جريدة الناس الإلكترونية _ حراس الأمن الخاص: العبودية والاستغلال في عهد الحرية والاستقلال
آخر الأخبار


أضيف في 2013-04-23 00:15:19


حراس الأمن الخاص: العبودية والاستغلال في عهد الحرية والاستقلال






المكان ليس في مزارع الاسياد في ولايات الجنوب الأمريكية في القرن الثامن عشر ، سنوات الجمر والعبودية، حيث كان السود يعانون من ربقة العبودية والرق بل ويستغلون في الأعمال الشاقة مثل الحيوانات ، أما من تأخذه العزة ويأبى أن يكون مجرد أداة في يد سيده فان مصيره هو الموت من شدة التعذيب حسب ماجاء ي رواية هارييت ستاي" "كوخ العم طوم"..، أما الزمان ليس أيام الظلم والطغيان والاقطاع ، وانما في مكان وزمانين يجعلان الحليم حيران ، والخامل سهران ، المكان هو مقر الشركة الوطنية للذاعة والتلفزة ، والزمان هو العهد الجديد سنة 2013 ، عصر التغيير قد بلغ فيه مسلسل الاصلاح شأوه ، عصر تغير فيه كل شيء الى الأفضل نسبيا الا بعض العقول المتحجرة التي مازالت تعيش في  زمن ليس بزمانها ومكانها الحقيقي هو في متحف حقير أو في مزبلة التاريخ ، مع فرعون وهامان وأصحاب مقولة " من قال برأسه هكذا قلنا بسيوفنا هكذا" في العهد الأموي  ، هؤلاء اليوم  يسلطون سيف الظلم على من ساقته الأقدار اليهم ، ولكن بطريقة مغايرة ومهذبة ، لكنها طريقة تشبه القتل بالسلاح الصامت ، لا يشعر بها الجيران.



لذلك فمهتي في هذا المقال هي اسماع صوت الرصاصة القاتلة ، وكسر جدار الصمت ، وتعرية واقع لا يعلمه كثير من الناس ، واقع يجسد المعاناة الخجولة ، التي تأبى أن تكشف نقابها أمام الغرباء ، فتبقى أسيرة الغربة والقهر ، يتجرعها مستخدمو شركة الأمن الخاص مقابل دريهمات  يفرحون بها كل شهر يوما واحدا ثم يوزعونها على أصحاب الكريدي ، واقع قد شكل ركاما أسودا مثل غراب قد لبس ثوب الحداد ،حتى الطيور التواقة الى الحرية قد ملت التغريد أمام هذا الركام المتكتل من "الظلم" الاجتماعي " والاستغلال الممنهج للقوى العاملة،  وأنا هنا لا أتحدث عن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ، (فالسيد الرئيس المدير العام "العرايشي" قام بمجهودات من أجل تحسين أوضاعنا نحن حراس الأمن الخاص، كما أنه لم تصله معاناتنا اليومية التي نتجرعها يوميا ، بسبب ضيق وقته ، كما أن له مايكفيه من المشاكل داخل القطب العمومي)وانما أتحدث عن العبيد – عفوا- أقصد العاملين في مهنة الحراسة الخاصة التابعين لشركة GMCE المتعاقدين مع الاذاعة والتلفزة المغربية ، يعيشون أوضاعا يندى لها الجبين/



