تصريحات سعداني المؤكدة لمغربية الصحراء.. هل هي بداية نهاية البوليساريو؟

1٬429

تحليل إخباري

نورالدين اليزيد

في موقف ملفت من الساسة الجزائريين بعدم التعليق على تصريحات سياسي بارز اعترف بمغربية الصحراء وانتقد جبهة البوليساريو معتبرا أنها تهدر المال العام الجزائري على الأسفار والفنادق الفخمة، وجد الانفصاليون أنفسهم في حالة الصدمة متسائلين عما إذا كانت الجزائر في طريقها إلى سحب دعمها للانفصاليين وهو ما يعني إعدام أطروحة “الجمهورية الصحراوية” الوهمية.

وكان القيادي السياسي الجزائري عمار سعداني الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني شن هجوما لاذعا على جبهة البوليساريو الانفصالية، واتهم قيادتها بتبديد أموال جزائرية على الأسفار والفنادق الفخمة، مؤكدا مغربية الصحراء وداعيا النظام الجزائري إلى طي الصفحة وفتح الحدود مع المغرب وبناء علاقات أخوية جديدة معه.

ووفق الأذرع الإعلامية للانفصاليين لم يصدر أي رد فعل رسمي جزائري حول تصريحات سعداني “المستفزة” والتي كانت متوقعة، بحسب تقارير مقربة من البوليساريو، منذ تصريحه الشهير المشابه على قناة النهار الجزائرية عام 2015.

ونقلت تلك التقارير أن الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، بعد خوضه في “ملف حساس بالنسبة للجزائر وتأييده الصريح لسياسات الاحتلال المغربي”، أثار من جديد “زوبعة” على الساحة، وبينما لم يصدر اي رد فعل رسمي عن الجزائر انبرت ما تسمى “اللجنة الوطنية الجزائرية للتضامن مع الشعب الصحراوي”، التي يعتبرها الجزائريون القناة الرئيسية لضخ الأموال الجزائرية في جيوب الانفصاليين، إلى انتقاد عمار سعداني “ووصفته بـ”العميل الخائن”.

وقالت اللجنة في بيان لها، سارعت أذرع البوليساريو الإعلامية إلى تعميمه بينما تجاهلته معظم المنابر الجزائرية، “لقد سقطت الأقنعة وظهر الوجه الحقيقي لعمار سعداني: شخص مغامر بلا ضمير، اخترق أعمال الدولة وحزب جبهة التحرير الوطني، بفضل حسابات خاطئة للبعض، والرضا غير المسؤول عن أنصار السلطة الآخرين”.

واستدل أصحاب البيان بمواقف الأمين العام السابق لـ “الآفلان” (جبهة التحرير الوطني) والتي اعتبرتها مُعادية لمواقف الدولة الجزائرية: “لقد عرفنا هذا العائد المجنون المعادي تمامًا للصحراويين، بأنه الرئيس الوحيد للمجلس الشعبي الوطني الذي لم يستقبل نظيره الصحراوي سنة 2015، وكأمين عام لجبهة التحرير الوطني كان قد أعلن تأييده للمخزن (السلطات المغربية)، هو يروج للاحتلال والاستعمار، مواقفه كانت مخزية، وخيانة حقيقية لقسم نوفمبر، وتعارض تمامًا الموقف الرسمي للجزائر”.

ويبدو أن المتشددين من مؤيدي البوليساريو من النظام الجزائري المترنح هذه الأيام بسبب مواصلة الحراك الشعبي، أصيبوا بالسعار وهم يتهمون قياديا سياسيا معروفا بجرأته على طرح مواقفه، بأخطر التهم والصفات عندما لم يترددوا في توصيفه بـ”الخيانة”، حيث جاء في بيان اللجنة أن “عمار سعداني عميل مغربي نجح بالتسلل إلى مراكز القيادة العليا في الدولة الجزائرية”، موضحا “أن جبهة البوليساريو أكبر منه كونها حركة تحرير معترف بها وممثلة في 124 دولة في العالم وتحظى بدعم الأمم المتحدة التي تقر بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره”.

