بيجيدي يبتز القصر من جديد!

493

نورالدين اليزيد

تابعت، كغيري من المغاربة، بكثير من الاهتمام، التصريحات الأخيرة الصادرة عن حزب العدالة والتنمية، الذي يقود الحكومة المغربية.. التصريحات التي تهم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين، بمغربية الصحراء، وهو الاعتراف الذي جاء مقرونا أو مقابلا أو سميه ما شئت، بتطبيع المغرب لعلاقاته مع كيان الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني!

نورالدين اليزيد

أول ما يلفت انتباه المتتبع لتصريحات بيجيدي، هي أنها تبدو للوهلة الأولى وكأنها صادرة عن حزب يتموقع في المعارضة، وليس حزبا يحتل أمينه العام السيد سعد الدين العثماني المرتبة الثانية بروتوكوليا على مستوى هرم الدولة، ومباشرة بعد الملك، رئيسها، الذي يتقاسم معه القرارات الحاسمة للدولة المغربية وللوطن، من خلال مؤسسة المجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك!

بيجيدي وفي توزيع مفضوح للأدوار، ما بين أمانته العامة، وذراعه الدعوية، وتنظيمه الشبابي، أظهروا المغرب، وتحديدا النظام المغربي، كأنه يعيش شرخا عظيما؛ ولعل ذلك له ما يبرره، ونستطيع تبيينه وشرحه في ما يأتي من نقاط:

-بعد يومين من إصدار القصر الملكي المُعلِن عن القرار الأمريكي التاريخي، المقِر بسيادة المغرب على كافة أراضيه الترابية الصحراوية، وبعد نقاش ساخن بين من يسمون صقور الحزب وحمائمه، أي بين التيار غير المستوزر وغير المحتل لمناصب مهمة عمومية أو نيابية، وبين التيار المستوزر والمحتل لمناصب جالبة لريع السياسة، الراغب في عدم تعكير أجواء العلاقة مع القصر، أصدرت الأمانة العامة للحزب بيانا أصرت على أن يكون متوازنا. بحيث رحبت فيه بالقرار الأمريكي، في ذات الوقت الذي أظهرت فيه رفضها لسياسة الاحتلال الصهيوني، دون أن يذكر البيان مسألة التطبيع.. ولعل ذلك تمليه طبيعة الموقع الحكومي الذي يحتله الحزب، وضرورة التقيد بواجب التحفظ، ولو أن تحفظ الحزب هنا كان ملتبسا، بحيث كيف يعقل أن يتجاوز بلاغ #بيجيدي سقف ما رسمه بلاغ القصر الملكي، للأحزاب والسياسيين، المشاركين في الحكومة، ويتحدث عن “جرائم الاحتلال الصهيوني”، التي حتى وإن كانت الحقائق لا تفند ذلك، فإن التشبث بأقصى درجات التحفظ كان لازما ومُلزما للحزب، على الأقل تفاديا لأي تشويش رسمي على الموقف المغربي!

-مباشرة بعد بيان الحزب، يخرج الوزير المنعوت بـ”الأعجوبة”، #محمد_أمكراز، ويطلق العنان للسانه وجبهته العريضة وصفاقته اللامنتهية، عبر قناة شيعية موالية لـ #إيران، ويتحدث بوقاحة قلَّ نظيرها، وباسم المغاربة جميعا، بأنه في شبيبة الحزب الذي يقود الحكومة “عندما يعبرون عن موقفهم المبدئي، والواضح الذي ليس عليه غبار في موضوع التطبيع، وفي باقي المواضيع الأخرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فنحن نعبر عن موقف الشبيبة التاريخي وموقف جميع المغاربة”!، وهو يكرر نفس ما أصدره تنظيمه الشبيبي الذي يتولى رئاسته، الذي كان أعلن أنه التنظيم “يؤكد موقفه المبدئي الرافض للتطبيع مع الاحتلال (الإسرائيلي) الغاصب، وتبرير جرائمه ضد الشعب المظلوم والأرض المحتلة في فلسطين”!

الوزير “الأعجوبة” لم يكتف بالتصريح للقناة التابعة لإيران، التي تعادي #المغرب، والتي كانت من أوائل الدول التي سارعت إلى رفض القرار الأمريكي، المؤيد لـ #مغربية_الصحراء، بل أردف ذلك بتصريحات لقناة “فرانس24” الفرنسية، عقّب فيه على منتقديه، وبرر ذلك بأنه توجّه -ما يعني هناك إرادة ذاتية وشخصية، وما يعني هناك علاقة بِقوى معادية للمغرب- لأجل مخاطبة جمهور لا يتابع الإعلام المغربي. وهذا في حد ذاته يقوم سببا لإدانته واتهامه بالعمالة، أكثر مما يخدم أي حسن نية مفترض في المتحدث، لأن هذا الجمهور الإيراني غير المتابع للإعلام المغربي، كما قال، والنظام السياسي الإيراني، يجعل من أمريكا “الشيطان الأكبر” و”إسرائيل” البلدَ الذي يجب مسحه من الخريطة. وعندما يتحدث إلى جمهور هذا النظام السياسي، وزير مغربي، فإن ذلك يعطي الانطباع، بأن الحكومة المغربية في حالة عدم تماسك، وبأن النظام المغربي، الذي يمثله الملك، إنما يعبث، ولكن الحكومة التي يترأسها هذا الحزب “الإسلامي” له موقف آخر غير معلن، حتى ولو أعلن، للضرورة، أنه يوالي السياسة الرسمية للقصر!

