جريدة الناس الإلكترونية _ الشراكة في تدبير الجماعات الترابية.. اختيار أم التزام قانوني ؟
آخر الأخبار


أضيف في 19 يوليوز 2018 الساعة 18:50


الشراكة في تدبير الجماعات الترابية.. اختيار أم التزام قانوني ؟



د. أحمد انويش

شكلت الشراكة ومنذ سنين طويلة أحد الاختيارات الأساسية للجماعات الترابية سواء في مخططاتها أو برامجها التنموية، واعتبرت أحد مؤشرات التدبير الجيد والتخطيط الاستراتيجي في تنمية التراب المحلي، إلى حد أنها أصبحت أحد المرتكزات والمبادئ الأساسية للحكامة الجيدة التي بوأها الدستور الجديد مكانتها اللائقة.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى الخطابات الملكية التي شكلت مرتكزا وإطارا نظريا لتدعيم النهج التشاركي. فقد نص خطاب أكادير ليوم  24-12-2006 على أنه " بما أن الحكامة الجيدة، أصبحت عنصرا أساسيا في تدبير المدن الكبرى، كان لزاماً على مدننا التوجه نحو نظام يمكن من فتح المجال لمبادرات، تقوم على مقاربة تعاقدية وتشاركية، بين الدولة والمدن، ومن انخراط  مختلف الفعاليات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، وإشراك المواطنين في مختلف مراحل إنجاز البرامج المحلية".

 ونظرا للدور المتنامي للجماعات الترابية وما يصاحب ذلك من إكراهات لاسيما تلك التي تتعلق بتوفير الموارد المالية، أصبح من الضروري البحث عن شركاء يؤازرونها ويتضامنون معها لتوفير شروط التنمية المحلية القادرة على النهوض بالرأسمال البشري، واعتماد المقاربة التشاركية في ممارسة التدبير الجيد للشؤون المحلية  والتي من شأنها تحقيق عدة أهداف نوجزها فيما يلي:

1- توفير وتعبئة موارد مالية إضافية لإنجاز مشاريع تنموية، وخفض التكاليف.

2- خفض آجال إنجاز المشاريع.

 3- اقتسام المخاطر وتقاسم المسؤوليات بما فيه قيادة المشاريع.

4- اكتساب معرفة وآليات جديدة للتدبير.

5- اكتساب آليات التواصل والتنسيق وخبرة التفاوض.

6- ترسيخ قيم التآزر والتعاضد بين الجماعات ومختلف الفاعلين.

من هذا المنظور الذي يسعى لإبراز حوافز اللجوء إلى الشراكة، واعتبارا لتعقد المشاكل ولأنه لم يعد في مقدور أي من الفاعلين، عام أو خاص، التوفر على المعارف والوسائل الضرورية لتلبية حاجيات السكان أو لمواجهة المشاكل بمفرده، أصبح التعاون والشراكة شكلا من الأشكال التي تسمح بالحد من الاكراهات المالية ووسيلة من وسائل التنمية الحقيقية ومظهرا من مظاهر التدبير الجيد والحكامة الترابية التي تسعى إلى تحقيق الفعالية والفاعلية والنجاعة.

وبعد مرور عقد من الزمن السياسي، نجد أن الشراكة أصبحت التزاما قانونيا، يجب على مدبري الشأن المحلي اعتماده كأساس قانوني ومسطري في ممارسة الاختصاصات المشتركة بين الدولة والجماعات.

لقد نص القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات  في مادته 87 على أن الجماعة " تمارس الاختصاصات المشتركة بينها والدولة في المجالات التالية:

- تنمية الاقتصاد المحلي وإنعاش الشغل.

- المحافظة على خصوصيات التراث الثقافي المحلي وتنميته،

- القيام بالأعمال اللازمة لإنعاش وتشجيع الاستثمارات الخاصة، ولاسيما إنجاز البنيات التحتية والتجهيزات والمساهمة في إقامة مناطق للأنشطة الاقتصادية وتحسين ظروف عمل المقاولات.

ولهذه الغاية يمكن للجماعة أن تساهم في إنجاز الأعمال التالية:

- إحداث (دور الشباب، دور الحضانة ورياض الأطفال، المراكز النسوية، دور العمل الخيري ومأوى العجزة، المراكز الاجتماعية للإيواء، مراكز الترفيه، المركبات الثقافية، المكتبات الجماعية، المتاحف والمسارح والمعاهد الفنية والموسيقية، المركبات الرياضية والميادين والملاعب الرياضية والقاعات المغطاة والمعاهد الرياضية، المسابح وملاعب سباقات الدراجات والخيل والهجن)،

- المحافظة على البيئة،

- تدبير الساحل الواقع في نفوذ تراب الجماعة طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل،

- تهيئة الشواطئ والممرات الساحلية والبحيرات وضفاف الأنهار داخل تراب الجماعة

صيانة مدارس التعليم الأولي،

صيانة المستوصفات الصحية الواقعة في النفوذ الترابي للجماعة،

- صيانة الطرقات الوطنية العابرة لمركز الجماعة ومجالها الحضري،

- بناء وصيانة الطرق والمسالك الجماعية،

- التأهيل  والتثمين السياحي للمدن العتيقة والمعالم السياحية والمواقع التاريخية ".

