بؤس العالم والأمن الصحي الكوني*

162

محمد عبد الوهاب العلالي**

أشرف عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو، على كتاب ضخم بعنوان “بؤس العالم” سنة 1993، بمشاركة فريق من علماء الاجتماع الفرنسيين، تحدث فيه عن مقدمةٍ لما وصل إليه وضعنا الراهن من قصص حزينة عن الاضطهاد والإقصاء ومختلف وجوه الشر والألم والحزن. مثّل المرض لحظة فارقة في تاريخ الأفراد والأمم، فتح أعين الناس على الجهة التي تتألم منها البشرية، والاهتزازات التي تطاولها، فالأمراض والأوبئة من الموضوعات التي همت الإنسانية على الدوام.

ومع “كوفيد – 19” افتضح زيف مستوى الرفاه الخادع في “بلدان متقدمة” عديدة، عرّاه في أعماقه الحقيقية، ليبدو شديد الوضوح ككسور عميقة في البنية الصحية والاجتماعية والاقتصادية لنماذج ليبرالية عديدة، وعلى نحو مواز أزاح أقنعةً حجبت الرؤية الصحيحة لعالمٍ يسير بوتائر متناقضة، يولد العنف والحروب والعنصرية والعبودية والاحتلال والإقصاء والفقر. وقد حمل فيروس كورونا إعادة إنتاج جديدة للأزمة الخانقة التي يعيشها العالم منذ زمن طويل، مع إنتاج أشكال جديدة من العنف الاجتماعي، منه الرمزي والمادي، ومع تسريع غير مسبوق لفجوة التفاوتات بين من يملكون ما يكفي من الأموال والثروات، لتكديس مختلف الحاجيات على نحو سافر للعيش في بحبوحة وأمان مدة الحجْر الصحي، ومَن لا يتوفر في بيوتهم قوت يومهم، ولا يملكون سوى عضلاتهم للعمل في سوق اقتصاديات غير مهيكلة وأعمال هامشية، وبدون مدّخرات ولا تأمين وضمان اجتماعي، وهم يمثلون شرائح واسعة في بلدان الجنوب.

كتب بيير بورديو “بؤس العالم” من خلال معاينة الأشياء في “الضواحي الصعبة”، بالاستماع إلى المهاجرين والمهمشين وبائعي المخدّرات، للحديث عن تخلي الدولة عن القطاع العام، وادعاءات اعتبار الليبرالية الاقتصادية شرطا ضروريا وكافيا للحرية السياسية

كتب بيير بورديو “بؤس العالم” من خلال معاينة الأشياء في “الضواحي الصعبة”، بالاستماع إلى المهاجرين والمهمشين وبائعي المخدّرات، للحديث عن تخلي الدولة عن القطاع العام، وادعاءات اعتبار الليبرالية الاقتصادية شرطا ضروريا وكافيا للحرية السياسية. وقد فسّر بعين ثاقبة كيف أن أصحاب الجوقة ساووا بين المحافظين الجدد وتدخل الدولة و”الحكم الشمولي”، وربطوا الفاعلية والحداثة بالمبادرات الخاصة، وحولوا الخدمات العامة الأكثر ربحا إلى القطاع الخاص. لم تكن المنظومة الصحية بعيدة عن هذا الانقلاب.

ظهر الجيل الأول من عائلة وباء كورونا في عام 2001 في الصين مع وباء سارس. ومن المفارقات التاريخية أن ذلك تصادف مع وصول المحافظين الجدد إلى الحكم في الولايات المتحدة مع جورج بوش الابن، فهل نصدق الادعاءات في الغرب وأميركا أنهم ما كانوا يعلمون بالوباء وخطورته طوال تلك المدة، حتى وصل إلى عقر دارهم في بداية العام الحالي 2020؟ حين استلم المحافظون الجدد السلطة في الولايات المتحدة الأميركية سنة 2001 أعلنوا، بنشوة مبالغ فيها، انتصار الليبرالية والعولمة ونجاح بناء الإمبراطورية الأميركية وفق مقولتي “صدام الحضارات” و”نهاية التاريخ”. ولتكريس هذه الرؤية، كما تفيد قرائن عديدة، أشهرت الإدارة الأميركية فيروس الإرهاب، متجاهلة العدو الرئيسي الحقيقي الذي كان قد بث أولى إشاراته. وقال الرئيس بوش الابن، في خطاب إعلان الحرب على العراق، “سنتصدى لهذا التهديد (العراقي) الآن بجيشنا وسلاح طيراننا وبحريتنا وحرس سواحلنا وقوات مشاة بحريتنا، وذلك لكي لا نتصدّى له بجيوش مكافحة الإطفاء والشرطة والأطباء في شوارع مدننا في المستقبل”. وتناسى بوش، المتوَّج آنذاك زعيما للمحافظين الجدد، العدو الحقيقي الذي يتربص بالشعب الأميركي. وها نحن الآن في نهاية ربيع 2020، وقد وجد هذا الشعب نفسه في اختبار قاسٍ لكل مظاهر التفوق الأميركي من بنيات طبية وجيوش وتكنولوجيات متقدّمة في مواجهة فيروس كوفيد – 19، وبدت أقوى دولة تدخل أسوأ أزمة اقتصادية منذ الثلاثينيات، وعاجزة عن إيقاف زحف الفيروس القاتل إلى الناس في الشوارع والمدن الأميركية، وقد أودى بحياة أكثر من ثمانين ألف مواطن أميركي.

