الجزائر تستأهل أفضل…

0 23

خيرالله خيرالله*

ليس تكليف الرئيس عبدالمجيد تبون لأيمن بن عبدالرحمن وزير المال السابق بتشكيل الحكومة الجديدة في الجزائر سوى محاولة أخرى لإعادة تأهيل النظام القائم منذ العام 1965 تاريخ استيلاء هواري بومدين على السلطة بعد ثلاثة أعوام من تاريخ الاستقلال.

هل يمكن إعادة تأهيل النظام الجزائري الذي في أساسه المؤسسة العسكرية التي تدور الحكومات في فلكها؟

يطرح مثل هذا السؤال نفسه في ضوء الانتخابات النيابية التي أجريت أخيرا وحل فيها حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم سابقا، في الطليعة، تلاه حزب حركة مجتمع السلم (حمس) الإسلامي الذي كان يطمح إلى لعب دور في تشكيل الحكومة.

كان “حمس” يطمح إلى ذلك بعد إشارات من تبّون إلى احتمال الاستعانة به من أجل تمرير المرحلة الصعبة التي تمرّ فيها الجزائر. اعتبر الحزب أن الأزمة التي يعيش في ظلّها البلد تفرض لجوء رئيس الجمهوريّة، الذي ليس سوى واجهة للمؤسسة العسكرية، إلى الإسلاميين من أجل تغطية المقاطعة الشعبيّة للانتخابات. بلغت نسبة هذه المقاطعة 77 في المئة. يعكس الرقم عمق الأزمة التي تمرّ فيها الجزائر، وهي أزمة تعني بين ما تعنيه الحاجة الماسة إلى إيجاد مصالحة بين الشعب الجزائري من جهة والنظام القائم من جهة أخرى. الحقيقة أن الحاجة إلى أكثر من مصالحة. الحاجة إلى تغيير في العمق يتناول كلّ المفاهيم القائمة.

استطاعت المؤسسة العسكرية في الفترة الماضية لملمة أوضاعها. بقدرة قادر أعادت، أخيرا، الاعتبار إلى وزير الدفاع السابق خالد نزار وإلى الجنرال محمد مدين (توفيق) الذي كان الرجل القويّ في البلاد طوال سنوات نظرا إلى أنّه كان مسؤولا عن المخابرات العسكرية من جهة وكان يمتلك ملفّات عن كلّ الشخصيات البارزة في البلد.

سيشكل أيمن بن عبدالرحمن قريبا حكومته. ستكون الحكومة حكومة اختصاصيين بما يوحي بأنّ رئيس الجمهوريّة مستعد للسير في نهج جديد أبعد ما يكون عن المحسوبيات وعن الفساد. المؤسف أن ذلك لن يعني الكثير، لا لشيء سوى لأن النظام لا يزال في العمق هو هو.

بكلام أوضح، لا تعني حكومة الاختصاصيين أيّ تحوّل جذري يشير إلى أن النظام قادر على القيام بمراجعة شاملة تؤدي إلى مواجهة جريئة للأسباب الحقيقية للأزمة الجزائرية التي هي أزمة نظام غير قابل لإعادة تأهيل.

هذا كلّ ما في الأمر. لو كان النظام قادرا على إعادة تأهيل نفسه لما قاطع الجزائريون الانتخابات التشريعية ولما قاطعوا قبل ذلك الاستفتاء على الدستور ولما قاطعوا أصلا الانتخابات الرئاسيّة التي أوصلت عبدالمجيد تبّون، وهو بيروقراطي باهت، إلى موقع رئيس الجمهوريّة.

تمتلك الجزائر ثروة إنسانيّة في غاية الأهمّية. يتمتّع معظم الدبلوماسيين الجزائريين بمؤهلات عالية في المستوى العالمي. لكنّ الجزائر تبقى في الوقت ذاته أسيرة نظام يرفض تطوير نفسه، بل إنّه عاجز عن ذلك.

