الجزائريون مرعوبون من عودة مثلث الموت إلى الواجهة.. هل تعود الجزائر لسنوات الرصاص والدم؟

316

في ما يبدو أنها لحظات ترقب يخيم عليه القلق المشوب بالحذر، لدى الرأي العام الجزائري، يخيم جو من عدم اليقين والاستفهام حول مستقبل الجزائر، والإجابة عن عديد من الأسئلة، التي فرضتها أجواء عدم الاستقرار، والارتباك الذي يعيشها النظام الجزائري، لاسيما في ظل الغموض الذي يلف الحالة الصحية للرئيس عبدالمجيد تبون، الذي تغيب عن البلاد لمدة ثلاثة أشهر بدعوى أنه مصاب بفيروس كوفيد-19، لكنه عندما عاد وسط تصريحات بانه تماثل للشفاء، ظهر انه عاجز عن الحركة قبل أن يتأكد معاناته مع مرض غامض والادعاء أن به إصابة على مستوى قدمه اضطرته إلى العودة إلى ألمانيا للعلاج.

وبعد أن راجت إشاعات حول وجود خلافات بين أركان النظام، لاسيما بين ضباط الجيش والحرس القديم من المخابرات والأمن، فوجئ الرأي العام الجزائري بإطلاق سراح  الجنرال القوي في التسعينيات وصانع الرؤساء كما يطلق عليه محمد مدين المعروف باسم “توفيق”، بل والإعلان عن تبرئته من التهم التي وجهت إليه في بداية انطلاق الحراك الجزئري قبل سنة ونيف، وهو ما أثار ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولدى الرأي العام الجزائري، حيث يحمّله كثيرون مسؤولية الأزمة التي تعيشها البلاد.

الجنرال توفيق
الجنرال توفيق

واتهم توفيق، بالتآمر على الدولة، في غمرة الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019، برفقة سعيد، شقيق الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، وجنرال آخر، ورئيسة حزب العمال، لويزة حنون.

وكان توفيق قد شغل منصب رئيس جهاز المخابرات “القوي” مدة 25 سنة (1990-2015) وكان يسمى بـ”صانع الرؤساء”، وقد الجهاز الأمني النافذ طيلة العشرية السوداء التي تميزت بإزهاق أرواح الآلاف من الجزائريين، من طرف ما قيل إنها جماعات جهادية مسلحة، بينما تشير أصابع الاتهام إلى أنها المجازر البشعة كانت من اقتراف مسلحين تابعين للأجهزة المخابراتية للنظام العسكري الجزائري.

وجاء اتهام الجنرال السابق، بعد أن تمكن رئيس أركان الجيش، أحمد قايد صالح، من التحكم بزمام الأمور، مستفيدا من الحراك الشعبي الذي بدأ بالمطالبة بتخلي بوتفليقة عن الرئاسة والعدول عن الترشح لولاية خامسة، ثم انتقل للمطالبة بتغيير جذري للنظام.

ويقول جزائريون إن وفاة أحمد قايد صالح، عجلت بعودة النظام القديم، والدليل هو “إطلاق سراح توفيق” على حد تعبير أحدهم.

بينما رأى آخرون أن النظام لم يتغير، بل شهد نوعا من التجاذبات الداخلية فقط بين أجنحته، وهو نفس ما يذهب إليه الباحث في علم الاجتماع السياسي، نوري عبدربه.

وفي حديث لموقع “الحرة” (الأمريكي) أشار عبد ربه إلى أن النظام الجزائري لم يتغير “حتى يتمكن لنا القول إنه عاد من جديد”.

وقال إنه “لم يكن للنظام أن يواجه الحراك الشعبي الذي أبدى قوة خصوصا في أشهره الأولى، بيد أن التيار الذي كان يمثله الفريق أحمد قايد صالح، عرف كيف يستفيد من الوضع ويهمش ما تبقى من تيار جهاز المخابرات الأسبق الذي سبق وأن فكّكه بوتفليقة خلال صراعه المرير معه”.

لكن الخطاب السائد على المنصات الاجتماعية يؤكد عكس ما ذهب إليه عبد ربه، إذ يرى بأن تبرئة توفيق مدين “تعد علامة على فشل الحراك في تغيير النظام” وفقا لتدوينات وتغريدات نشطاء جزائريين على فيسبوك وتويتر.

