلاء بالتعبير عن آرائهم في صفحات جريدتنا، انطلاقا من إيمان المسؤولين عنها بالرسالة الإعلامية النبيلة. وكانت (العلم) منبرا للجميع، وهذا لم يكن يمنع من تخصيص بعض الصفحات بالجريدة للأنشطة الحزبية والحزبيين، وهذا ليس عيبا بطبيعة الحال. لكن الأمر اليوم اختلف تماما بحيث تحولت الجريدة إلى منشور لمواكبة الأنشطة الحزبية ولأسماء حزبيين إلى درجة التخمة على حساب الرسالة الإعلامية النبيلة، وعلى حساب تنوع الأفكار والكتابات؛ ومما زاد في تراجع مستوى الأداء الإعلامي كذلك انسحاب رواد الكتابة وقادة الحزب وهجرانهم لصفحات الجريدة، إما بسبب ركونهم إلى الخلف والابتعاد عن العمل السياسي عموما، أو نتيجة اختيارهم الكتابة في بعض الصحف (المستقلة) وفي بعض المواقع الإلكترونية.



لكن بصراحة نسجل تراجعا واضحا في الكتابة الصحفية المهنية، على صفحات جرائد الحزب، ليس بصحفنا نحن الاستقلاليين فقط، بل حتى في صحف باقي الأحزاب الوطنية المشاركة في الحكومات المتعاقبة منذ سنة 1998؛ وإذا كنت أسلم بأنه من الطبيعي أن تتجند صحف حزبية لمواكبة وزرائها في الحكومة، وكذا للدفاع عن حصيلتهم أمام الرأي العام، فإني لا أجد مبررا لغياب النظرة النقدية البناءة للجوانب السلبية، وما أكثرها،  ومن تم فإن من شأن مثل هذا التهافت الإعلامي على نشاط وزراء الحزب أن يؤثر بشكل ملموس وسلبي على الرسالة المهنية لتلك الصحف، وهو ما حصل بالفعل للأسف في صحفنا.    



 



-        ربما هذه قناعات شخصية ولا يمكن أن يكون احتجاجا على وضعية معينة !



 



الأمر أخطر من ذلك ولا يتعلق فقط بهجرة الأقلام والمثقفين من الجريدة، ولكن الوضعية المتأزمة لهذه الجريدة (العلم)، جعلت حتى العاملين يضجرون من أوضاعهم، ليس لأسباب مادية، ولكن كذلك وهذا هو الأهم بسبب عمل هذا المنبر الإعلامي بعيدا عن أسس ومبادئ المهنة والرسالة الإعلامية. لقد ابتعدت الجريدة كثيرا عن التحليل السياسي الرصين، كما أصبحت لا تواكب قضايا المواطن الأساسية ونقلها إلى المسؤولين بالرغم من توفر الجريدة على فريق عمل لا يمكن الاستهانة به، بعكس ما كان في الماضي، بحيث لم يكن عدد المحررين يتجاوز أصابع اليد ولكنهم كانوا أكثر فاعلية ومواكبة لهموم المواطن، وهذا هو صلب الرسالة الإعلامية.  



 



-        كيف ترون تحول جريدة (العلم) حاليا إلى معارض لحكومة عبد الإله بنكيران التي شارك فيها حزب الاستقلال، خلافا لما كان عليه الأمر خلال 14 سنة التي تشكل فترة التناوب التوافقي، رغم أن المرحلة كانت حبلى بالمشاكل والأزمات الحكومية؟



مبدئيا الحزب الذي يشارك في الحكومة من المفروض أنه يلتزم بالدفاع عن برنامجها ويحرص على وحدة الحكومة وانسجامها وتماسكها وهذا لم يمنع في فترة حكومة اليوسفي من توجيه بعض الانتقادات الموضوعية قصد التنبيه لبعض السلبيات، لكن أن تتحول صحافة الحزب إلى معارضة كل ما تقوم به الحكومة التي يشارك فيها كما لاحظنا مع حكومة بنكيران، فهذا فعلا أمر غريب وغير مسبوق على المستوى الحزبي ببلادنا وفي أدبيات وتاريخ حزب الاستقلال بالخصوص؛ لكن تطور الأحداث كشف أن العلاقات داخل الحكومة لم تكن مبنية على التشارك حيث تبين أن رئيس الحكومة يتعامل وكأنه يقود حزبه وليس حكومة ائتلافية ويتصرف وكأن حزبه وحده المسؤول عن تدبير الشأن العام الأمر الذي كان يغيظ الاستقلاليين الذين لهم تجربة طويلة في تدبير العلاقات داخل الحكومات الائتلافية ولذلك بدأت الصحافة الاستقلالية تتجه نحو معارضة العمل الحكومي إلى أن انتهى الحزب إلى تقديم استقالته من الحكومة والانتقال إلى المعارضة.



