المغرب في شهرين

439

سكينة هايمون*

بناء مجد الأمة يبدأ ببناء وعي الإنسان.. حقيقة كشف عنها فيروس كورونا المستجد لبعض الشعوب التي أبت أن تصلح الواقع، وتستيقظ من وهم نحن نتقدم… خصوصا بعدما أعلنت الصين عن بنائها لأكبر مستشفى لاستقبال المصابين بالفيروس في ظرف عشرة أيام.. مقاومة وتضامن وجهد كبير يعتبره المواطن المغربي من المستحيلات التي يصعب إنشاؤها بالمغرب الحالي الذي تستحوذ عليه عقليات “المواسم” والمهرجانات.

عقليات “روتيني اليومي” والتفاهة.. بحيث نشرت عدة تغريدات في مواقع التواصل من قبل الغيورين على الوطن الحبيب، والساعين لبناء أمة، وصناعة الإنسان الواعي، تغريدات من قبيل #حنا عشر ايام عاد البناي يلقى البلا… #عشر ايام عاد تلقى المقدم.. إلى آخره..

لم يُؤخذ الأمر في البداية بمحمل الجد لدى بقية الشعب إلى أن تم الاعلان عن وصول الفيروس إلى المغرب، ليَليه توقيف الدراسة بالجامعات والتجمعات التي تفوق أكثر من خمسين شخصا، وتوقيف صلاة الجماعة وإغلاق المساجد..

صحيح أن المشهد الذي أوضحه لنا تهافت مجموعة من صغار العقول على الأسواق ومواد التغذية،  أبانت على أننا شعب الاستهلاك لا غير، إلا أن تلك التصرفات أيقظت وعي شريحة كبيرة من المجتمع، أبت أن تكون مع الخوالف، ووقفت جاهدة متحدة بكل ما أوتيت من جهد ومال، في كل أرجاء الوطن لتمنع انتشار الفيروس وانتشار سلوكيات الخوالف، إلا أن مربط العقدة هنا، والسؤال الذي يطرح نفسه هل لدينا من المقومات العلمية والفكرية والنفسية ما يكفي ومن المؤهلات  الاقتصادية والمالية ما يكفي، لاستمرار المقاومة والقضاء على الفيروس دون خسائر؟

منذ أزيد من عشر سنوات، والغيورين على البلاد يطالبون بالتخلص من المحفظة الكبيرة وأرشيفات الأوراق باعتماد النظام الرقمي والمعلوماتي في كل الإدارات التربوية والصحية والحكومية، ولا حياة لمن تنادي.

اليوم، نحن أبناء وطننا الحبيب، قادة الغد واقفون على التعليم عن بعد، والمواطنون واقفون على الرقمنة لقضاء أغراضهم الحكومية، وللقيام بمهامهم اليومية.. هل نملك من المقومات ما يكفي  لجعل الكل يتوصل بدروسه بطريقة سلسة ودون أي تشوهات؟

أتحدث هنا عن  الطفل القروي وعن الأسر التي  تعاني من الهشاشة، التي لا يكاد طفلها يصل للمدرسة ويحصل على كتاب بين العشرات والمئات ممن يشبهونه، ناهيك أن تقول له أنت ملزم بالتعليم عن بعد.. هل نملك من البدائل الاقتصادية ما يكفي لإعالة الأسر التي توقفت عن مكسب رزقها بسبب الحجر الصحي؟

لا أتحدث هنا عن الموظف، وإنما عن الأعمال الحرة التي يزاولها نصف المغاربة، تلك جالسة الحمام وذاك النادل وتلك بائعة الخبز.. مِهن صغيرة تسد رمق عدد من العائلات التي تعاني من الهشاشة..

هل نملك من المقومات النفسية ما نقاوم به الوباء بعيدا عن انتشار التفاهات التي تزرع الرعب والخوف في أذهان أناس كانت تعيش في القرى والبوادي على سجيتها بسلام؟ فإذا بها اليوم تجد نفسها في مغرب جديد ووضع جديد..

هل نملك ما يكفينا من المقومات العلمية والباحثين والعقول المخترعة والمبدعة لنبحث نحن كذلك كغيرنا من الشعوب عن حل للفاجعة؟ أم أننا كنا في خسر ولهو حينما جعلنا استثمارنا لعبة تساق بالرجل وحينما استثمرنا في استقطاب أعجاز نخل خاوية، عارية، لتطربنا لثوان وتأخذ معيش نصف المجتمع المغربي؟ في وقت كان لزاما علينا استقطاب العقول أو زراعة الأدمغة  لا تصديرها بدل زراعة القنب…

ولعل فيروس كورونا المستجد فرصة لإيقاظ وعي الأمة المغربية.

الروح الغيورة على الوطن الحبيب لتغير نمطية العيش خلف التفاهة مع الخوالف إلى صناعة أمة وجيل واع، مثقف همه مجد مغرب ممكن.

*باحثة سوسيولوجية

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.