أحد المعلقين رأى بأن كل القصة “مشهد مرتب يجعل الدولة العسكرية تدور حول نفسها”.

آخر رأى أن هناك اتفاقا في أعلى هرم السلطة وطلب من الجزائريين عدم استباق الأمور، داعيا إياهم إلى “التفاؤل”.

وكتب هذا المغرد قائلا: “تفكير القادة ليس كتفكير العامة، نحن الشعب البسيط نتصرف بالعواطف .وفي التكتيك والحروب لا مكان للعواطف ثقوا في المؤسسة العسكرية والرئيس”.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، بلقاسم مهدي، قال من جانبه إن تخوف الجزائريين “غير مبرر”.

وفي حديث لموقع الحرة قال إن “جزائر 2021 ليست هي جزائر التسعينيات، وتحديات المرحلة القادمة ليست نفسها التي عرفتها البلاد في 2019 أو 2020”.

وقال  أيضا إن توفيق “لن يكون له دور في المرحلة القادمة فلا داعي لمقارنة الرجل حاليا وخلال أداء مهامه على رأس جهاز المخابرات سنوات الإرهاب”.

وبعد وفاة قايد صالح، في 23 ديسمبر 2019، الذي اعتُبر الحاكم الفعلي للبلاد في الفترة بين استقالة بوتفليقة وانتخاب الرئيس عبد المجيد تبون في 12 ديسمبر، توقع المحامون بأن تتغير “المعطيات” ويعيد القضاء النظر في “الأحكام القاسية”.

وكانت المحكمة العليا نقضت حكم المحكمة العسكرية بالبليدة (غرب العاصمة) بالسجن لمدة 15 عاماً صدر بحقّ كلّ من الجنرالين، محمد مدين الملقب بـ “توفيق”، وعثمان طرطاق، وشقيق بوتفليقة، بالإضافة إلى السياسية حنون، التي كان تم الإفراج عنها في فبراير بعد تخفيض عقوبتها.

وكان المدانون الأربعة قد أوقفوا في مايو 2019، وحُكم عليهم، في سبتمبر من نفس العام، بالسجن 15 عاماً إثر محاكمة خاطفة بتهمة “التآمر على سلطة الجيش والدولة”.

واتهموا بالاجتماع، في مارس 2019، لتحضير خطة لإثارة البلبلة داخل قيادة الجيش التي كانت تطالب علناً في حينه باستقالة بوتفليقة بهدف وضع حد للأزمة السياسية وسط استمرار الحراك الاحتجاجي ضد النظام.

وفي فبراير 2020 أيّدت محكمة الاستئناف أحكام الإدانة الصادرة بحق بوتفليقة والجنرالين وخففت الحكم الصادر بحق حنون، إلى السجن لمدة ثلاث سنوات بينها تسعة أشهر نافذة.

وأصدرت محكمة الاستئناف العسكرية في البليدة، حكما بالبراءة من تهمة “التآمر على الجيش والدولة” بحق المتهمين وعلى رأسهم توفيق.

السيناريو المرعِب!!

يذهب معارضون جزائريون إلى حد رسم سيناريو عودة التقتيل والحرب الدموية كما عاشها الجزائريون في ما سمي بـ”العشرية السوداء”، في إشارة إلى سنوات التسعينيات عندما انقلب الجيش على صناديق الاقتراع التي حملت الإسلاميين إلى تحقيق نتائج لفائدتهم على مستوى الانتخابات المحلية والبرلمانية في بداية تسعينيات القرن الماضي.

ويكتب أحد المواقع الجزائرية المعارضة أنه “بعد رجوع كل “المجرمين واكتمال أضلاع مثلت الموت”: الجنرال نزار والجنرال توفيق والجنرال شنقريحة، وفي اجتماع مطول بفيلا الجنرال سعيد شنقريحة بمنطقة حيدرة اتفق الجميع بقمع عودة المظاهرات بكل الوسائل المتاحة، حتى ولو تطلب الأمر سحق المتظاهرين، بحيث ستكثف قوات نظام الجنرالات من حملتها العنيفة ضد المتظاهرين السلميين، بمن فيهم المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من الناشطين، مع استمرار حملة الاعتقالات الجماعية العشوائية وهجمات تشويه الأحرار عبر الذباب الإلكتروني..!”