ويتجرعون كأس الذل والهوان في سبيل الحصول على " طرف الخبز" ،  مثل الاقنان في عصر الاقطاع، وبما أنني واحد من هؤلاء المستضعفين- الذين يقولون " ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا" ، ولسان حالهم يرددها صباح مساء لمدة 12 ساعة متتالية تمر بطيئة مثل سلحفاة مملة أرهقتها شمس الهاجرة ، تحمل فوق ظهرها أوزارها – فانني هنا أتحدث عن واقع مرير يعيشه حراس الأمن الخاص بهذا الموقع الاعلامي المحترم ،و نظرا لقربي من موقع الحدث فانني أعلم " عجره وبجره" ،  معاناة يومية وحكرة ومهانة في ظروف مزرية لا تتطابق مع شروط العيش الكريم ، ولا تتماهى مع أدبيات العهد الجديد ، وثقافة حقوق الانسان والمساوة والعدالة الاجتماعية ، بل ولا تحترم البنود التي سطرها المشرع في مدونة الشغل ، وكأننا نعيش عبودية بأثواب عصرية انها عبودية القرن الواحد والعشرين . لكل هذا قررت أن اسلط الضوء على هذا الأمر ، وأعري الواقع البئيس الذي يضع ماكياجا وباروكة مثل عاهرة فاتنة ، لايظهر وجهها الحقيقي الا في الصباح الباكر، وضوء الفجر دائما يفضح اللصوص وخفافيش الضلام وكذلك يفضح الوجوه المقنعة والمجملة، وسوف أحاول في هذه الخلاصة أن أسلط قليلا من الضوء على الأوضاع المزرية التي نعيشها بشكل أدبي بسيط ، وهي ليست يوميات أو مذكرات ، وانما عصارة ألم تقطر مدادا ودما من دواة حزينة على ورقة عطشى تحاول تجفيف دموع قلم مقهور.



حراس الأمن الخاص و"الحكرة" اليومية :



" احنا مجرد كلاب حراسة فقط مثل البيتبول" قالها أحد الزملاء من شركة أخرى والغضب باد على وجهه ، وهذا يعني أننا نحس بالحكرة" والاهانة الذاتية حتى ولو كنا نعمل داخل مكاتب مكيفة ومتوسدين أفرشة وثيرة ، لأن الحراسة الخاصة ينظر اليها الآخر في بلادنا على أنها مهنة "تعساست" ، بل وحتى "العساس" يعيش جوا من الحرية ، ويتمتع بهامش من الحركة لا توازي التضييق والمهانة التي يعيشها " حارس الأمن" والتي لا تليق بتاتا بهذه المهنة النبيلة .



من خلال احتكاكي بكثير من العاملين بهذا القطاع في هذه الشركة الخاصة ( والمتخصصة في جني الأموال على ظهرالعمال)– التي تشبه وحش "اللوفياتان" عند هوبس- وبصفتي أصطلي من نفس النار التي يحترق فيها العاملون يوميا ، فاني ربطت علاقة حميمية مع "الحكرة" بمختلف تمثلاتها المادية والمعنوية ، من اهانات مباشرة وغير مباشرة ، ونظرات التنقص والازدراء ، حيث تشكل بدلة حارس الأمن "عقدة" بالنسبة لصاحبها وعلاقته بالآخر ، ولافرق بينه وبين كلب الحراسة الا البدلة التي تتآكل مع برد الشتاء ولطافة الربيع وغضب الصيف ويأس الخريف ، بدلة لا نحصل عليها جديدة الا بعد أن تبح أصواتنا من كثرة الطلب والالتماس ، بدلة لا تساوي خيط ابرة ، ربما هي تشبه صاحبها الذي لايساوي شيئا في عرف مسؤولي الشركة ، فالعامل عندهم عبارة عن سلعة استهلاكية تذر دخلا شهريا ضخما يضعونه في جيوبهم ، ولا يصرفون في مقابل ذلك شيئا ولا يخسرون شيئا من المال غير دريهمات قليلة مقابل البدلة المهنية التي تشكو الى رب العباد ظلم رب العمل ، واني لأراها تتألم مثلنا وتتوجع من غدر "الزمان" وأهله ، وتتقطع من شدة الظلم وتدعو عليهم ليل نهار – ف بدلتي مثلا بدأت تتقطع لأن نفسها حارة مثلي- ...... احساس "الحكرة" ليس بعده احساس ، مصطلح لايمكن ترجمته حرفيا ، لأنه يجسد المعاناة والألم الدفين ، وهذا ذكرني بقصة أحد الجزائريين الذي وصف شعور "الحكرة " التي يعاني منها الشعب الجزائري ، فسأله أحد الفرنسيين مستفسرا عن معنى هذا المصطلح بالفرنسية ، فقال له: " الحكرة بالفرنسية هي ...هي ....الحكرة" ،...... لذلك لا تسألوني عن ماهية الحكرة ، لأني لن أستطيع وصفها ، فهي بعيدة كل البعد عن الوصف الحرفي المادي ، بل هي عبارة معيارية جوانية ، وليست مادية وبرانية ، نعيشها يوميا ويزيدها اشتعالا سوء المعاملة والظروف السيئة التي تفتقر إلى الشروط الضرورية للعمل ، والإهانات المتكررة والطرد التعسفي والعقوبات العشوائية التي لا تخضع للمساطر القانونية والتي تتحكم فيها الأهواء فقط ، بل أصبح "حارس الأمن" مجرد رقم وعدد مكتوب بالطباشير يمكن مسحه وحذفه في أي لحضة ودون سابق إنذار، ويتم التعبير عنها بتعبير جميل من طرف المسؤولين : " سير حتى نعيطوليك" كلما أرادو طرد أحدهم، وكأنهم يملكون رقاب الناس وأرزاقهم ومصائرهم.



