السياسة وعنف الشباب

152

عبداللطيف وهبي

“الوجه النقيض للحق ليس هو الباطل، بل العنف”.. إريك فايل

يلاحظ أن ظاهرة العنف وسط الشباب، لم تعد مقتصرة على مدرجات الملاعب الرياضية فقط، بل اخترقت فضاءات الأحزاب السياسية، فبات يلاحظ تزايد حجم العنف بها، سواء على مستوى الخطاب السياسي، أو على مستوى العنف المادي عينه، مما يوحي أن هناك أشياءً غير صحيحة تهم طبيعة علاقة الشباب بالسياسة.

فاجتماعات الأحزاب السياسية، صارت مجالات شاهدة على العنف الممارس من الشباب، عنف في اللغة، عنف في المواقف، ومؤخرا بدأت تزيغ مظاهر العنف نحو العنف البدني، فأصبحت فضاءاتنا الحزبية مجالا لممارسة “الفتوة” السياسية.

أعتقد أن هناك جملة أسباب لهذه الظاهرة، أهمها غياب الثقافة السياسية الديمقراطية للقادة والمؤطرين السياسيين، وافتقادهم للخطاب الصادق الذي يمنحهم نوعا من الهيبة في إدارة شأن الشباب، لتتحول اللغة السياسية عينها إلى مشادات تخلق جوا من العنف، وهذا طبعا دون الحديث عن أن الأمر مجرد انعكاس لصورة الأزمة السياسية العامة التي تعيشها الأحزاب، والتي غالبا ما تتضح معالمها في المواقع الضعيفة مثل الشباب، الذي يعتبر ذلك المجال السهل على التحريض وتصفية الحسابات السياسية.

ويبقى من أكبر الأسباب لانتشار سلوك العنف السياسي وسط الشباب، بالإضافة إلى غياب الديمقراطية داخل الأحزاب، وغياب عناصر التطور السياسي داخل هذه الهيئات، هو الجو العام داخل الأحزاب الذي بات يوحي بأن العنف، ربما، أصبح أفضل وسيلة للكسب السياسي، وأن المواقع تحسمها الزبونية والمحسوبية السياسية داخل الأحزاب وليست الكفاءة والتنافس الديمقراطي، مما يجعل العديد من الشباب يشعر بأنه مقصي، إما لأنه لم يعبر عن ولائه للزعيم، أو لأن لا تربطه علاقة قرابة مع هذا المسؤول الحزبي أو ذاك.

إن عنف الشباب في الحقيقة، ليس سوى انعكاس لأزمة فكرية وأخلاقية تعيشها أحزابنا السياسية، والتي يمكن اختزالها في انتشار ثقافة الحق في “كعكة” المواقع دون استحقاق، سواء في البرلمان، أو في المؤسسات الدستورية، إذ التعيين لم يعد يحتاج إلى معيار الجهد الفكري، أو تتويجا لمسار من العمل المضني وسنوات من النضال من أجل إثبات الذات والحصول على الاعتراف، بل أصبحت المحسوبية هي الفيصل في التعيين، والدليل اللائحة الوطنية للشباب بالبرلمان.

إن تجربة ما سُميّ باللائحة الوطنية للشباب بالبرلمان، بينت بالملموس مدى لامسؤولية قيادات الأحزاب، فعوض أن يخصصونها للشباب الجاد الذي يستحقها بكل ديمقراطية، استغلها هؤلاء الزعماء ليضعوا فيها أبناءهم والموالين لهم، لذلك، لا نفهم لماذا التمسك بهذه اللائحة التي أعطت نتائج عكسية للأهداف المعلنة، إذ عوض أن تحل قضية إدماج الشباب في السياسة، جعلت الكثير منهم يفقد الثقة وينفر من السياسة، ويشعر بنوع من التهميش لفائدة أبناء الذوات. واليوم، مع تجربة قرب الإعلان عن تأسيس المجلس الاستشاري للشباب، بدأت الأصوات تتعالى، والعويل السياسي يرتفع، وقد نعيش كارثة اللائحة الوطنية عينها.

إن ثقافة الكفاءة هي التي يجب أن تمنح الاستحقاق، وهذا الأخير ليس مطلقا، فهو مرتبط بمدى احترام قواعد المساواة بين جميع الشباب، وإذا لم نعلم أبناءنا وشبابنا كيفية المطالبة بحقوقهم بشكل عقلاني وديمقراطي، فإن النتيجة هي هذه المسلكيات العنيفة التي بدأنا نشاهدها داخل الممارسة الحزبية، والتي ستدمر فكرة الديمقراطية عينها.

إننا نعيش مرحلة العبث السياسي، التي سيؤدي ثمنها الشباب، وبدأنا نفتقد إلى الممارسات السياسية السليمة، التي تعد الوسيلة المثلى لبناء المستقبل، مستقبل هؤلاء الشباب أنفسهم، وحان الوقت لإعادة النظر في التعامل مع الشباب داخل أحزابنا، ولا نتركهم ضحية الحسابات والسلوكيات المشينة للسياسة، فإنجاح أي خطة تسعى إلى الاهتمام بالشباب، يجب أن تستند، أساسا، على مسألة النموذج. فهل نحن كمسؤولين سياسيين نمثل ذلك النموذج الأفضل للشباب؟ الجواب صعب يجعل المهمة معقدة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.