الومضة الشعرية وآليات إنتاج الخطاب الشعري

قراءة في ديوان "فورة السكون" للشاعرة "الزهرة الطليكي" نموذجا

192

بقلم: الناقد الميلودي الوريدي

تتصدع الذات الإنسانية تحت وطأة الحياة، فتتصدع الذوات الشاعرة أكثر… ترجع بصرها كرتين ذات اليمين وذات الشمال ناشدة أمانا داخليا يحقق التوازن، فيرجع بصرها إليها خاسئا ولا تكاد تبين. تحاول إذن صياغة  فشلها هذا في بناء شعري يخرق كل المواضعات التي تضمن للخطاب انسجامه وتماسكه فلا تجد أبلغ من قصيدة الومضة، ولا أقدر منها على توثيق: اللحظة أو الموقف أو الإحساس الشعري الخاطف الذي يلمع في الوجدان ليمر إلى المخيلة فيلفظه الشاعر بألفاظ قليلة ( الاقتصاد اللغوي )، وهي محملة بدلالات منفتحة (الإشباع الدلالي)، تساير الصياغة المضغوطة حد الانفجار العاطفي للشاعر (ة). فتقصر القصيدة لتتكاثف، وتتجرد لتستوعب حالة مفارقة شعرية إدهاشية تنختم اختتاما منفتحا مستفزا للتأويل، أو اختتاما قاطعا كالسيف مستوجبا للتأمل…

الميلودي الوريدي

والزهرة الطليكَي واحدة من الذوات الشاعرة التي آنست شعرية الومضة عبر ديوانها الوامض الأول “مراسيَّ شاردة “… فخبرت مجالها، وأمسكت بنواصي دلالاتها ، وتمكنت من آلياتها وأسباب جمالها ، حتى دانت لها تلويناتها الموسيقية وتقسيماتها التشطيرية وتفريعاتها المقاصدية…

وطبعا كان لابد لهذه التفريعات المقصدية الوجدانية أن تفرض خصيصاتها وآلياتها الأسلوبية على تشكيلات النص الشعري الوامض عند الشاعرة ” الزهرة الطليكَي ” ليتلبس

– النص – أشكال القصيدة الوجيزة المعروفة لدى النقاد والتي نستطيع تتبعها بيسر ضمن التسميات التالية:

القصيدة الشعرية المركزة:

وهي التي تفتح أمام القارئ كوة صغيرة للرؤية يستطيع من خلالها الانفتاح على العوالم الشعرية للذات الشاعرة من خلال فيضها الغنائي الذي يتفجر عبر دلالات منفتحة لا حد لها وكأنها تذكرنا بما أوردته عن لحظات تشكل القصيدة في إهداء ديوان “فورة السكون” (أحرك الأفكار فتستجيب للآتي الشعري العميق القائم على التأمل و التفكير بعلاقته بالواقع الموضوعي …)

ونحن أيضا نجد أنفسنا مطالبين بتأمل هذا الشاهد الشعري:

وحده الانتظار

يمنحك الاحتمالات الكثيرة

وضوءَ النوافذ المشرعة.

لنلاحظ أن أهم ما يميزه هو تركيزه الشعري وغنائيته المتفجرة بالدلالات يصير فيها الانتظار مانحا للاحتمالات، والاحتمالات بدورها طريقا لليقين محفوفة بالسؤال ومؤدية إلى الكشف والانكشاف الذي يمثله ( ضوء النوافذ المشرعة) وتمنعه النوافذ المسدلة المغلقة.

قصيدة الضربة:

ومن بين تجلياتها في الديوان نقرأ هذه الضربة الشعرية الخاطفة.

لا شيء هناك…

سوى فصاحة القلب

المثقل بمجازات الحياة.