......أعداد كثيرة من المستخدمين تم طردهم لأسباب واهية لاتستحق.... بل وحتى دون صرف درهم واحد من مستحقاتهم وتعويضاتهم ، ولا ينجو من عصا الطرد الا من يتوسط له فلان أوعلان ،....... مسلسل طويل من الاهانات والتمييز والحيف ، واذا قمت بالاعتراض أو النقد قالوا بأنهم لا يطبقون الا القانون وماجرت به المقادير، ولكنك تجدهم أول من يخرق القانون ، كل ذلك من أجل تحقيق الارباح والحفاظ على المكتسبات التي يستفيدون منها على حساب العامل البسيط .و"اللي ماعجبو حال الباب أوسع من اكتافوواعطى الله اللي باغي يخدم" .



12 ساعة من العمل تعادل 12 سنة من المعاناة :



أذكر في أول ايام التحاقي بهذه المهنة أن أحد الزملاء قال مجيبا أحدهم عن عدد ساعات العمل قائلا: " احنا كنخدموا 12 سنة في اليوم" في اشارة الى عدد الساعات الماراطونية التي يقضيها " الحارس" أمام المبنى يراقب تحركات الداخلين والخارجين من موضفي الاذاعة وطوابير الزوار ،..... ف حارس الامن هو أول من يلتحق بالعمل وآخر من يغادره ، يسهر على راحة الأشخاص وحماية الممتلكات ، مثل شمعة تقف شامخة تندب حضها وتبكي عمرها القصير ، تذوب كمدا من أجل أن تضيء ماحولها ، وعندما تنتهي صلاحيتها يتم رميها في سلة المهملات ، هكذا هي حياة العاملين بهذا القطاع داخل مبنى مؤسسة عمومية محترمة ، وهذا الامر يذكرني بنكتة قرأتها : تحكي حوارا بين عامل بسيط وحمار ، حيث قال له الحمار ساخرا : شحال كتخدم فالنهار ؟ قال له العامل وهو يتصبب عرقا : كنخدم 12 ساعة ، فضحك الحمار من قول العامل وقال له : أنا اللي حمار كنخدم 8 ساعات فاليوم .



