انتخابات 8 شتنبر 2021.. السياق والرهانات !

1 122

لطالما عرف المغرب تطورات سياسية مهمة عبر مراحله التاريخية، والتي كان لها الوقْع  المباشر لما آل إليه مغرب اليوم، كما لا يخفى على أحد المكانة المرموقة التي يحظى بها المغرب في العالم العربي وعلى مستوى العالم بأسره كذلك، بفضل السياسات الناجعة التي ساهمت بشكل أو بآخر في تحقيق المغرب لأهدافه المخططة، سواء على صعيد المشاريع التنموية داخليا أو في ما يتعلق بالمسار الديمقراطي.

وإذا كان ذلك راجع للسياسة الداخلية المستمدة قوتها من طبيعة النظام الملكي المتميز بالاستقرار، بشكل خاص، فإن ما يهمنا هنا هو التطرق إلى واحدة من آليات هذا التفرد أو ما يصطلح عليه بـ”الاستثناء المغربي”، وهو آلية الانتخابات، بمناسبة إجراء آخر استحقاق انتخابي في 8 من شهر شتنبر الجاري. وذلك لما للانتخابات من دور كبير في المجال السياسي وفي تشكيل الحكومات، وكذا محاسبتها.

إن مناسبة الانتخابات تعرف نقاشات مهمة، بالنظر لاختلاف مرجعيات الأحزاب السياسية الممثلة داخل المجتمع التعددي؛ وكما نعلم فإن الانتخابات هي حق مشروع ومكفول دستوريا في معظم القوانين الدولية والوطنية، ذات التوجه الديمقراطي؛ وهذا ما نص عليه مثلا الدستور المغربي جملة وتفصيلا في الفصول: 11 و 17 و 18 و 30.

ولمقاربة الأهمية التي تحظى بها الانتخابات فإننا سنحاول الإجابة عن تساؤلات غاية في الأهمية والمتمثلة بالخصوص في: ماهية طبيعة الانتخابات ونوعها ورهانات الدولة عليها؟ وأي تأثير لتعدد الأحزاب في المشاركة فيها؟ وما موقف المواطنين من هذه الانتخابات ومن العملية السياسية عموما؟

انتخابات 8 شتنبر 2021.. السياق !

إن الجديد في الانتخابات الحالية هو أنها جاءت مجتمعة في نفس اليوم ( انتخابات عامة تشريعية وجهوية وجماعية)، إذ تعتبر حدثا سياسيا يعرفه المغرب في تاريخه السياسي المعاصر، ومظهرا من مظاهر الديمقراطية، وعدم احتكار جهة واحدة أو أقلية للسلطة؛ حيث تعرف مجموعة من التأطيرات الدستورية والقانونية، من خلال الفصول المذكورة سالفا، وتماشيا مع ما تنص عليه ترسانة قانونية مهمة، تم تحيينها خلال السنة الأخيرة.

ومن تلك البنود الدستورية نجد الفصل 11 الذي ينص على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، وأن السلطات العمومية ملزمة بالحياد التام إزاء المترشحين وعدم التمييز بينهم. وكل شخص خالف هذه المقتضيات والقواعد المتعلقة بنزاهة وصدق وشفافية العمليات الانتخابية يعاقب على ذلك بمقتضى القانون. في المقابل أعطى الفصل 17 من نفس دستور سنة 2011، الحق للمغاربة المقيمين في الخارج الترشح والتصويت في الانتخابات باعتبارها حق من حقوق المواطنة، وتطرق للكيفية التي يتم بها كل من عمليتي  الترشح والتصويت انطلاقا من بلدان الإقامة. كما نجد تتمة هذه الحقوق في الفصل 18 من الدستور الذي يحث هو الآخر على ضمان السلطات العمومية أوسع مشاركة ممكنة لهاته الفئة في كل من المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة الجيدة التي يحدثها الدستور أو القانون. وأخيرا ما جاء في الفصل 30، إذ ينص على أن الحق في التصويت وفي الترشح للانتخابات، يتمتع به كل مواطن مغربي تتوفر فيه الشروط القانونية وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال، في ولوج الوظائف الانتخابية، باعتبار حق التصويت حق شخصي وواجب وطني. في نفس الفصل نجده يمنح للأجانب أيضا التمتع بالحريات الأساسية المعترف بها للمواطنين والمواطنات المغاربة وفقا للقانون، كما يمكنهم المشاركة في الانتخابات المحلية بقوة القانون أو تطبيقا لاتفاقيات دولية أو ممارسات المعاملة بالمثل. وتؤطر هذه الانتخابات، كما أسلفنا، ترسانة قانونية ودستورية، لإجرائها في أجواء ملائمة، تضمن حقوق وواجبات المواطنة، وتنقسم إلى نوعين: انتخابات تشريعية برلمانية وأخرى جماعية. وبالنسبة لهذه الأخيرة فأنها تتميز بالطابع التطوعي، حيث يمكن للمواطنين المشاركة والانخراط بشكل فعال في التدبير المحلي لجماعته الترابية. أما فيما يخص الانتخابات التشريعية، فنعلم أنها تقام كل 5 سنوات عن طريق الاقتراع أو التصويت المباشر؛ فالدولة تراهن على حسن سير عملية الانتخابات في ظروف ملائمة وتطبيق القانون، وبالتالي تحقيق الديمقراطية المنشودة.