هذا لا يمنع الاعتراف بأنّ لدى النظام مؤهلات مذهلة في مجال اختراع الحلول التي تغنيه عن إعادة النظر في تركيبته والتصالح مع الشعب الجزائري… وتغيير نمط تفكيره القائم على أن الجزائر قوّة إقليميّة. يعتقد النظام أن الجزائر مؤهلة لدور خارج حدودها، بما في ذلك الاعتداء على الجار المغربي عن طريق أداة مثل جبهة “بوليساريو” وقضيّة مفتعلة مثل قضيّة الصحراء…

ما يجري حاليا في الجزائر، عبر تشكيل حكومة اختصاصيين، أو حكومة تكنوقراط، مناورة أخرى. يستهدف النظام من هذه المناورة إثبات أنّه لم يفلس بعد لا داخليا ولا إقليميا. هذا نظام مفلس لا يمتلك جرأة إعلان إفلاسه. يستعيض عن ذلك بتأجيل إعلان الإفلاس. ليس معروفا إلى متى يستمر في ذلك، لكنّ الأكيد أن اللجوء إلى بن عبدالرحمن لتشكيل حكومة من غير السياسيين لن يقدّم ولن يؤخر.

ما تبدو الجزائر في حاجة إليه، أقرب إلى معجزة أكثر من أيّ شيء آخر. تحتاج إلى معجزة للتخلّص من عقدة المغرب أوّلا وتحتاج إلى معجزة للاعتراف بأنّ على النظام الاهتمام بالجزائريين قبل صرف الأموال على معارك وهميّة خارج حدوده، معارك من نوع شنّ حرب استنزاف على المغرب عن طريق افتعال قضيّة الصحراء التي لم تعد تنطلي على أحد.

استطاع العسكر الجزائري التدخل في الوقت المناسب لمنع رجل مقعد مثل عبدالعزيز بوتفليقة من الحصول على ولاية رئاسيّة خامسة في العام 2019. تدخّل رئيس الأركان أحمد قايد صالح وأجبر بوتفليقة على الاستقالة. أكثر من ذلك، احتجز كبار المحيطين به الذين كانوا يمارسون صلاحيات رئيس الجمهورية، في مقدّمهم سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري السابق.

هؤلاء العسكر، كانوا لجأوا في العام 1998 إلى التهيئة لانتخاب عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا للجمهوريّة في نيسان – أبريل 1999، لجأوا إليه بعدما خذلوه قبل عشرين عاما بعد وفاة هواري بومدين أواخر العام 1978. لم يجدوا عيبا وقتذاك في أن تكون خلافة بومدين للضابط الشاذلي بن جديد الذي كان يمتلك أقدمية على زملائه من حملة رتبة عقيد، علما أنّه لم يكن يمتلك أيّ مؤهّلات سياسيّة.

كلّما تغيّرت الأمور في الجزائر، تبيّن أنّها لم تتغيّر وأن كلّ شيء باق على حاله. لن تحلّ حكومة تكنوقراط أيّ مشكلة داخليّة في الجزائر. سيبقى البلد، الذي يمتلك ثروات كبيرة يرفض تطويرها واستثمارها، أسير أسعار النفط والغاز. سيبقى عمليا أسير المؤسّسة العسكريّة التي ترفض التخلي عن السلطة وتكتفي بوضع المدنيين، من نوع عبدالمجيد تبّون، في الواجهة.

أمّا على الصعيد الخارجي، ستبقى المؤسّسة العسكرية أسيرة وهم القوّة الإقليمية والشعارات الطنانة التي تنادي بحق تقرير المصير للشعوب، فيما تمارس المتاجرة بهذا الحقّ. لن يقود مثل هذا السلوك الجزائر إلى أي مكان، خصوصا أن لغة الأرقام هي التي تتكلّم. قاطع الجزائريون الانتخابات الأخيرة بنسبة 77 في المئة. مثل هذه المقاطعة تعني شيئا واحدا. هذا الشيء هو الحاجة إلى نظام جديد متصالح مع الجزائريين أوّلا. هؤلاء انتفضوا على بوتفليقة ليحصلوا على عبدالمجيد تبّون. الجزائر تستأهل أفضل من ذلك… ولو بقليل.

*كاتب لبناني

(عن العرب اللندنية)

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.