أصبح حمار الطاحونة الذي يضرب به المثل في "التكرفيص" و"تمارة" أفضل حالا من حارس أمن خاص يسهر على راحة الناس على حساب راحته ، ويسهر على أمانيهم وأحلامهم على حساب أحلامه وطموحاته ، تجره الأقدار الى هذه المهنة على حين غرة فيجد نفسه أمام باب كبيرة أو خلف كونطوار أو على الهواء  مباشرة.... يلتمس لقمة العيش الجافة بعد أن يكون قد تلقى آلاف الاهانات والويلات ، وبعد أن يحين موعد الحصول على الأجرة تتم " جرجرته" الى موعد متأخر ، ولا يحصل على أجرته المشروعة حتى يطرق صاحب البيت داره عشرات المرات يتقاضاه ثمن الكراء ، وحتى يكون قد غرق في مستنقع الديون حتى أذنيه ، وضعية لا يتمناها لك الأعداء كما يقال ،.... حتى أصبحنا كالأيتام في مأدبة اللئام ، ومن يعترض أو يدعو الى الاحتجاج يكون جزاؤه الطرد دون تعويض ..... ففي هذا الشهر مثلا – شهر أبريل 2013- هددنا أحد المسؤولين بالطرد ان نحن قمنا بتوقيف حركة العمل على شكل اضراب ، سيناريو هيتشكوكي لا يوجد حتى في الخيال ، اللهم الا في قصص الف ليلة وليلة ، أما ونحن في الالفية الثالثة والعهد الجديد والاصلاحات التي استبشرنا بها خيرا ، فلن يصدق أحد مثل هذه التهديدات التي تذكرنا بعهود " المقصلة" وقطع الرؤوس دون محاكمات .



أحد الزملاء اتصل بمسؤول الشركة يطالبه بالاسراع بصرف أجورنا المستحقة مذكرا اياه بأن بيته قد ازدان بمولود جديد متطلباته كثيرة من حليب وحفاظات ...فأجابه المسؤول : " ماعندي ماندير ليك ...الفلوس مكاينينش " ، وهذا المسؤول هو " ضابط متقاعد" في الجيش التحق بشركة الأمن الخاص المذكورة منذ عدة سنوات ، هذا يعني أنه يتقاضى أجرتين سمينتين ....وكلنا يعلم أن القطط السمان لن تشعر بأنين " قطط المائدة"، ومنذ التحاقه وأحوال العاملين ترجع القهقرى ، حتى ساءت الأحوال مؤخرا ، وأصبح هو وغيره من المسؤولين لا يأبه لمشاكل العاملين ويحاول التهرب كلما حانت له الفرصة بشكل يبعث على الشفقة...... أما المدير العام السابق ( سمعنا أنه تم تعيين مدير عام جديد)لهذه الشركة فهو لا يسأل الا عن حسابه البنكي كل شهر ، أما العاملون فلايساوون عنده ثمن الصباط الذي يلبسه ، وحتى اذا شرفنا بطلعته البهية الا لمشكل معين يهدد الشركة ومصالحه المالية ، ولا يكلف نفسه حتى بالسؤال عن أوضاعنا وكأنه يخشى على يديه من الاتساخ عند مصافحة أيدينا المتعبة من قهر السنين ، انه الرأسمال عندما يتحالف مع "السلطة" والمصلحة، أما مصلحة العاملين فهي آخر مايفكر فيه أمثال هؤلاء



الحرمان من العطل والاعياد والتعويض عنها :



منذ التحاقي بهذه المهنة وأنا محروم وجميع زملائي بفرحة الأعياد الدينية والوطنية بل وحت عطلة " فاتح ماي" ليس لنا نصيب منها ، كما أننا محرومون من التعويض عن العطل والاعياد المؤدى عنها ، وهذا يعني أن هذه التعويضات تشق طريقها الى جيوب مسؤولي الشركة بسهولة ويسر . .....وهذا له مضاعفات نفسية على العاملين ، حيث يجردون من انسانيتهم وحقوقهم المشروعة مثل الجلوس مع عائلاتهم على طاولة الافطار في رمضان أو الفرح برؤية الهلال أو الخروج مع أبنائهم أو أهلهم لشراء ملابس العيد ، أما المسؤولون عن الشركة فهم يتمتعون على حساب عرق جبين المستضعفين في رغد من العيش دون رقابة ولا مساءلة .....لما لا وهذا القطاع مثل بقرة حلوب يذر عليهم شهريا أموالا طائلة .....دون مجهود يذكر اللهم الا المجهود المضني للعامل البسيط الذي يضحي بصحته الجسدية والنفسية وعمره من أجل " جوج د ريال" .....ويتلقى مقابل ذلك الاهانات التي تحط بالكرامة، هذه الكرامة التي سنقاتل من أجلها حتى نستولي عليها من الأيدي الغاصبة .....أيدي تسرق  أموال الناس ببراعة ، وباسم القانون ،....كرامة سوف نستردها بالكتابة وتعرية سوءة هؤلاء أمام الرأي العام وأمام الحكومة التي ننتظر منها أن تنصف هذه الشريحة الضائعة من المجتمع.



