جريدة الناس الإلكترونية _ أسئلة إلى ''أهل الاختصاص''
آخر الأخبار


أضيف في 23 أبريل 2018 الساعة 10:55


أسئلة إلى ''أهل الاختصاص''



أحمد عصيد

كلما خضنا نقاشا حول قضية من قضايا المجتمع المغربي التي لها علاقة بنصوص الدين إلا وقيل لنا لستم من "أهل الاختصاص"، دون أن ينتبه أصحاب هذا الرأي إلى أن جميع القضايا التي نتناولهاهي قضايا حقوقية محضة، نخوض فيها بصفتنا فاعلين مدنيين حقوقيين، أي أنها في عمق "اختصاصنا"، لكن يبدو أن هؤلاء يعتبرون الدين مجالا مستثنى من حقوق الإنسان.

وسوف نغضّ الطرف عن العنف اللفظي والاتهامات التي لا تجدينفعا لأنها غير ذات موضوع، كما أنها زيغ عن منطق الحوار والتبادلالذي نعمل على ترسيخه لدى مواطنينا في بلدنا المغرب.

والواقع أننا إذا اعتمدنا منطق هؤلاء فسيكون علينا أن نسكت عنجميع أنواع المظالم التي تقع في المجتمع، بعذر أنها مرتبطة بالدينالذي هو شأن "أهل الاختصاص" ، وطبعا كلما انتظرنا من "أهلالاختصاص" هؤلاء أن يقدموا حلولا عملية للمشاكل التي نطرحها ويطرحها الواقع المتجدد، لم يعيرونا أياهتمام بحُجة أن ما يجري هو من "تقاليدنا العريقة" ومن "ثوابت الأمة" التي لا يجوز إعادة النظر فيهالارتباطها بنصوص "قطعية الدلالة"، وهكذا نظلّ ندور في حلقة مفرغة، ونجتر تخلفنا المحروس والمراقببإحكام.

إن مشكلة "أهل الاختصاص" هؤلاء أنهم يريدون احتكار فهم الدين وتفسيره وتأويله دون أن يقدموا للناسأجوبة شافية على الأسئلة التي يطرحونها، بل أحيانا ما يقدمون للناس أجوبة تتعارض مع القانون، ومعمنطق الدولة، وتراهم ينزعجون بعد ذلك أشدّ ما يكون الانزعاج عندما ينصرف عنهم الناس بحثا عن حلولفي مرجعيات ومصادر أخرى، كالقانون الوضعي وحقوق الإنسان والفكر العلمي، فالكثير من الأشياء التي تمالعمل بها في الدولة والمجتمع على مدى القرن الماضي كله كانت عبر التجاهل التام لـ"أهل الاختصاص"، فقدحرّموا البنوك ففتح بها الناس أرصدتهم ودارت بها عجلة الاقتصاد الوطني كما في جميع دول العالم، وحرّمواتمدرس الفتاة وخروج المرأة من البيت والاختلاط مع الرجال فأقبل الناس على تدريس بناتهم حتى حققنالتفوق بنسبة 63 في المائة مقارنة بالذكور، ورفضوا تعديل مدونة الأسرة لأكثر من مرة فكانت التعديلاتالمتعاقبة، وحرّموا اللباس العصري فارتداه الناس وانتشر انتشار النار في الهشيم، وحرّموا المسرح والتمثيلفازدهر وتكاثرت فرقه، وحرّموا الغناء فافتتن به الناس وتهافتوا على نجومه ونجماته، وحرموا الهاتففصاروا لا يستغنون عنه، وحرموا السباحة ولباس البحر فاكتظت الشواطئ بالناس رجالا ونساء ، ومؤخرافقط سُئلوا عن حرية المعتقد فقالوا "من بدل دينه فاقتلوه"، فكان أن بادرت الدولة بالتوقيع على احترامحرية المعتقد،،، وقبل كل هذا كانوا قد حرموا الشاي فصاروا من أكبر شاربيه والمدمنين عليه.

ماذا لو انتظرنا رأي "أهل الاختصاص" لكي نعرف ما علينا عمله ؟

ومن الأخطاء التي يقع فيها أصحاب المرجعية الدينية أنهم يعتقدون بأن قواعد التفكير التي ورثوها عنفقهاء الماضي البعيد ما تزال صالحة، ولهذا يدخلون تلك القواعد الفقهية ضمن "العلم بالدين"، وهم لاينتبهون إلى أننا لو اتفقنا معهم على نفس قواعد التفكير والعمل التي هي قواعد بشرية تعود إلى أزيد منألف عام، لانتهينا معهم إلى نفس النتائج، فمن يفكر تفكير الفقهاء بنفس المنطلقات ومنهج النظر لا بدّ أنينتهي إلى نفس النتائج، والتي نعلم أنها نتائج تعدّ اليوم متجاوزة بحكم ما حدث في الفكر البشري من ثوراتوما عرفه الواقع الإنساني من انقلابات هائلة، جعلت تلك القواعد غير كافية للإحاطة بالواقع وتدبيره وضمانكرامة الإنسان المواطن وحقوقه الأساسية.