وهي ضربة شعرية بامتياز، تطالعنا أول الأمر بأسلوب نفي قطعي ومطلق يربك وعينا ويدفعنا إلى التساؤل عن نسبة شساعة دلالة لفظة “هناك” في الاستهلال، فتعمد الشاعرة إلى تهوين هذا الفضاء الدلالي الشاسع للفظة بنقط الحذف الوظيفية، التي ما إن تتجلى لمجساتنا القرائية التأويلية حتى نقف في ترقب انفعالي  انتظارا للكشف الذي لا نعرف هل سيقودنا إلى سدرة اليقين أم سيطوح بنا كما فعل الاستهلال إلى مجاهل الشك … ثم يطالعنا في متن الضربة أسلوب الحصر ب”سوى” التي يصح حملها على ” إلا ” التي تعيدنا إلى تدبر التقدير في عبارة النفي الاستهلالية التي تصبح بعد إثبات التقدير ” لاشيء موجود هناك…إلا فصاحة القلب… المثقل بمجازات الحياة”. عندها فقط نقف لنتأمل بلاغة أسلوب الحصر الإضافي الذي يحصر الوجود هنا في فصاحة القلب المثقل… ونتمادى في استكشاف هذه الآلية الأسلوبية الجمالية لننتقل إلى تمثل أسلوب القصر التعييني وكأن الشاعرة خمنت أن المتلقي سيعتقد أن لا شيء موجود إطلاقا فأتت بقصر الوجود على القلوب المثقلة بمجازات الحياة التي تنتظر منا هي الأخرى مراودة عقلية لمجازاتها واستعاراتها…

الشاعرة الزهرة الطليكي

الومضة الغنائية:

ومعلوم أن القصيدة الوامضة الغنائية هي قصيدة تجسم موقفا عاطفيا مفردا أو بسيطا ، وتنماز بغنائية عالية نابعة من تعبيرها عن حالة انفعالية مباشرة أو هي استجابة آنية للشاعر اتجاه موقف مفاجئ يمثل استفزازا للحاسة الشعرية التي تنتج خطابا شعريا سريعا ،حاسما ومفاجئا في الوقت نفسه… ونستطيع بيسر تتبع تجلياتها في الديوان والتمثيل لها بقول الشاعرة:

أنسحب…

لن أعاتب الموج

في امتداده

إذا أودع أسرار البحر

في قلب الرمال.

القصيدة اللمحة:

ومن بين تجلياتها في ديوان “فورة السكون” لمحة الشاعرة في فلسفة المصافحة والتي تقول فيها:

صافحني بالقلب قبل العين

هكذا فقط ترى العين اشتياقك…

ويمكن توصيفها انطلاقا من ملفوظها على أنها عبارة عن كلمة واحدة سكنت موارد الإيماء والإيحاء لتبقى قابلة ومنفتحة على عدد غير محدد من التأويلات، لكنها عكس القصيدة الضربة التي أسلفنا أنها تنتهي بالضربة الشعرية الحاسمة، انتهت بوثبة شعورية هي في الواقع لمحة ذهنية تجمع بين شعرية اللفظ وسمو الدلالة.

ونخلص مما سبق أن هاجس الشاعرة الذي يميل إلى تنويع البنيات والعمارات النصية ، لم يكن إلا إخلاصا واعيا فرضه الاطلاع على منهجي إنتاج الخطاب الشعري الوامض، ونقصد “منهج البناء التوقيعي” ومقابله “المنهج العضوي النامي”، باعتبار أهميتهما وشيوعهما وليس فرادتهما؛ مع ملاحظتنا لمناهج أخرى بين دفتي ديوان ” فورة السكون” هي موجودة فعلا لكنها ليست شائعة ولا متحكمة، فالمسألة أولا وأخيرا هي مسألة تعدد في المناهج أو الأساليب أو الأنماط البنائية ،وليست تعددا في الأنواع والأشكال.

نكتفي بهذا القدر الذي تسمح به المساحة الفضائية للتقديم ، ونسلم مقاليد التأويل إلى القارئ ونحن على يقين على أنه سيتجاوز ما أوردناه من ملاحظات حول التجلي الجمالي لديوان الشاعرة ” الزهرة الطليكي.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.