وعدا عن كون المعطيات التي أوردتها هذه الجمعية ذات الطابع المدني، والتي لها وظائف مشبوهة من خلال التصرف في المال العام الجزائري بطريقة غامضة وتحويلها إلى حسابات سرية في بنوك محلية ودولية، أنها معطيات خاطئة ودعائية، بحيث باتت الدول التي، إما جمدت اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” أو سحبته نهائيا، لا تتجاوز الخمسين بلدا في الغالب، فإن الجمعية أو الذين يديرونها لم يجدوا أمامهم من حجج لمقارعة سعداني غير التهافت على نعته بأقذع النعوت التي يعرف الجزائريون الشرفاء أنها ليست حقيقية، وكان حريا بهذه الجمعية والذين يديرونها في عتمة الظلام أن يشهروا في وجهه وأمام الرأي العام الجزائري فواتير صرف الملايير من المال العام الجزائري على وهم أطروحة اللاجئين، منذ نحو نصف قرن، لذلك وجدوا أسهل الطرق للمداراة على فساد أصحاب الجمعية هو اتهام سعداني بالخيانة المفترى عليها، علما أن الرجل معروف لدى الجزائريين بمواقفه الجريئة التي يدلي بها ولا يخشى لومة لائم، وسواء تعلق بقضية الصحراء أو بقضايا أخرى تهم الفساد بالشقيقة الجزائر، ومن بينها بالخصوص ما يتعلق بالدجاجة التي تبيض ذهبا، أي الغاز الطبيعي، حيث ما فتئ يدعو إلى ضرورة تبني المزيد من الشفافية والحكامة في تدبير الثروة الطبيعية الأولى بالجزائر.

تصريحات تكسر المألوف

وكان القيادي السياسي عمار سعداني الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني شن هجوما لاذعا على جبهة البوليساريو الانفصالية، واتهم قيادتها بتبديد أموال جزائرية على الأسفار والفنادق الفخمة، مؤكدا مغربية الصحراء وداعيا النظام الجزائري إلى طي الصفحة وفتح الحدود مع المغرب وبناء علاقات أخوية جديدة.

السياسي الجزائري المعروف عمار سعداني

وجاء حديث القيادي في الحزب الحاكم ضمن حوار مطول مع موقع “كل شيء عن الجزائرTSA”، حين قال “أنا في الحقيقة أعتبر من الناحية التاريخية، أن الصحراء مغربية وليست شيئا آخر، واقتُطِعت من المغرب في مؤتمر برلين، وفي رأيي فإن الجزائر التي تدفع أموالا كثيرة للمنظمة التي تُسمى البوليزاريو منذ أكثر من 50 سنة، دفعت ثمنًا غاليًا جدًا دون أن تقوم المنظمة بشيء أو تخرجُ من عنق الزجاجة”.

وأردف سعداني القول “لذلك فالعلاقة بين الجزائر والمغرب هي أكبر من هذا الموضوع والآن الظرف مناسب، لأن هناك انتخاب رئيس جديد وتغير في النظام التونسي، والجزائر مقبلة على انتخابات وهناك تغير في النظام، كما أن ليبيا تعيش تحولًا، وهذا يمكن أن يؤدي لإعادة إحياء المغرب العربي كما طالب به قدماء جبهة التحرير وأيضًا الأحزاب الوطنية في كل من المغرب الجزائر تونس وشمال إفريقيا، واعتبر المتحدث أن موضوع الصحراء يجب أن ينتهي وتفتح الحدود وتُسوى العلاقات بين الجزائر والمغرب لأن الأموال التي تُدفع لمنظمة البوليزاريو، والتي يَتجَوّل بها أصحابها في الفنادق الفخمة منذ 50 عامًا، فإن (سوق أهراس) و(البيض) و(تمنراست) وغيرها، أوْلى بها”، وختم سعداني بقوله “هذا هو موقفي سواء أغضب البعض أو لم يعجب البعض الآخر”.