وجاءت المادة 88 لتحدد بشكل حصري طبيعة هذا التدبير التشاركي ، حيث نصت على أن " تمارس الاختصاصات المشتركة بين الجماعة والدولة بشكل تعاقدي، إما بمبادرة من الدولة أو بطلب من الجماعة ".

وتأتي المادة89 بشكل تراتبي وتدريجي للتأكيد على ضرورة التعاقد كصيغة قانونية للتدبير التشاركي :" يمكن للجماعة ، بمبادرة منها ، واعتمادا على مواردها الذاتية، أن تتولى تمويل أو تشارك في تمويل إنجاز مرفق أو تجهيز أو تقديم خدمة عمومية لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية بشكل تعاقدي مع الدولة إذا تبين أن هذا التمويل يساهم في بلوغ أهدافها".

يستنتج مما سبق أن هذا الإطار القانوني يسعى لمواكبة الجماعات الترابية في إعداد وإنجاز برامجها التنموية بتكامل بين الدولة وفي انسجام مع برامجها التنموية في إطار الشراكة وفق مقاربة تستهدف تحقيق الالتقائية في تنفيذ السياسات العمومية للدولة.

ومما يؤخذ على هذه القوانين، هو عدم أخذها في الوقت الراهن للإكراهات الناجمة عن البرمجة السنوية للقطاعات الوزارية والبرمجة المتعددة السنوات للجماعات الترابية من جهة وتضارب القوانين التي تجعل من تدخل بعض القطاعات محصورا ومحددا بحكم اختصاصات القطاعات الوزارية المعنية. ولكي نقدم مثالا على ذلك ، نشير إلى قطاع الطرق ، فالوزارة الوصية يتوقف اختصاصها عند الطرق المصنفة بينما القانون التنظيمي جاء بصيغة عامة بل أكثر من ذلك جعل المسالك القروية اختصاصا مشتركا مع الجماعات الترابية والدولة.

وفي انتظار صدور قانون" ميثاق اللاتمركز الإداري الذي سيمكن من تنسيق تدخل عمل الدولة على المستوى الترابي بدءا من الجهات ووضع إطار ملائم لتقديم الدعم والمساعدة اللازمة لفائدة الجماعات الترابية ويساهم في حل الاكراهات المطروحة على الجماعات المتمثلة في ضرورة إتباع مسطرة الشراكة في إعداد برامجها التنموية المشار إليها أعلاه ، واعتبارا لكون الشراكة هي اختيار والتزام في نفس الوقت، فإن القطاعات الوزارية مدعوة في إطار الشراكة المنصوص عليها قانونا القيام بما يلي:

ـ تقديم الدعم المالي عند الاقتضاء ( أخذ بعين الاعتبار البرمجة السنوية للقطاعات الوزارية) وإشهار برامج عملها وتدخلاتها في التراب المحلي.

ـ وضع الخبرات والكفاءات رهن إشارة الجماعات في إعداد الدراسات التقنية والفنية والمالية للمشاريع المراد انجازها من الموارد الذاتية للجماعات.

ـ المشاركة في إعداد كناش التحملات الخاص بالمشروع وفتح الأظرفة المتعلقة بالصفقات.

ـ تتبع تنفيذ المشاريع بتراب الجماعات.

وفي غياب أي التزامات محددة وذات فعالية ونجاعة الشريك، فإن شرعية الأحكام القانونية ستكون موضع تساؤل حول الجدوى من ضرورة الالتزام بها لاسيما وأنها ستشكل أحد الكوابح التي ستفرمل عملية تسريع المنجزات والاستجابة لتطلعات الجماعات التنموية وسينتج عنها تعقد المساطر الإدارية والقانونية وسيكون متعارضا مع مبدأ التدبير الحر المخول دستوريا للجماعات وكذا مع أهداف الشراكة باعتبارها منهجية للتدبير العمومي الجيد ، ومرتكزا أساسيا في سياسة الإصلاح الإداري التي تستفيد من الضمانات الدولية المعروضة في هذا السياق .

وفي هذا السياق، لا بد من البحث في مرحلة أولى عن الآليات الكفيلة بتجسيد النهج التشاركي وفق مقاربة تستهدف الملاءمة بين هذا التمرين الديمقراطي التشاركي و المساطر الإدارية التي تتسم بالبطء من جهة ومراعاة انتظارات الساكنة ومطالبها الملحة والآنية في بعض الأحيان من جهة ثانية.  

 

 








شاهد أيضا

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق






موقع "الناس" يصدر عن شركة annass press جميع الحقوق محفوظة © 2018