وحتى تتضح أكثر النوايا الغامضة والملتبسة للحزب، فإن أمكراز يأبى إلا أن يضيف كثيرا من الإشارات الدامغة على اختلاف وتنازع الحزب الإسلامي، الذي يقود الحكومة، مع الملك الذي يقود الدولة والوطن، فيؤكد لقناة “فرانس24″، أن أمينه العام، ورئيس الحكومة، العثماني، باق على موقفه الذي أعلن عنه في شهر غشت الماضي، الرافض لأي تطبيع، وبأن ما صرح به في أعقاب الإعلان الأمريكي، يسير في نفس سياق رفض التطبيع!!ولا يمكن أن ينطق أمكراز بما نطق به لولا علمه المسبق بحقيقة ما يتبناه أمينه العام، وهو الموقف الرافض لما أقدم عليه القصر، وهذا وحده بقدر ما يستدعي المزيد من تفطن الدولة وحذرها، فإنه يفرض على الحزب الإسلامي التحلي بقليل من الشجاعة الأخلاقية والسياسية، وإعلانه التموقع بوضوح، إما داخل الحكومة أو خارجها، وهنا يجنب نفسه الإحراج مع مناضليه ومع المغاربة، وكذا الإحراج مع النظام، ومن جهة أخرى يطوي صفحة ازدواجية المواقف والشيزوفرينيا التي طبعت مواقفه منذ مجيئه إلى الحُكم في 2012!

-بالإضافة إلى تصريحات الوزير أمكراز المثير لكثير من الغموض والريب، فإن الذراع الدعوية، هي أيضا سارت على نفس نهجه النشاز، والتزمت بما هو مخطط لها من دور، لإحراج النظام المغربي، وإظهاره في موقف الضعيف غير القادر على إنتاج نفس الخطاب الرسمي؛ وأصدر المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح بيانا أكثر جرأة، أكد فيه: “اعتبارَه ما أقدم عليه المغرب، الذي يرأس لجنة القدس الشريف، مِن تدابيرَ مشارٍ إليها أعلاه، تَطوراً مؤسفاً وخطوةً مرفوضةً لا تنسجم مع موقف الدعم الثابت والمشرّفِ للمغرب”!

ماذا يعني كل هذا؟

الحزب الإسلامي الذي يقود “حكومة صاحب الجلالة”، يحاول أن يبتز القصر، ويهدده، بأن القضية الفلسطينية، التي يعتبرها مبدئية، ويتحدث عليها باسم المغاربة جميعا، يمكن أن يستغلها كورقة ضغط على الدولة والنظام، ويجيش بها المغاربة، لينزلوا إلى الشارع. وهذا الخطاب، الذي تكلفت به اليوم “الذراع الدعوية” للحزب، و”ابن” عبدالإله بنكيران “الروحي”، محمد أمكراز، يعيد تكرار نفس ما لوح به سابقا، عبدالإله بنكيران، وقياديون آخرون كمحمد يتيم، بل وحتى الأمانة العامة للحزب برُمتها، في كل مرة، كان الحزب يحس بأن خطر الإبعاد من كعكة الريع السياسي يتهدده، إذ كانت ورقة النزول إلى الشارع، وإعادة إحياء الاحتجاجات على شاكلة “#الربيع_العربي”، تحتل مكانة الترويسة في خطب الحزب المختلفة!

الأخطر والأنكى، من ذلك أن أمكراز، هذا الوزير الأعجوبة، عندما يخرج على قناة تلفزيونية أجنبية، وتحت غطاء مفترى عليه، يصطبغ بصبغة الأمين العام لشبيبة حزبه، ثم يغوص ويخوض بدون رادع في السياسة الخارجية الرسمية للمغرب، وتحت ذريعة حرية الرأي والتعددية التي تتمتع بها بلادنا، وبكل تنطع ودون أدنى تحفظ من الدور الحصري لزميله في الخارجية، #ناصر_بوريطة، فهو لا يخرق فقط مبدأ التحفظ الحكومي ويضرب به عرض الحائط، ولكن يكرس أيضا الخطاب الإقصائي لحزبه، الذي يلغي الآخر، ويعتبر أنه هو الأول والآخر في مملكة #محمد_السادس، حتى ولو ردد قياديوه ديباجات من باب التضليل، من قبيل أولوية إمارة المؤمنين واحتكارية الملك للدبلوماسية الخارجية وغير ذلك، ولعل ذلك من أوجه التقية التي ينهجها بعض دعاة الإسلام السياسي في أفق التمكّن الموعود به من قبل منظري هذا الفكر.. والله أعلم و #خليونا_ساكتين

[email protected]

https://www.facebook.com/nourelyazid

ملحوظة: هذه المقالة هي في الأصل تدوينة طويلة نشرها صاحبها على حسابه في الفيسبوك       

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.