فضحت الجائحة مزاعم الليبرالية الجديدة بأنها المرض الحقيقي الذي تعاني منه البشرية، كنظام عاجز أمام كل مأساة تهب على الإنسانية، فالتاريخ عامر بوقائع وأحداث تجعل من هذا النظام بداية كل مآسي الزمن المعاصر، فالمنصات والشاشات عرضت، على نحو مسترسل من الأحياء والمركبات السكنية الكبرى والساحات والحدائق والمستشفيات والملاجئ وهوامش المدن ودور العجزة، مشاهد لملامح انهيار مشاريع مجتمعية كاملة في الصحة والاقتصاد والسياسية.

وحينما اعتبرت البلدان المتقدّمة أنظمتها الصحية محصّنة، وكرست انسحاب الدولة، وقوّضت فكرة الخدمة العامة في المجال الصحي، في ظل مزاج أيديولوجي سائد. ثم تفوقت في نشر أطروحةٍ خادعةٍ، قدّمت الأنظمة الاقتصادية الناجحة بأنها تلك التي تقوم فيها العلاقات الأساسية بين الأفراد وليس في الدولة وشكلها. حينذاك، زرعت بذوراً عميقة لما تحصده الآن. قاد ذلك القطاعات الاجتماعية والقطاع الصحي أساسا أن يبقى عاجزا عن توفير الموارد المالية، وعن إيجاد الأطقم الطبية والممرّضات والممرّضين، والمستشفيات والعيادات والمراكز الصحية والمختبرات السريرية والمعدّات الطبية الضرورية، وتوفير الأبحاث العلمية اللازمة والفعالية والسرعة المطلوبة للقرارات، ثم دفع البلدان إلى أن تتخذ خيارات صعبة، فتحديد معيار الأولوية يفرض مفهوما للصالح العام والخدمة العامة في قلب المعادلة، بعد إثبات نجاعة ذلك في قطاعات عامة قوية عديدة في تجارب كثيرة، فإذا ما كانت الادعاءات أن الإجراءات الاجتماعية للقطاع العام أكثر كلفة، ففي منظومةٍ دولية معولمة، فإن كلفة حالات الطوارئ ومواجهة أزمات الأوبئة ونتائجها الاقتصادية والاجتماعية مضاعفة، فالمعطيات المتداولة تفيد بأن مناطق في الصين، مثل شانغهاي وأخرى في شرق آسيا، لم تتأثر بالجائحة، بفضل البنيات الصحية القوية وتضامن المجتمع والتزامه. وهو ما أكّد عليه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الإثيوبي تيدروس غيبريسوس، حين قال “إن أفضل دفاع نملكه في وجه أي جائحة هو متانة النظام الصحي”، فهذا ما يضمن حركات المواصلات والاتصالات العالمية والتجارة والسياحة والهجرة وباقي الأنشطة ذات الطابع العالمي في ظروف أزمات مشابهة.

لقد أظهر العامل الصحي اليوم، وبشكل غير مسبوق، مدى أهميته في التأثير الواضح على الاقتصاد والمجتمع في كل مراحل الأزمة، فبحسب معطيات منظمة العمل الدولية، فإن إجراءات الاحتواء الكلي أو الجزئي طاولت ما يقرب من 2.7 مليار عامل، وهو ما يمثل حوالي 81% من القوى العاملة في العالم. ومثالا على ذلك، سجل في الولايات المتحدة الأميركية في نهاية مارس/ آذار الماضي 6.8 ملايين عاطل جديد في أسبوع؛ ووصل العدد بعد فترة قصيرة إلى أكثر من ثلاثين مليون أميركي مسجل في طلبات تلقي مخصصات البطالة، ما يفيد بأن الآثار الاقتصادية التي تنتظر دول العالم جسيمة.

