جريدة الناس الإلكترونية _ خيْبة حمار أشهب
آخر الأخبار


أضيف في 26 شتنبر 2017 الساعة 12:31


خيْبة حمار أشهب



نورالدين اليزيد

يُحكى أن

..كان أحد أعيان القرية ذا خيرٍ كبير وعَميم.. وكان له إسطبل واسع ورحب يضم دوابَّ وبهائم كثيرة، لكن هذا العيْن سيدَ قريته كان يفضل حمارا أشهب على باقي البهائم بما فيها إخوة "الأشهب" من الحمير السود..ليس فقط لِلَونه اللامع ولكن أيضا لسلوكه وفطنته المُتقدتين اللتين جعلتا منه حمارا يفهم كل إشارات صاحبه ومولاه أكثر من كل البهائم !

كان الحِمار المفضل لدى مولاه يعرف حظوته ومكانته تلك المرموقة وسط الإسطبل..فكان يشعر كأنه أكثر من الفُرُوس نخوة، وأكبر من الجِمال والبغال ثِقلا وتحمّلا.. وأمّا بالنسبة لأشقائه الحمير فقد كان يرى نفسه قائدهم وزعيمهم المُفدّى الذي سيقودهم إلى الانعتاق من رقبة التهميش والدونية والجهل، التي سجَنهم بها القوم وحتى باقي البهائم والحيوانات داخل الإسطبل وخارجه !

كان صاحب الإسطبل لا يتردد في التجول على متن حِماره الأشهب في القرية وفي حقوله وبساتينه المترامية الأطراف..بل كان يشفق عليه كثيرا..وكثيرا ما بدا السيّد يسير جنبا إلى جنب رفقة حِماره المحظوظ وقد أخذ بيُسر ولطف بِلِجامه، حتى أن أهل القرية والناس جميعا استغربوا اختيار هذا الثري لهذا الحمار من بين كل الفُروس والبغال والجِمال التي وسِع وتضخم بها إسطبلُه، وقد كان في ما مضى مِن زمن ذا طلعة زاهية وهو يمتطي بغلا أو فرسا مزينا بسرج لامِع برّاق ما كان يزيده بهاء وتشريفا وتوقيرا..

ذات مناسبة قرّر أعيان وَسادةُ القرية المجتمعين على وليمة باذخة مُفاتحةَ مثيلهم في الموضوع وحثه على التراجع عن اختياراته بين البهائم، التي رأوها لا تُناسب مقامهم وقد تُحمّس وتحفّز حميرَهم على التمرد عليهم مطالِبة بالمعاملة بالمِثل.. لكنه رفض وثار في وجههم، وأخبرهم أنه سيدٌ مثلُهم وهو سيّد نفسه كما هو سيّد إسطبله يفعل فيه ما يشاء ويفضل هذا على ذاك كما شاء..

تبرّمُ سادة القرية وأعيانها وغضبُهم امتدا ليصلا إلى باقي بهائم إسطبل جارِهم، فقرّر كلّ البغال والفُروس والجِمال التعبيرَ عن رفضهم لهذا التمييز غير المنصف في حقهم، والذي رأوه يخالف ليس فقط قوانين الإسطبلات بل حتى قوانين الطبيعة..فاستقر بهم الرأي على رفض أكل العلف الذي يقدمه إليهم خدمُ السيد..وسرعان ما وصل الخبر إليه ففَهِم الرسالة من عصيان البهائم وخشي على بغاله وفُروسه وجِماله من موت أو وهن يتهددهم وهو الذي ادخر جزءا كبيرا من أمواله في تعليفهم وتسمينهم ليحتاجهم في الأسواق وفي مواسم الحرث والحصاد وفي سباقات الفروسية..كما خشي من الأعيان أن ينفروا منه..فقرر مالك الإسطبل التراجع عن قراره الحيواني هذا وعنّت إليه فكرةٌ يقنعُ بها حماره المُدلل..اقترب منه وهو على أحد أبواب الإسطبل..

عُدْ إلى مكانك في ذاك الركن يا حماري ولا تقلق فإنك ستبقى حماريَ المفضل وبهيمتي التي أرتاح وأسعد معها من دون كل الصهوات.. قال مولاه هامسا..فأرخى الحمار المسكين أذنيه إلى أسفل ودلف منساقا إلى الركن حيث إخوته من باقي الحمير..

في تلك اللحظة خطرت كل الأفكار في مخيلة الحمار المتخلى عليه..وتذكر كيف فكّر يوما أن يكون أحسن مكانة وقيمة من الفرس ومن الجَمل ومن البغْل..قبل أن يدنو منه حمار أسود بدا كأنه أنثى وهو يتغنج إليه وشرع في كيل المديح والدلع إليه محاولا تخفيف وقع الصدمة عليه ومذكِّرا إياه في نفس الوقت بكثير من المزاح بل والخبث أيضا بقوله.. كلنا حمير سواءٌ يا حبيبي حتى ولو كنتَ أنت أشهب وأنا أسود !

[email protected]

https://www.facebook.com/nourelyazid








شاهد أيضا

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق






موقع "الناس" يصدر عن شركة annass press جميع الحقوق محفوظة © 2018