سياق ذو دلالات

وليس استحضار سعداني الوضع في كل من تونس وليبيا جاء عبثا، ولكنه استحضار لدينامية يعيشها المجتمع المغاربي، بدأت منذ سنة 2010 عندما اندلعت أولى شرارة ما سيصطلح عليه لاحقا “الربيع العربي”، الذي يبدو أنه لم يؤتي ثماره ويحقق أهدافه لحد الآن ببعض أو جل الدول المغاربية، باستثناء تونس التي انتخبت أخيرا رئيسها بشكل ديمقراطي وشفاف غير مسبوق، ما جعل العالم يقر بذلك، ويجعل هذا أيضا دولَ الجوار تتوجس خيفة من أن تعود الاحتجاجات إلى المنطقة، أملا في تحقيق ديمقراطية على غرار النموذج التونسي.

صلاح الدين مزوار وزير الخارجية السابق ورئيس اتحاد المقاولات المغربية(يمينا) وناصر بوريطة وزير الخارجية وخلف مزوار على رأس نفس الوزارة والموقع على بيان الخارجية الناري

ويبدو من باب الاستغراب الذي يحيل على كثير من الأسئلة أن يأتي تصريح سعداني بعد أيام قليلة فقط من قرارٍ للسلطات المغربية صدر عن وزارة الخارجية في شكل بيان شديد اللهجة موجه إلى رئيس اتحاد مقاولات المغرب (اتحاد رجال الأعمال)، صلاح الدين مزوار، وهو وزير أسبق للمالية ووزير سابق للخارجية، بعد إقدام الأخير على التعليق على الحراك الشعبي بالجزائر، واعتباره يحمل “الأمل” من أجل إرغام “العسكر” على اقتسام السلطة، ووصفت الخارجية المغربية مزوار بـ”الأرعن”، وبأنه لا يعكس الموقف الرسمي للمملكة، وقد كان بيان الخارجية كافيا ليرغم رئيس الاتحاد المقاولاتي على تقديم استقالته، علما أن اتحاد مقاولات المغرب يعتبر فاعلا رئيسيا في تنزيل الرؤية الاقتصادية الإفريقية للعاهل المغربي، حيث يستثمر الاتحاد عبر أعضائه في كثير من المشاريع بالدول الإفريقية التي زارها الملك وأبرم معها اتفاقيات تعاون في إطار مبدء التعاون جنوب-جنوب.

ولعل رسالة الرباط إزاء تصريحات صلاح الدين مزوار كانت واضحة إلى الأشقاء الجزائريين، وهي عدم تعليقهم على ما بدر من الأخير، بأي وجه كان، وكان موقف الجزائر التزام الصمت إزاء ذلك، وهي المعروف عنها في ظل نظام عبدالعزيز بوتفليقة المسارعة إلى التعليق والرد على كل صغيرة وكبيرة تصدر عن ما يسمونه “المخزن”، موقفا مثيرا لسؤال ملح حول ما إذا كان الأمر يتعلق بترتيبات غير علنية بين البلدين الجارين للدخول في عهد جديد من التعاون المبني على الاحترام المتبادل لسيادة البلدين وعدم التدخل في الشأن الداخلي لكليهما، ولم لا تكون قضية الصحراء واحدة من أهم مخرجات هذا الاتفاق بحيث ترفع الجزائر يدها عن دعم البوليساريو.

وبعد مرور 48 ساعة على تصريحات سعداني المثيرة للجدل لم تصدر عن الجزائر أي توضيحات أو مواقف رافضة لمثل هذا التصريحات، كما جرت العادة في السابق، فهل هي بداية تغير موقف الأشقاء الشرقيين للمغرب من قضية المغرب الأولى، وهي مغربية الصحراء؟

سؤال تجيبنا عليه الأيام القليلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الحراك الجزائري ومخاض الدولة الجزائرية التي تتنازعها اتجاهات متفرقة ما بين إعادة تدوير النظام السياسي الذي قاب قوسين أو أدنى من الأفول، وما بين اتجاه يتبنى موقف الشارع الجزائري والداعي إلى ضرورة تأسيس الجمهورية الثانية والقطع مع النظام الذي ظل لسنوات خاضعا لقبضة جنرالات مرحلة الاستقلال، ولم يقُد البلاد لا إلى تنمية حقيقية  في المجتمع ولا إلى ديمقراطية حقة لتداول السلطة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.