جريدة الناس الإلكترونية _ ما الذي يمكن للبهائية أن تقدمه للمسلمين اليوم؟
آخر الأخبار


أضيف في 27 أكتوبر 2017 الساعة 17:50


ما الذي يمكن للبهائية أن تقدمه للمسلمين اليوم؟



أحمد عصيد

يعتقد معظم المسلمين بأنهم مكتفون بذواتهم أغنياء عن غيرهم في الجانب القيمي، في الوقت الذي يعيشون فيه تدهورا قيميا خطيرا مقارنة بغيرهم من الأمم والشعوب المتحضرة، ومرجع ذلك إلى عوامل كثيرة منها أسلوبهم في فهم الدين وتوظيفه، والذي هو أسلوب أصابه التقادم وعلاه الصدأ من زمن بعيد، لأنه مبني على بديهية خاطئة يرون بموجبها أنّ كل ما كان قبل الإسلام وما جاء بعده هو دون الإسلام حكمة وعلما وحقيقة، ما يجعل الإسلام يبدو كما لو أنه بداية ونهاية التاريخ، وقد عاقهم هذا الاعتقاد عن مسايرة التطور السريع للحضارة الإنسانية، والاستفادة من تجارب الأمم المختلفة، وخاصة منها تلك التي فاقتهم خبرة وتجربة وتقدما في جميع المجالات.

ولقد عثرت وأنا أتفقد أوراق البهائيين بمناسبة مرور 200 سنة على ميلاد نبيهم "حضرة بهاء الله"، على ثلاثة نصوص أعتقد أنها في غاية الحكمة التي يفتقدها المسلمون اليوم، وقد سمعت من يقول: لا شيء نتعلمه من البهائية أو غيرها، فلدينا الإسلام وهو خاتم الديانات والرسالات السماوية. لا شك أن لدى الإسلام الكثير مما يمكن أن يقدمه للبشرية، لكن المسلمين فشلوا في إيصاله بسبب أسلوبهم في التفكير، فإذا تحلينا ببعض النزاهة والتواضع، ونظرنا في هذه النصوص التي أهديها للقراء الأعزاء بهذه المناسبة، فقد نجد فيها ما ينفع في تصحيح أخطائنا، وخاصة منها ما يتعلق بأسلوب التعامل مع الدين وطريقة فهمه وتوظيفه، إضافة إلى أنها نصوص تتعلق بقضايا هي من أكبر أسباب تخلف المسلمين.

ترجع النصوص الثلاثة إلى بداية القرن العشرين، وهي من خطب الخليفة الأول لـ"بهاء الله" الذي يحمل لقب "عبد البهاء":

 النص 1

"لتكن جميع معتقداتكم متوافقة مع العلم، فلا يمكن أن يكون هناك تعارض بينهما، لأنّ الحقيقة واحدة. فعندما يتجرّد الدين من خرافاته وتقاليده ومذاهبه غير المعقولة، ويظهر اتّفاقه مع العلم، عندئذٍ ستكون هناك في العالم قوّة عظيمة موحّدة ومطهّرة تجرف أمامها كافّة الحروب والنزاعات والخلافات والصّراعات، عندئذٍ سيتوحّد الجنس البشريّ في قوّة محبّة الله".

النص 2

"دقق النظر في عالم الوجود. كلّ الأمور يلزمها التجديد. فانظر إلى العالم المادي كيف قد تجدّد الآن، والأفكار قد تجدّدت، والعادات تجدّدت، والعلوم والفنون تجدّدت، والإدراكات أيضا تجدّدت. فكيف يمكن إذًا لقوّة عظيمة كالدّين، وهو الضّامن للتقّدم الهائل لعالم الإنسان وعلّة الحياة الأبديّة ومروّج الفضائل اللامتناهيّة ونورانيّة العالميْن، أن يبقى دون تجدّد ؟"

النص 3

"إنّ النّزاع بين الأديان والأمم والأجناس ينشأ عن سوء التّفاهم، وإذا نحن تحرّينا الأديان في سبيل اكتشاف المبادئ التّي تقوم عليها، فسنجدها جميعًا متّفقة فيما بينها، لأنّ حقيقتها الأساسيّة واحدة، لا تعدّد فيها، وبهذه الطّريقة سوف يصل أهل الأديان في العالم إلى ملتقى الوحدة والوئام".