 



-        هل توافقون القائلين أن أزمة الإعلام الحزبي، وخاصة (العلم)، هو ناتج عن أزمة النخبة الحزبية وعدم قدرتها على أداء وظيفة تأطير المواطن، على أكمل وجه، كما ينص على ذلك الدستور؟



 



صحيح أن تقهقر الإعلام الحزبي عموما مرده إلى أزمة نخبة، لكن لا يمكننا إنكار أنه في بداية حكومة التناوب كانت هناك أصوات استقلالية عبرت عن رفضها لحكومة يشارك فيها نحو سبعة أحزاب، ومنبثقة عن انتخابات هي من أسوإ الانتخابات التي شهدها المغرب؛ ولأن ذلك سيؤثر، في اعتقادهم، على أداء هذه الحكومة التي يعول عليها الشعب المغربي، وقد صدقت تلك الأصوات فيما ادعت؛ كما واكبت بعضا من هذا النقاش جريدة (العلم)، في وقت كان لا يزال الاستقلاليون يذكرون جيدا كيف عملت الإدارة على طبخ الانتخابات التشريعية لسنة 1997، ليحتل حزب الاستقلال المرتبة الخامسة بعد شهرين فقط من انتخابات جماعية حصل فيها على المرتبة الأولى، وكان هذا بمثابة عقاب له بعد أن رفض أمينه العام آنذاك الأستاذ امحمد بوستة منصب الوزير الأول في حكومة يوجد بها إدريس البصري، فكانت الأصوات الاستقلالية المنتقدة تنصب على عمق الانحراف السياسي والديمقراطية المزيفة وليس فقط على عمل حكومة لم تنبثق من صناديق الاقتراع، لكن للأسف سرعان ما بدأت تغيب أو تُغيب تلك الأصوات المنتقدة، وبالتالي توارى تدريجيا ذاك الحس النقدي الذي كان يتجه لعمق أعطاب وعاهات الحياة السياسية في بلادنا، والتطورات التي نشهدها اليوم تفيد بشكل واضح تراجع نُبل العمل السياسي وتزايد النزعة الانتهازية وهواجس المصالح الشخصية على العمل الحزبي مما يؤثر سلبا على مسار الإعلام الحزبي وعلى الحياة السياسية بوجه عام.     



 



-        كيف ترى مستقبل جريدة (العلم) في ظل هذا التجاذب ما بين الجانب السياسي والإعلامي في خطها التحريري؟



 



لا أعتقد أن جريدة (العلم) ستعود إلى سابق عهدها كمنبر وطني له إشعاع واسع ومدرسة إعلامية تخرج من صفحاتها أبرز الكتاب والصحافيين الذين يؤثثون الساحة الوطنية؛ ربما قد تتحسن نوعا ما من حيث الإخراج والإطلالة على القارئ، لكن في غياب فحوى ومضمون إعلامي مهني لا يغري القارئ بأي حال من الأحوال للعودة إلى تصفحها. بحيث أن القارئ المتطلع إلى التغيير لن يغريه تغيير الشكل لأنه حتى إذا جذبته طريقة الإخراج فإنه سرعان ما يترك الجريدة جانبا إذا لم يشف غليله مضمونها ولم يلب حاجته ويشبع نهمه إلى المعلومة والتعليق الجاد. وهو ما لا يبدو على الأقل في الأفق المنظور، مما يمكن أن يحدث قطيعة بين هذا القارئ وهذا النوع من الصحف.