وما دمنا في سياق النقاش الدائر حول "صحيح البخاري"، فيمكن أن نقدم من خلاله مثالا على ما نقول حتىتتضح الرؤية، فالفقهاء ومشايعوهم ما زالوا يحتفظون بالبخاري ويقرءونه كما قرأه القدماء، لأنهم احتفظوامعه بنفس منهج النظر الذي هو منهج "التعديل والتجريح" وفحص السند والنبش في أخبار الرواة، وهومنهج قاصر ومليء بالثغرات مما أدى بالبخاري إلى قبول الكثير من الأخبار المنسوبة إلى النبي بالروايةالشفوية على أنها أخبار يقينية صحيحة، رواها أناس "ثقاة" ، وهي أخبار بُنيت عليها فيما بعد ـ وهذا هوالأخطر ـ قوانين لتدبير شؤون المجتمع الإسلامي عبر قرون طويلة، بينما هي أخبار لا يحتاج المرء إلى كبيرعناء للكشف عن عدم معقوليتها، بل وعن إساءتها للدين ولشخص النبي.

فقد أقصيت المرأة مثلا من تولي مناصب الدولة والخروج للتعلم اعتمادا على أحاديث وردت في البخاريوغيره اعتبرت "صحيحة"، وهي تتضمن إهانة كبيرة للنساء واحتقارا لهن، وهي اليوم نصوص لم يعد يعملبها أحد، لكننا نُسائل حولها "أهل الاختصاص" لنعرف سر تمسكهم بـ"صحتها" من خلال استمرارهم فيتقديس البخاري، واعتباره "أصح كتاب بعد كتاب الله" (كذا !)، ومن هذه الأحاديث "لا يفلح قوم ولوا أمرهمامرأة"، وكمثل "لا تصحّ صلاة امرئ مرّ أمامه كلب أو حمار أو امرأة"، وكمثل "النساء ناقصات عقل ودين"،وكمثل "إنما الشؤم في ثلاثة في الفرس والمرأة والدار"، وكمثل "لا تُسافر المرأَة إِلا مع ذي مَحْرَمٍ"، وكمثل"تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، وغيرها من الأحاديث التي نُسبت إلى النبي بعد200 عام من وفاته واعتبرت "صحيحة" فقط بإسنادها في الرواية الشفوية دون النظر إلى مضمونها ومدىمطابقته للواقع وللمنطق.

على "أهل الاختصاص" إذن ومشايعيهم أن يدركوا بأن جوهر اختلافنا ليس في معرفة نصوص الدين أو عدممعرفتها، بل هو في منهج التفكير من جهة، وفي مقدار الإلمام بالواقع الإنساني الراهن واعتباره، وبعلومعصرنا ومعارفه التي لا غنى عنها في أي مجال من المجالات.

إن كوننا لسنا من "أهل الاختصاص" في الدين أي لسنا فقهاء، لا يعني أننا لا نعرف كيف نستعمل عقولنابشكل سليم، كما لا يعني أننا نعجز عن التمييز بين الخير والشر، بين الواقع والخيال، بين المشاعر العاطفيةوالحقائق العلمية، ولا يعني على الإطلاق من جانب آخر أننا لا نعرف دستور بلدنا والتزامات دولتنا المغربية.ولهذا فمن واجب "أهل الاختصاص" في الدين أن يصحّحوا أخطاءنا وأن يعلنوها حتى نكون على بينة منها.وحيث أنه لا أهلية لنا في نقد البخاري، فإننا نختم بسؤالهم عن حديثين كي يشرحوهما لنا على سبيل المثاللا الحصر، الأول يقول "اقتلوا الكلب الأسود" والثاني يقول إنّ "الميت يُعذب في قبره بما نيح عليه"،وأسئلتنا هي التالية: لماذا علينا قتل الكلب بسبب لونه ؟ ما الفرق بين الكلب الأسود والأبيض ؟ ما مصدر لونالكلب ؟ هل هو مسئول عن اختيار لونه حتى نقتله بسببه ؟ ثم لماذا يُعذب المرء في قبره بسبب بكاء أهلهعليه ؟ هل يمكن لشخص أن يموت فلا يبكيه أهله ولا ينوحون على فقدانه ؟ هل يتحمل الميت مسؤولية نواحأهله عليه ؟ ما مصير الآية القرآنية "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ؟

 








شاهد أيضا

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق






موقع "الناس" يصدر عن شركة annass press جميع الحقوق محفوظة © 2018