الحرمان من الضمان الاجتماعي وورقة الأداء وبطاقة الشغل :



لا ننكر أننا نتمتع بالضمان الاجتماعي ، لكن الشركة تتماطل غالبا في التصريح بعدد كثير من الأشهر ، فأنا مثلا وبعض الزملاء محرومون من عام كامل دون تصريح وعدد من الأشهر ، كما أن الشركة مثل وحش تأكل أبناءها وأحفادها فهي لاتراعى فينا الا ولا ذمة ولا قانون ، أذكر أنني لما التحقت بهذه الشركة كنا نتسلم  مع كل أجر ورقة أداء مكتوب أعلاها اسم مستعار غير اسم الشركة الحقيقي ، ربما تهربا من الضرائب ، وذلك شبيه بأفلام عصابات المافيا وشبكات العملاء ، ولما بدأت الشركة في التصريح بي شخصيا بالضمان الاجتماعي ، أصبحت تسلمني مع كل أجرة ورقة أداء مكتوب في أعلاها اسم الشركة GMCEالحقيقي، مما يؤكد أنها تريد أن تطمس الأدلة على تاريخ التحاقنا الحقيقي بالشركة ، فورقة الأداء الحالية ، تتضمن تاريخا مزورا لسنة التحاقنا بالمهنة ، مخصوم منها سنة كاملة من المعاناة والألم دون ضمان اجتماعي ودون حقوق ، ولا زالت دار لقمان على حالها الى الآن ، أما ورقة الأداء فلم نعد نراها مؤخرا ، أصبحت مثل "الشباكية" لانراها الا نادرا، سنة 2012 كاملة وبعض الأشهر من هذه السنة لم نملأ عيوننا من هذه الورقة اليتيمة ، وهذا يؤكد أن لدى مسؤولي الشركة "نية مبيتة" وخطة نسجوها بليل ، من أجل طمس الدلائل التي تؤكد أغلب حقوقنا ، ولكن الشمس لايمكن تغطيتها بالغربال ، وشمس الحقيقة لابد أن تظهر ولو بعد حين.



كما أننا لم نحصل على " بطاقة الشغل" التي تؤكد صفتنا المهنية ، ولا زال المسؤولون يتماطلون في اخراج هذه البطاقة الخيالية الى الوجود ، وكأنهم يعانون من عسر ولادة  ومخاض طويل يحتاج الى ولادة قيصرية ، " بحال الى غادي يعطيونا قردة والدة" كما يردد أحدهم .



الليل يا ليلى يراودني والهم لا يفارقني:



الليل في عمل مهنة الحراسة لا يشبه ليالي العشاق الذين يساهرون نجوم الدجى،وليالي المجون التي يتغنى بها الشعراء  الحيارى ،  بل هو ليل أشبه بغراب كسول وضيف ثقيل يثقل كاهل الحارس الليلي ، وكانت أشد الليالي علينا هي ليالي البرد القارسة ، التي لا تغازل المغفلين الذين لا يستعدون لها ، والفرقة الليلية تتناوب على المواقع كل ثلاث أيام ، وكانت النوبة ترمي العمال في بعض المواقع السيئة خارج أبواب ( أمام باب مغلق)مبنى الاذاعة والتلفزة يسميها بعضنا ب "تندوف" ، نلتحف السماء ونفترش الأرض في جو درامي خالي من شروط  الانسانية ، حيث تجري بنا السنين سريعا الى الوراء ، الى عصر القرون الوسطى، فنصبح ونحن فريسة للبرد القارس ، نحاول التخفيف عن أنفسنا بالالتحاف ببعض الأغطية ان وجدت وقطع الكارتون كي نمنع نسمات البرد السامة التي تدخل عبر العظم وتخترق اللحم والشحم ، أذكر أن أحد الزملاء مرض من " تحت حزامه" بسبب البرد ، فصرف الكثير من المال من أجل معالجة حالته ، ولا أذكر أنه أخذ تعويض عن ذلك أم لا ، وغالبا يسمح العمال في حقهم ويقولون " الحمد لله مللي خرجات سليمة" ، ويكمدون جراحهم ويصمتون يترقبون خيطا من نور يطل عليهم من وسط الحلكة التي يعيشون فيها ويتعايشون معها.



وبالاضافة الى البرد هناك أخطار محدقة بالعامل الليلي خاصة وأنه لا يملك وسائل الدفاع عن نفسه فكيف سيحمي مقر مؤسسة عمومية محترمة وهو لايستطيع حماية نفسه من تهديد البرد والبعوض وبعض الاخطار المحدقة؟ .



المراقب الليلي وحمار الليل :



بالاضافة الى غياب الشروط الأمنية والصحية التي يعمل في ظلها حراس الامن الخاص بالليل ، فانهم في ظل هذه الظروف المزرية يتوجسون كل دقيقة من أن يطلع عليهم " المراقب" التابع للشركة – الذي يتحالف مع البرد والبعوض-كي لا يقتنص أحدهم نائما أو يسرق لحضة يغمض فيها عينيه ، أما اذا لم يأتي المراقب فان "حمار الليل" أو بوغطاط يقوم مقامه في الحاق الرعب ب المستخدمين ، واقلاق راحتهم ، أما اذا ظهر المراقب بمصباحه الأوتوماتيكي فانه يرجع بصيد ثمين الى الشركة ، وتبدأ العقوبات من 7 ايام الى عشرة ايام قد تنتهي بالطرد من العمل دون احترام للمساطر القانونية المعمول بها .



مؤسسة عمومية أم ثكنة عسكرية؟ :



بعد مرور مدة ليست باليسيرة لاحظنا أن مسؤول الشركة " الظابط المتقاعد" يشغل " المتقاعدين" ليعملوا كحراس ، وهي سياسة ممنهجة من أجل عرقلة مسلسل المطالب التي سطرناها وحققنا بعضها على الأرض ، لكن في السنين الأخيرة  تم تعيين بعض المتقاعدين رؤساء لفرقة الحراسة وفرضو أنظمة عمل شبه عسكرية وسوء المعاملة مع العاملين واهانة كرامتهم باسم " احترام  القانون " وحسن سير المؤسسة ، كما أنهم يساهمون في ايقاع بعض العقوبات على العاملين الجدد وطردهم لأسباب واهية ، مع العلم أنه يمنع كليا حسب القانون الجديد للحراسة الخاصة تشغيل  "المتقاعدين" في سلك الحراسة الخاصة .لذلك نتساءل عن الصفة القانونية لهؤلاء؟