ماذا أعدت الأحزاب لإقناع الناخبين؟

يشارك في هذه الانتخابات 35 حزبا سياسيا، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المغرب؛ والملاحظ أن هاته الأحزاب اتخذت النموذج التنموي الجديد مرجعا لها، ويشكل برنامجا استراتيجيا لتوجهاتهم، من خلال برنامجهم الانتخابي وبالتالي، فإن فوز حزب معين ووصوله للحكم، يتيح لنا فرصة معرفة إما أن الحزب أوفى بوعوده للناخبين وطبق برنامجه السياسي، أو العكس. وفي الحالة الأخيرة فإن ذلك يكرس مسألة العزوف عن التصويت، والعمل السياسي؛ ولعل ذلك يكمن في أن الأحزاب السياسية في المغرب لطالما جعلت البرامج الانتخابية أرضية للتفاوض أكثر منها للتطبيق الكلي على أرض الواقع، وهذا ما يلاحظه المواطن بشكل جلي من خلال البرامج المعلن عنها بالانتخابات والبرامج الحكومية المختلفة.

لذلك نجد أن برامج الأحزاب تكاد تكون متشابهة في عمومها، وتبدو دون غاية أو نكهة سياسية، وفق رأي الكثير من المراقبين؛ وبعكس التعددية الحزبية الموجودة التي يروجه لها الخطاب الرسمي بأنها تعددية، فإن الواقع يفيدنا انه لا توجد تعددية سياسية حقيقية، وما نراه يكاد يكون مجرد شعارات للتسويق السياسي، خاصة في ظل تشابه المرجعيات والإيديولوجيات لدى الأحزاب المختلفة. زد على ذلك سيرورة وتجارب العملية السياسية للأحزاب، سواء في بداية مشروعها الانتخابي، أو في مرحلة توليها الحكم، والتي تتنافى مع برنامجها الانتخابي الذي يخدم فقط المصالح الخاصة للنواب، مما يجعل شريحة كبيرة من المواطنين المغاربة يلجأون إلى العزوف عن التصويت، بل والامتناع حتى على الممارسة والعمل السياسي.

ولقد أدركت الأحزاب في الانتخابات التشريعية الماضية التي جرت في سنة 2016 مدى خطورة الوضع، خاصة على بعض الأحزاب التاريخية، والتي كانت آخذة في التراجع والضعف والوهن، فاقترحت فكرة جديدة، تركز على تعديل القاسم الانتخابي، حيث جاء التعديل القانوني مركزا على احتساب القاسم الانتخابي الذي كان سابقا على أساس قسمة عدد الأصوات الصحيحة، على عدد المقاعد، إذ أن المعدل هو 15 ألف صوت يحتسب (مقعد)، أما التعديل الجديد الذي جرى في سنة 2021، وهي سنة الانتخابات، فبالنسبة للقاسم الانتخابي فقد أصبح هو قسمة عدد المسجلين على عدد الأحزاب، هنا يكون المعدل 25 ألف صوت يحتسب (مقعد) .

خلاصة القول فإن الانتخابات، كما يراها كثير من المراقبين وشريحة مهمة من المواطنين، قد فقدت الكثير من مصداقيتها، وذلك بالوعود الكاذبة التي تبنتها منذ زمن طويل العديد من الأحزاب، مما أفقد المواطنين الشعور بالثقة تجاهها، لأنها بمجرد توليها الحكم تتبخر كل الوعود التي قدمتها في برامجها الانتخابية. وبدل أن تخدم الصالح العام، فإن اهتماماتها تنصب على المصالح الخاصة، المتنافية مع مبادئ العدالة والحكامة الجيدة والديمقراطية الحقة. ولذلك تبقى عملية الانتخابات قضية فاقدة للمصداقية والثقة بين عموم المواطنين، وهو ما يدعو إلى تغيير  هذه النظرة لدى الرأي العام، وذلك لن يتأتى إلا بتغير قيادات الأحزاب السياسية، عن طريق وصول الأشخاص المناسبين لمراكز التدبير الحزبي والسياسي، عن جدارة واستحقاق وبعيدا عن الزبونية والمحسوبية، عندها يمكن للشعب أن يسترد ثقته في الأحزاب ويقبل بشكل مكثف على العمل السياسي بنا في ذلك المشاركة في الانتخابات، من أجل بناء مغرب الغد، مغرب التعددية الحقيقية والديمقراطية.

سناء مبتسم (صحافية متدربة)

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تعليق 1
  1. اسماعيل يقول

    احسنت سناء،اتمنى لك مسيرة موفقة في مجال الصحافة

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.