بين الفساد واللصوصية

179

عبدالله ورياش

أثار الخبر الموثق بشريط “فيديو” حول قيام مجموعة من شباب وهم ينهبون ويغتنمون ما ملكت أيديهم من أكباش، بعد غزوهم لسوق معد لبيع أضحية العيد بالدار البيضاء، موجة عاتية من التعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بين مبرر للفعل الإجرامي، على أساس أن ما شابه ذلك يقع حتى في فرنسا وأمريكا، وأن بعض وسائل الإعلام والكثير من رواد الفضاء الأزرق يغتنمونها فرصة لتشويه صورة المغرب… وبين ساخط لِما آلت إليه الأوضاع ببلادنا، ومنهم من أسقط (حمل الجمل) على حكومة مرتبكة لا تدري ما تقدم وما تأخر غير مصالح الأولياء ذات المرجعية الموالية لحلفائها… ومنهم من ذهب أبعد وطالب بإسقاط الهوية المغربية عن هؤلاء الشباب المنحرف ورميهم (فين؟) الله أعلم.

لكن فوق كل هذا القيل والقال ظلت الحكومة في عطلة، وهمها الوحيد هو “تحضير الأرواح” لانتخابات2021 ، ليظل السؤال عالقا في الهواء، ولا مجيب كعادة حليمة.

وهنا يجب أن ننزع قشرة الجرح حتى نعرف من هو الفاسد، ومن هو اللص، وما الفرق بين الفساد واللصوصية، ولماذا هجم هؤلاء الشباب على سوق (الحوالى)، وهم في الأصل من دفعة المدرسة العليا للجهل والبطالة والفقر؟ ولماذا تزامن هذا الحدث مع واقعة أخرى تفيد قيام مرضى تعافوا من وباء كورونا، بسرقة بعض محتويات وتجهيزات مستشفى ببنسليمان، أعدّ لعلاج المرضى المصابين بكوفيد-19؟

وقبل أن نجيب عن الفرق بين الفاسد واللص، تحضرني هنا طرفة حقيقية وقعت بفرنسا، إذ اتهمت إحدى الصحف الفرنسية المجلس البلدي لمدينة باريس بأن “نصف أعضائه لصوص”، فاعتزم المجلس مقاضاة الجريدة، وعندها تدخل فريق من الوسطاء لعقد صلح بينهما، فقبل المجلس بشرط الاعتذار، ونشر الخبر في الصفحة نفسها. فما كان على الجريدة إلا تكذيب الخبر، ولكن بهذه الطريقة الغاية في الذكاء: “كتبنا بالأمس أن نصف أعضاء المجلس البلدي لصوص، والحقيقة أن نصف أعضائه ليسوا لصوصا”.

سياق هذا المثال لأن الفاسد حين يتولى موقعا رسميا يستغل سلطاته ونفوذه ليكون بعيدا عن صفة قد تلصق به مدى حياته، إن تمت محاكمته على اعتبار أنه “لص”، لأن الفاسد يعرف أن للدولة مؤسسات تحت مسميات عديدة، يجمعها محاربة الفساد، وهي كلمة غير محددة الهدف، ومنها المجلس الأعلى للحسابات، الذي ليس له صفة قضائية.

لذلك فإن الكثير من ملفات الفساد من العيار الثقيل تقبر داخل رفوف الحكومة إلى أن يتدخل ملك البلاد…

والحديث طويل في هذا الباب، وبقي أن نقول إن الفاسد حين يكون ذكيا، يوظف تحت إمرته مجموعة من اللصوص يسرقون له، ويتولى هو مهمة توزيعهم على الأماكن ذات الفائدة… إذن من نلوم سارق الكبش أم لصوص المال العام؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.