ويذهب معارضون جزائريون إلى حد رسم سيناريو عودة التقتيل والحرب الدموية كما عاشها الجزائريون في ما سمي بـ”العشرية السوداء”، في إشارة إلى سنوات التسعينيات، عندما انقلب الجيش على صناديق الاقتراع التي حملت الإسلاميين إلى تحقيق نتائج على مستوى الانتخابات المحلية والبرلمانية في بداية تسعينيات القرن الماضي.

الجزائر- احتجاجات

ووفق ما كتب أحد مراسلي موقع “ألجيريا تايمز” المعارض، فإن الخطة هي أنه في وقت حملات الاعتقال سيتم قطع الإنترنت بشكل متكرر بدعوى إصلاح الكابل البحري، كما سيتلقى عدد من الصحفيين والمدونين تهديدات مباشرة تأمرهم بالامتناع عن تغطية المظاهرات السلمية. كما أعطيت الأوامر للقوات الأمنية باستخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية ضد المتظاهرين، أما البلطجية فلهم كامل الحرية بضرب وتعنيف نشطاء المجتمع المدني. أما المنظمات الحقوقية الدولية فقد جهز لهم نظام الجنرالات شيكات تحمل سبعة أرقام من عملة الدولار لتغمض عينها عن السلطات، وهي تستخدم العنف المفرط ضد المتظاهرين السلميين.

وبحسب نفس التقرير تتضمن الخطة انتشار قوات الشرطة بشكل مكثف في يومي الثلاثاء والجمعة، في شوارع العاصمة وساحاتها، وعند نقاط التفتيش، مما سيحدّ فعليا من أعداد الناس الذين سيتمكنون من الالتحاق بالمسيرات، فهل ستنجح خطة المجرمين الجنرال نزار والجنرال توفيق والجنرال شنقريحة في تخويف الشعب وتنهي حلم عودة المظاهرات.

وفي ظل أجواء الغموض التي تعم البلاد منذ أشهر، وأمام استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المخيمة على أزيد من 40 مليون جزائري،  ومع استمرار الارتباك البين في صفوف أركان النظام، الذي يبدو أنهم لا يجتمعون على اسم عبد المجيد تبون لإدارة البلاد في المرحلة الحالية، وهو ما ظهر من خلال تهميش الرجل طيلة ثلاثة أشهر أثناء وجوده في ألمانيا للعلاج، وفرض حصار إعلامي مطبق عليه، اضطره أخيرا إلى الخروج إلى الرأي العام عبر تويتر، مما أفشل ربما خطة للإطاحة به.. أمام كل هذا، لا يستبعد مراقبون أن يقود هذا إلى تفجر الوضع الاجتماعي وعودة الحراك الجزائري إلى الواجهة، خاصة مع استمرار الأزمة الاقتصادية بسبب الانخفاض الحاد في عائدات البترول والغاز، وبسبب تضرر فئات واسعة من المجتمع جراء استمرار تفشي وباء كورونا.

ولا يستبعد المطلعون على خبايا وكواليس النظام الجزائري أن يكون اللجوء إلى  العنف واستعمال القوة الأمنية وحتى العسكرية، والقمع المخابراتي طبعا، الطريق الأمثل بالنسبة للنظام ليحد من أية انتفاضة شعبية قابلة الحدوث، مع استعمال الأذرع الإعلامية للنظام، لتخويف المواطنين من قبيل الإشارة إلى أخطار خارجية تهدد البلاد، وكذا استعمال والتلويح بورقة “العدو المغربي”، لاسيما في ظل المكاسب التي حققتها المملكة المغربية في الآونة الأخيرة على مستوى وحدتها الترابية باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية الصحراوية، بالموازاة مع إعلام الرباط التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، حيث يعتبر ذلك ورقة قابلة للاستغلال من طرف النظام الجزائري، للظهور بمظهر النظام الرافض للتطبيع، وبتحوير اتفاق المغرب مع إسرائيل وأمريكا الأخير بأنه موجه إلى الجزائر، وهو ما بدأت البروباغندا الجزائرية تردده في الأيام الأخيرة بشكل مسترسل.

إدريس بادا /ومواقع

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.