“المنظمة ممولة بشكل كبير من الولايات المتحدة، لكنها منحازة إلى الصين”

ولكن، هل منظمة الصحة العالمية قادرة، في السياق الحالي للأزمة التي تعرفها المنظمات الدولية، على تنفيذ مشروع كوني لحماية الصحة العالمية؟ تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تسير في الاتجاه المعاكس، حين طعن من الخلف في عمل المنظّمة، على الرغم من تقديمها خدمات محل إجماع عالمي، بقوله إن “المنظمة ممولة بشكل كبير من الولايات المتحدة، لكنها منحازة إلى الصين”. ولكن من يصدّقه؟ بعد أن أشهر تبريرات غير مقنعة ضد منظّمة يونسكو بسبب وقوفها ضد العنصرية الإسرائيلية، ثم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وبعد سابقة الإدارة الأميركية عن أسطورة حرب الدمار الشامل، واستخدامها الرئيس الأسبق لمنظّمة الطاقة الذريّة محمد البرادعي لخدمة استراتيجيتها في العراق. هل يريد الرئيس ترامب إعادة الكرة، وإخضاع منظمة الصحة العالمية لتحويلها إلى إحدى أدوات الأمن القومي الأميركي، وواحدة من أليات صراع الولايات المتحدة مع الصين؟

اتخذ ترامب قرار وقف تمويل منظمة الصحة العالمية الذي يقدر بـ400 مليون دولار سنوياً في وقت ذروة أكبر أزمة صحية عالمية، وهو قرار خطير ضد هيئة أممية هي الأكثر قدرة حاليا على توجيه العالم لمواجه جائحة فيروس كوفيد – 19 والخروج منها، فهل يفضل التضحية بالصحة العالمية لصالح المصالح ألأميركية في معركته مع الصين، أم أن فشله في إدارة الأزمة، عشية انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، تجعله يبرّر كل الانحرافات وقيادة العالم نحو صور أخرى لبؤس العالم؟

يقول بيير بورديو في نهاية كتابه: “يبدأ الطب الحقيقي، بمعرفة الأمراض غير المرئية، أي الحقائق التي لا يتحدث عنها المريض، إما لأنه ليس على علم بها أو لأنه ينسى التواصل معها”. ووفقا لذلك، تبدو اليوم دول العالم الكبرى في وضعية من أهمل الأمراض غير المرئية، في حين ظل المرضى يتجنبون الحديث عنها، أو لم يعلموا باستشراء المرض، حتى طاول الأعماق وجعل شعوبها منكوبة غارقة في الآلام والمآسي، فهل تعرف الإنسانية كيف تنتفع من هذا الوباء وتكوِّن (بكسر الواو) المعرفة العالمة عنه، لتجاوزه وبناء نظام طبي عالمي جديد؟ تتيح اليوم تكنولوجيا الإعلام والاتصال والاتصالات والذكاء الاصطناعي إمكاناتٍ غير مسبوقة، كما أثبتت ذلك تجارب بعض دول شرق آسيا التي قدّمت أمثلةً رائدةً لاستخدام هذه التكنولوجيات في مكافحة فيروس كوفيد – 19، وتحتاج بقية الدول إلى الاستفادة منها، فإذا كان وباء كورونا قد كسر نظام العولمة الذي ساد حتى الآن بنقيضها، فإن استئناف العالم حياة طبيعية بعد الجائحة سيكون مختلفا. وسنحتاج للعودة إلى عولمةٍ ما إلى بطاقة طبية مغناطيسية دولية تسجل الأمراض غير المرئية، وتوثق الحقائق في احترام الخصوصية والأخلاقيات للتنقل والتتبع والمراقبة اليقظة. وستكون هناك مهمة جديدة لمنظمة الصحة العالمية، كما سيكون أمام النظم السياسية امتحان كبير بشأن الصلات بين الخصوصية والصالح العام.

يتطلب ذلك من السياسيين في الدول الكبرى المسؤولة عن مصير الإنسانية، استيعاب أن صحة الناس وقيمة الحياة مقدّسة وفوق كل اعتبار. كما يتطلب من الناس المشاركة والخروج من أوهام الحس العام، واستخدام العقل النقدي والعلم والمعرفة لمواجهة بعض انحرافات قادتهم عن القيم المدنية للحداثة والتضامن الإنساني، لأنهم بشر يستحقون الحياة.

*عن “العربي الجديد” وبموافقة من الكاتب

**أكاديمي مغربي في علم اجتماع الإعلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.