جريدة الناس الإلكترونية _ المغرب والتحول المطلوب
آخر الأخبار


أضيف في 2 نونبر 2017 الساعة 10:08


المغرب والتحول المطلوب



عبدالله جبار

لا أحد يمكن أن يجادل في أن المغرب من البلدان العربية القليلة التي تخطو نحو تحديث النظام السياسي وجعله قادرا على مواكبة التحولات الإقليمية الدولية وأيضا الاستجابة لمطالب الحركات السياسية والمدنية المحلية، وقد تجلى ذلك أساسا مند مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث اشتد الصراع بين الحركة الديمقراطية والسلطة الحاكمة، وترسخت القناعة بأن إقرار الديمقراطية يتوقف أساسا على إحقاق إصلاحات دستورية تهم مختلف المؤسسات، لإحداث النقلة النوعية المطلوبة وتجاوز حالة الغليان والتوتر اللذين ميزا المشهد السياسي المغربي مند فجر الاستقلال.

فكان أن استطاع المغرب أن يتلمس هذا الطريق ولو ببطء، مما أمكنه تجنب هزات الربيع العربي، فجاء دستور 2011 في مضامينه على الأقل ملحا على أسلوب الانتقال والتحول في تحديد مستقبل التجربة الديمقراطية وإزالة العقبات في التطبيق الصحيح لها، من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة دستوريا، وهو الأمر الذي شكل، ولعقود، مطلب الأحزاب الوطنية والديمقراطية، لما لهذا المفهوم من أهمية في تنظيم سلوك وممارسات الأفراد، وفق سلطة تحاسب كل من يخرق القانون، وإن كانت العلاقة بين السلطة والمسؤولية واحدة، فهما مترابطتان يكمل كل منهما الآخر، فلا مسؤولية بدن سلطة، ولا سلطة بدون مسؤولية.

فالمسؤولية هي مساءلة القائمين على شأن البلاد والعباد مهما كبر شأنهم، لأنها مؤشر لزرع  الثقة وتبديد القلق والخوف، والحفاظ على حقوق الناس، والعمل على الاستجابة لمتطلباتهم ورغباتهم، وكلما انعدم أو قل هذا العنصر عمت الفوضى وضعفت المؤسسات وصار القوي يستعبد الضعيف في قوته ورأيه وعقيدته..

والمغرب كباقي البلدان النامية أخفق بدرجات في بلوغ هذا الهدف، فصار المواطن مهملاً، وهدرت حقوقه، ولا يستطيع محاسبة من هم في السلطة، خاصة في ظل عدم وجود تقاليد محاسباتية، مما أدى إلى فشل الكثير من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التنموية وحتى السياسية، وتفشت ظاهرة الفساد باختلاف صوره، رغم وجود ترسانة قانونية تعالج مثل هذه الوضعية.

إن التقرير الأخير للمجس الأعلى للحسابات لم يكن إلا نقطة صغيرة وسط عتمة ظلام حالك لما يجري داخل مؤسسات المفروض فيها تأدية دورها المواطن كاملا غير منقوص.

إن أداء هذه المؤسسات اليومي وخاصة في السياسات العمومية ولد لدى المواطن عدم الارتياح، فاهتزت بذلك درجة الشفافية والصدقية في الحكومات المتعاقبة، لعدم قدرتها الاستجابة لاحتياجات المواطن، بل كانت سببا في إثارة الاحتجاجات التي كلفت وتكلف المغرب الشيء الكثير في الداخل والخارج، ليس آخرها حراك الريف وثورة العطش بزاكورة.

إن المغرب اليوم مطالب بتعزيز ومواصلة المفهوم الجديد للسلطة الذي يمر عبر آلية المحاسبة بمرجعية قانونية وبعقلانية تعزز دولة الحق والقانون.

ونعتقد أن القرار الصادر أخيرا بخصوص إقالة وزراء ومسؤولين كبار أخلوا بمسؤولياتهم، وجب التقاط معناه، فهو إشارة قوية غير مسبوقة ترمي إلى تحريك المياه التي ظلت راكدة لسنوات، وأخرت اللحاق بركب الدول الناشئة من جهة، ومن جهة أخرى هي رسالة للساسة والنخب والمسؤولين بأن زمن عفا الله عما سلف قد ولى إلى غير رجعة، وأن المسؤولية مستقبلا لن تكون في متناول من هب ودب أو على أساس المحاصصات الحزبية، بل على أساس الكفاءة وقيم المواطنة الحقيقية، وبذلك نكون فعلا قد بدأنا طريقنا سعيا في التحول المطلوب.    

*باحث في قضايا الهجرة- مقيم بإيطاليا       

 

 

 

 








شاهد أيضا

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق






موقع "الناس" يصدر عن شركة annass press جميع الحقوق محفوظة © 2018