المغرب.. مصباح الشكل وجرّار الجوهر*

0 86

صبحي حديدي**

من حيث اعتبارات الشكل، أو تلك التي لا تخصّ الجوهر لمَن يشاء عدم بخس المظاهر، ثمة أكثر من جديد واحد يطبع انتخابات المغرب التي ستجري أواسط الأسبوع المقبل؛ لعلّ أبرزها الجمع بين التصويت على 1704 قوائم لاختيار 395 نائباً، وقرابة 157.569 مرشحاً لأعضاء مجالس البلديات، في آن معاً وللمرّة الأولى في تاريخ البلاد. جديد آخر قد يتمثل في تواجد 31 حزباً سياسياً داخل معمعة التنافس، تتراوح رموزها بين الوردة والجرّار والميزان، وبين الحمامة والمصباح والديك؛ على ما يشير إليه هذا الاحتشاد من تقاطع البرامج واختلاط الحابل بالنابل.

الجوهري، في المقابل، هو ذاك الذي اتسمت به التجربتان الانتخابيتان السابقتان، البرلمانيتان على وجه التحديد، سنة 2012 و2016؛ لجهة العلاقة مع الفصل 47 من الدستور المغربي الجديد، وسلطات الملك في تسمية رئيس الحكومة استناداً إلى نتائج الانتخابات (كما حدث عند تسمية عبد الإله بنكيران في التجربة الأولى) أو اللجوء إلى إعفائه بعد تسميته (نموذج بنكيران نفسه، أيضاً، بعد التجربة الثانية).
وهذا الجوهري يتصل، بادئ ذي بدء، بحقيقة أنّ دستور 2011 كان انحناءة الملك محمد السادس، البارعة في توقيتها والمواتية في سياقاتها السياسية والاجتماعية، أمام رياح الانتفاضات العربية؛ كما تجلت، على الصعيد المغربي، في احتجاجات شباط (فبراير) 2011. وهذه، للتنويه المفيد، لم تكن تردّد أصداء ما شهدته وتشهده شوارع تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، فحسب؛ بل كانت، من حيث جذورها، تضرب عميقاً في حاجة المجتمع المغربي إلى التغيير والإصلاح والتطوير.

«العدالة والتنمية» يواجه نحو 18 مليون ناخبة وناخب، في عدادهم ملايين من أعضائه وأنصاره وجماهيره، بتعهدات عامة ومرتكزات مستعادة، على رأسها «مواصلة خدمة المواطنات والمواطنين وتحقيق تطلعاتهم»؛ الأمر الذي لا يلوح أنه يُستقبل في الشارع الشعبي بآذان صاغية ونفوس راضية، في ضوء الحصيلة المتواضعة لحكومة زعيم الحزب سعد الدين عثماني.

في الجوهر، أيضاً، يندرج المنطق (أو بالأحرى غيابه التامّ أحياناً) خلف تحالفات الأحزاب؛ بحيث تتسيّد مشهد ما قبل الانتخابات، أو ما بعدها، صلات وصفقات ومساومات لا ترقى مع ذلك إلى مستوى التحالفات، ضمن «طبخات» إسلامية ويسارية وليبرالية ومحافظة؛ لا يغيب عنها دائماً هاجس شعبية الإسلاميين عبر حزب «العدالة والتنمية»، وضعف التكهّن حول أداء حزب «الأصالة والمعاصرة» قياساً على ماضي صلات مؤسسه فؤاد عالي الهمة بالقصر والديوان الملكي.

ولم يكن من دون دلالة خاصة أنّ ثلاثة من الأحزاب الأربعة، التي يُنتظر لها أن تتصدر نتائج الانتخابات، أصدرت بيانات (بعضها شديد اللهجة في الواقع) تتهم حزب «التجمع الوطني للأحرار»، أو لا تسميه صراحة، بـ»الاستعمال غير المشروع»، أو «الفاحش» للأموال في استمالة الناخبين. وأمّا الجوهر، هنا أيضاً وعلى سبيل تبيان الدلالة، فإنّ الحزب المذكور يتزعمه رجل الأعمال عزيز خنوش، وزير الزراعة منذ العام 2007، وصاحب قسط غير قليل من المسؤولية عن الإطاحة برئيس الحكومة السابق بنكيران.
جوهري، كذلك، أن «العدالة والتنمية» يواجه نحو 18 مليون ناخبة وناخب، في عدادهم ملايين من أعضائه وأنصاره وجماهيره، بتعهدات عامة ومرتكزات مستعادة، على رأسها «مواصلة خدمة المواطنات والمواطنين وتحقيق تطلعاتهم»؛ الأمر الذي لا يلوح أنه يُستقبل في الشارع الشعبي بآذان صاغية ونفوس راضية، في ضوء الحصيلة المتواضعة لحكومة زعيم الحزب سعد الدين عثماني. حزب رمز الجرّار، «الأصالة والمعاصرة»، لا يبدو أحسن حالاً ضمن معادلات الماضي والحاضر، أو دروس انتخابات 2016؛ خاصة وأنه يعيد استهلاك شعارات مثل «صيانة الأصالة وقيم الأمّة المغربية»، و»حَوْكَمة الشأن العمومي» و»إعطاء نَفَس قوي وإيجابي ومؤثر…».

ويبقى الجوهري الأهمّ، القاطع الحاسم أوّلاً وأخيراً، هو أنّ الدستور الراهن يمنح البرلمان والحكومة سلطات غير قليلة في ميادين الإصلاح والتنمية وبناء المؤسسات، لكنه يمنح الملك حزمة من السلطات الأعلى التي لا تسمح أو تحظر هنا وهناك فحسب، بل تشتمل أيضاً على الإعفاء والإقالة والتجميد والتعطيل. وفي هذا المستوى الجوهري يمكن للمنطق، أو لغيابه، أن يحكم التعاطي بين الأحزاب المختلفة، كما بين مصباح الشكل وجرّار الجوهر مثلاً.

*عن “القدس العربي”

**كاتب وناقد سوري

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.