 



-        لماذا لا نكون متفائلين ونقول أنه ربما يمكن أن تتوفر لدى الفاعلين السياسيين إرادة لتطوير إعلامنا الحزبي، ليشمل مستقبلا حتى محطات إذاعية وتلفزية إضافة إلى جرائد ورقية؟



هذا تفاؤل معقول وطبيعي، لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار واقعنا السياسي المعاش، والذي نرى فيه كيف أن مختلف الأحزاب بقطع النظر عن أصولها ومساراتها في الماضي باتت اليوم تبحث في توزيع التزكيات على المرشح للانتخابات القادر على "تمويل" حملته الانتخابية، بل والقادر على النجاح في الاستحقاق الانتخابي مهما كلف الثمن، ومهما كانت الطريقة بحيث يستباح الغش والارتشاء للحصول على أصوات الناخبين والغاية تبرر الوسيلة لأن المهم هو الحصول على أكبر عدد من المقاعد؛ في ظل كل هذا لا يمكننا التنبؤ بالوصول إلى مرحلة يكون فيها على الأقل الإعلام الحزبي أحسن مما هو موجود حاليا، لأن ذلك مرهون بإرادة سياسية حقيقية في القطع مع الفساد واستعمال المال في غير محله، والقطع أيضا مع تبجيل وتمجيد السياسي "القيادي" بالخصوص؛ فالأولى بالتمجيد والتوقير والاحترام هي قضايا ومشاكل وهموم المواطن..وعندما تكون هناك رغبة من طرف الفاعلين السياسيين على احترام هذه القضايا وتخصيص صحف أحزابهم لنقلها إلى المعنيين بالأمر، حينها يمكننا الحديث عن تقدم وتطور في إعلامنا الحزبي؛ ووقتئذ لن يكون صعبا علينا الانتقال إلى إعلام حزبي سمعي بصري، ما دام أننا اكتسبنا ثقة القارئ/المواطن الذي لن يهجرنا إلى إعلام آخر، بل سيدعم هذا الإعلام الحزبي وسيقف إلى جانبه. صحيح أنه في ظل وجود "مول الشكارة" الذي يتم عن طريقه جلب الأصوات في الانتخابات، يمكن تأسيس إعلام حزبي إلكتروني وسمعي بصري، يوما ما، لكن ذلك سيكون مآله مآل الإعلام الحزبي الورقي، عندما يضع المادة الإعلامية ومصلحة المواطن جانبا، ويتفرغ للدعاية لأنشطة حزبية وأنشطة حزبيين لا أهمية لها بالنسبة لعموم المواطنين.





-       كيف ترى المشهد السياسي الحالي؟



بصراحة كنت آمل أن تنجح التجربة الحكومية التي يقودها حزب العدالة والتنمية ليس لأن حزب الاستقلال كان يشارك فيها، وإنما لأنها تجربة جديدة جاءت بعد حراك اجتماعي وبعد إقرار دستور جديد يخول الحكومة صلاحيات لم تكن للحكومات السابقة، لكن يبدو أن عدم التجربة وعدم الخبرة لدى الجهة التي تقود الحكومة وعدم الانسجام بين مكوناتها يجعلها عاجزة عن أداء مهمتها بالسلاسة والفعالية المطلوبة حيث نرى تأخرا كبيرا في إنجاز القوانين التنظيمية التي ينص عليها الدستور، بل إن الحكومة تشتغل بدون القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم شؤونها وتسييرها مما يجعل معظم بنود الدستور معلقة، وناهيك عن الوضع الشاذ لمجلس المستشارين الذي لا هو مطابق للدستور الحالي ولا للدستور السابق، وبالإضافة إلى بطء العمل الحكومي الملحوظ في هذا المجال، هناك تعثر في مواصلة الأوراش الكبرى التي بدأتها الحكومات السابقة، كما نسجل مع الرأي العام عدم الوفاء بالوعود والالتزامات التي أعطاها الحزب الأغلبي في الحملة الانتخابية وتراجعه عن بعض مواقفه السياسية، والزيادة في أسعار المحروقات مما ألهب باقي الأسعار وليس آخرها مادة الحليب الأساسية، وعدم الفعالية في إنجاز الإصلاحات الضرورية واستمرار الفساد وغياب أي تدابير ملموسة لمحاربته. ولا شك أن خروج حزب الاستقلال إلى المعارضة ولجوء رئيس الحكومة إلى خصوم الأمس لترميم حكومته سيؤدي للمزيد من اهتزاز المصداقية في العمل الحكومي والسياسي عموما.



حاوره: عبد الله توفيق









شاهد أيضا

تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- Funny there hasn't b

Evaline

Funny there hasn't been a democrat in the ho use for eight years.What was George Bush doing in that time apart  from sitting on his hands.Yes delnrugatieg further so these bastards could rip us of more.Stop being so blind to your abysmal idiotolgy.

في 06 أكتوبر 2016 الساعة 09 : 17

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق






موقع "الناس" يصدر عن شركة annass press جميع الحقوق محفوظة © 2018