يشير النص الأول إلى ضرورة استحضار الوعي الديني لنتائج العلوم، حتى لا يكون الوعي الديني والسلوك الديني متخلفين عن ركب العلوم التي هي مرتكز الحضارة المعاصرة، فيكرسا أفكارا وسلوكات لا يقبلها العلم والعقل وقيم الزمن الراهن، مما يؤدي إلى كوارث كثيرة كالتي تحدث اليوم في عالم المسلمين، الذين عجزوا عن تجريد الدين "مما ليس معقولا" كما يقول النص أي من الأفكار المتطرفة واللاإنسانية التي علقت به عبر الحقب والأزمنة، ولعل أجمل ما يضيفه هذا النص هو اعتباره الله "محبة" لا خوفا وعقابا وترهيبا، في الوقت الذي ما زال فيه المسلمون يعتمدون كثيرا في تربيتهم الدينية على التخويف والترهيب.

ويشير النص الثاني إلى ضرورة إخضاع الدين نفسه لسنة الحياة العظمى التي هي الصيرورة والتغير، وذلك بالتجديد الفكري والاجتهاد العقلي والتغيير الدائم، وهو ما يمثل أحد الأعطاب الكبرى للعقل الإسلامي المعاصر، الذي ما زال يعتقد بأن الدين فوق التاريخ وواقع الناس، وأنه ثوابت نهائية قطعية مفصولة عن أي سياق تاريخي وأرضي، مما أنتج الجمود الفكري ومحاولة إخضاع الواقع المتحرك المفتوح دائما على المستقبل، لقواعد ونصوص ثابتة ونهائية.

وأما النص الثالث فهدفه أنسنة الأديان وإزاحة الحواجز فيما بينها، لإنهاء الصراعات الدينية والمذهبية وإقرار الاحترام المتبادل بين البشر، فما زال المسلمون يعتقدون بتشدد بالغ أحيانا بأنهم الأفضل والأرقى دينيا، وأن دينهم الأصح، وأنه الذي ينبغي أن يغزو العالم، وينتشر في كل البلدان، وأنهم "طاهرون" والآخرون "دنسون"، والمشكل أنهم يعتقدون في ذلك دون أن ينجحوا في تقديم نموذج واقعي للصلاح الذي يعتقدونه في أنفسهم.

قديما قيل: يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، فإذا أضفنا إلى النصوص الثلاثة السالف ذكرها أن البهائية تقرّ بصورةٍ قاطعةٍ مبدأ المساواةِ بين الرجلِ والمرأةِ في الحقوق والواجباتِ بشكل مطلق، جاز لنا أن نقول إن المبادئ المشار إليها هي بمثابة الترياق بالنسبة لمسلمي اليوم، الذين يجتازون ظروفا عصيبة، جعلتهم في وضعية فقدان البوصلة، فالعقلانية العلمية والروح النقدية والتدين الإنساني المنزع والمساواة التامة بين الجنسين هو ما ينقصهم، وما داموا عاجزين عن استخراج ذلك من الدين الإسلامي ، فقد يكون للآخر دور في إرشادهم إليه، حتى يجدوا أنفسهم في سلام مع ذواتهم ومع العالم.

ملحوظة:

تعتبر الديانات بالنسبة لكاتب هذه السطور متساوية في قيمتها الإنسانية ، ومتكاملة من حيث غاياتها السامية، ولا يعتبرها مسؤولة عن أخطاء البشر، ويعتبر البشر مسؤولين ـ في سياقات تاريخية محددة ـ عن توظيف الديانات في الاتجاه الخطأ.

 








شاهد أيضا

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق






موقع "الناس" يصدر عن شركة annass press جميع الحقوق محفوظة © 2018