ولكي لا نبخس للناس أشياءهم ، فظروف العيش السيئة التي يعيشها بعض المتقاعدين هي التي رمتهم الى هذا الميدان الملغم ، ويوجد بينهم من لايزال يعول عائلة كبيرة وأبناء صغار ، ولكن بعضهم الآخر عنده مايكفيه من أجرة التقاعد وأملاك ولا يصرف راتبه الا على نفسه أو زوجته ، ويأتي الى هذا القطاع يزاحم الشباب الفقير ، بل ويتقلد بعض المسؤوليات ويستعين بها في الحاق الضرر بالبعض ، وعرقلة مجهوداتنا التي بدأناها منذ مدة في اصلاح وضعية العاملين ، لكننا اليوم رجعنا الى مرحلة الصفر ، وكأننا حراس جدد ، مثلنا مثل باقي الملتحقين الجدد ، لا حقوق ولا اقدمية ، بل حتى الأجرة المستحقة تصلنا متأخرة وكأنها راكبة على حمار " أعرج يمشي على ثلاثة كمشية العرنجل" كما قال الأصمعي، أما بعض المتقاعدين ( الذين يتقلدون بعض المسؤوليات) ف"يتشفون" في حالتنا هذه لأنهم عندهم مايكفي من المال لسد هذه الثغرة ، من تقاعد وغيره ، أما باقي الشباب الذي لايمتلك عائدا آخر غير هذه الأجرة الهزيلة مثل "لحم جمل غث لاصعب فيرتقى ولا سهل فينتقل" فليس لهم من حل آخر غير "الكريدي" وطرق الابواب ، بل يضطر بعضهم الى استدرارعطف بعض الموظفين كي يعيدو الاستقرار المادي الى جيوبهم المثقوبة . وهذه التصرفات أكبر طعنة في خصر "كرامة" العاملين ، ويتحمل مسؤوليتها جميع مسؤولي الشركة ، والعامل نفسه ، والمجتمع والدولة ، لأن هذا القطاع يحتاج الى اعادة هيكلته من الداخل ، وتنظيمه قانونيا وأخلاقيا ، كي نحقق حدا أدنى من الكرامة والعدالة الاجتماعية واعادة ترميم بعض ملامح الهشاشة الاجتماعية، ولكي نسد هذه الثغرة والفراغ القانوني ، التي يدخل منها بعض " أرباب الشركات" الجوعى ، فيعيثون في سوق الشغل فسادا ، ويربحون الملايير على حساب العامل الضعيف وعلى حساب "الوجه الجميل" لهذا البلد الأمين ، لن يصدقني أحد اذا قلت أن "رب الشركة" لديه مشاريع أخرى كبرى ، ولا يهتم بأوضاع هذه الشركة مادامت عائدات أرباح هذه الشركة تصافحه كل شهر في حسابه البنكي ، بل انه لايزور الشركة وأسواقها الفرعية" ولو كل سنة مرة"، ولايسأل عن أحوال العاملين ، وأنا أذكر أنه زار موقع الاذاعة والتلفزة مرة واحدة في 2008 ، وصافحني ببرودة كأن له معي حسابا قديما ، ومن حينها لم نرى وجهه "المبارك" كأنما ابتلعته الأرض ، ولا نرى الا شياطينه التي تأتينا بالليل كي تتصيد من يسرق لحظة نوم جميلة وحالمة.



 : المستبد الذي يبني أمجاده فوق جماجم المقهورين :شركة GMCE



هذه الشركة " معندهاش الوجه علاش تحشم" لأنها دائما تلعب على الحبلين ...فالبالاضافة الى سياسة العصا التي تلوح بها أحيانا ، فانها في بعض الأحيان عندما يشتد الوطيس ويتعالى الغبار فانها تستنجد بمستخدميها في موقع الشركة الوطنية للاذاعة والتلفزة ،....فاذا أراد مسؤولو الشركة التعاقد مع أسواق أخرى في اطار الحراسة الخاصة فانهم يدعون " شركاءهم " لزيارة موقع الاذاعة والتلفزة من أجل التأكد من جودة الخدمات الأمنية التي تقدمها شركتنا ، ويوصوننا قبل ذلك ب" أن نحمر لهم وجوههم أما هؤلاء الزوار " ويوهموننا بأنهم " مراقبون" يريدون التأكد من حسن مردودية العاملين في عملهم ، ولكننا اكتشفنا أن هؤلاء الزوار ماهم الا شركاء" مستقبليين جاؤو لزيارة الموقع للتأكد من جودة الخدمات مما يشجعهم على عقد الصفقة ، هذا الوزن الذي يحتله موقع الشركة الوطنية للذاعة والتلفزة وتفاني العمال في أداء مهامهم يجعل الشركة التي نعمل فيها تستفيد من شراكات وعقود أخرى ، في محاولة لايهام " الشركاء" بأن هناك جودة في تقديم الخدمات ، بينما في الواقع ليس هناك جودة ولا هم يحزنون وانما هناك جور وظلم وبهتان عظيم يتوارى وراء " الوجه التقي" الذي يتصنع الايمان ، ..... " مخطئ من ظن يوما....أن للثعلب دينا".



وعلى ذكر "الأسواق" والمواقع التي تستغلها الشركة ، فان ظلم مسؤولي الشركة يمتد الى العمال في هذه المواقع الأخرى ، وأخبرني أحد الزملاء أنه زار مقر الشركة في الدار البيضاء من أجل تصفية احدى مشاكله مع الادارة ، ....فوجد هناك طوابير من العاملين ينتظرون مقابلة المدير ، ولما استفسر زميلي عن سبب اصطفافهم بهذا الشكل كأنهم أمام مقاطعة ، أخبر بأن هؤلاء أغلبهم لم يتسلم أجرته منذ شهر أو شهرين أو أكثر .....



شهادات عليا = العطالة أو مستنقع الحراسة الخاصة:



قطاع الحراسة الخاصة تستقطب أصحاب الشهادات وغيرهم بعدما يجدون الأبواب مغلقة في وجوههم ، ولا يجدون أمامهم الا وحش" اللوفياتان " يرمون أنفسهم داخل جوفه ، ثم لا يراعى مستواهم العلمي ولا ضياع سنوات عمرهم في التحصيل والتعلم ، لذلك فهم يحسون بالحكرة أكثر من غيرهم لأنهم يرون أن هذه المهنة ليست من مقاسهم وانما قدر مفروض عليهم ، فرضته " القطط السمان" على الفئات الشعبية العريضة .



أخبرني أحد الزملاء حاصل على شهادة جامعية أنه دخل الى هذه المهنة "غير بالضحك واللعب" ، كاجراء مرحلي وك حل ترقيعي حتى " يحن الله" ويجد وظيفة محترمة ، دخل ضاحكا مبتسما ، أما الآن فقد اختفت الابتسامة وأصبحت تكسو وجهه ابتسامة صفراء تختفي وراءها هالة من الحزن وسحابة من الهموم ، بسبب الحكرة التي تسلط سيفها المهند على رقاب ولاد الشعب البسطاء ، هذا اللوفياتان الذي تحدث عنه هوبس في اطار نظريته " حرب الكل ضد الكل" في مرحلة "حالة الطبيعة" التي عايشها  ، والتي مازال يذوق ويلاتها مجتمعنا الحالم . هذه عبارات مختلطة بعبرات متقطعة ، كتبتها كمحاولة لتوصيف الحالة العامة لحارس الأمن الخاص في مقر مبنى الشركة الوطنية للذاعة والتلفزة ، وأنا هنا أوجه أصابع اللوم والعتاب الى شركتنا التي تأكل رزق أبنائها ، وقد وصفت سياساتها العنصرية في مارشي الاذاعة والتلفزة لأنني عايشت تلك الممارسات ورأيتها رأي العين ، والا فان ظلم الشركة يمتد  الى مواقع أخرى التي يطالها سيف ظلمها وسلطتها ، أما الشركة الوطنية للاذاعة والتلفزة فليست لدينا معها أية مشاكل ، وإنما ذكرناها لأن السياق العام فرض ذلك، والوضع يحتم علينا وصف الواقع وضبظ الأحداث بالمكان والزمان ، والله ولي التوفيق.



توقيع : حارس أمن يفتقر إلى الأمن.



 









شاهد أيضا

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق






موقع "الناس" يصدر عن شركة annass press جميع الحقوق محفوظة © 2018