رمادية بلاد شنقيط.. ولد الغزواني مع مملكة محمد السادس وجمهورية البوليساريو

854

تحليل إخباري


نورالدين اليزيد

يبدو أن التفاؤل الذي ساد الأجواء في العلاقات بين المغرب وموريتانيا، منذ مجيء الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الحكم، هو تفاؤل كالسراب بحيث سرعان ما أعلنت نواكشوط عن نقيضه، وهي تؤكد اليوم على اعترافها بـ”الجمهورية الوهمية” المعلنة من قبل البوليساريو.    

فقد قال الرئيس الموريتاني الغزواني، ليلة الجمعة، في لقاء صحافي هو الأول من نوعه منذ توليه الحكم، “إن موريتانيا تلتزم الحياد في قضية الصحراء، ونسعى أن يكون حيادنا إيجابيا لا سلبيا”، قبل أن يوضح قوله “إن موقف موريتانيا من قضية الصحراء الغربية لم يتغير ولن يتغير، لأنه موقف من ثوابت السياسة الخارجية للبلد، بغض النظر عن الحاكم أو التطورات الحاصلة في الملف”، وفق ما نقلت تقارير واردة من نواكشوط.

مع البوليساريو ومع المغرب!

وفى رده على سؤال أحد الصحافيين ذكّر رئيس موريتانيا بـ”اعتراف الدولة الموريتانية بالصحراء الغربية، الموقف الحياد الذى تبنته موريتانيا، لكنه حياد إيجابي، بحكم العلاقة بمختلف الأطراف، وحساسية الملف، وأهمية الحل بالنسبة للدولة الموريتانية”.

لكن رئيس بلاد شنقيط عاد و”نفى أي وجه للمقارنة بين موقف موريتانيا من قضية الصحراء الغربية بأي ملف آخر (في إشارة إلى القضية الفلسطينية التي يريد بعض المدلسين تشبيهها بقضية الصحراء)”، وأرجع الغزواني تمييز نواكشوط بين الملفين إلى ما وصفها “تعقيدات الجغرافيا وتاريخ العلاقة الجيواستراتيجية، وتداخل الأمور على الحدود وحضور الملف كأحد الملفات الحساسة والهامة لدى صانع القرار بموريتانيا”.

تصريحات الرئيس الموريتاني تلقفتها وسائل الدعاية الانفصالية التابعة للبوليساريو، حيث سارت وكالة الأنباء الرسمية للبوليساريو عن نشر تصريح الرئيس الموريتاني ونقل قوله إن “الموقف الموريتاني ثابت في هذا الشأن وهو الاعتراف بالجمهورية الصحراوية وتبني موقف الحياد الإيجابي والوقوف على نفس المسافة بين الإخوة وهو الموقف الثابت الذي لا تغيير فيه”.

وعلى الرغم من أن موريتانيا تعترف بـ”الجمهورية الصحراوية” المعلنة من طرف جانب البوليساريو، منذ 27 فبراير 1984، إلا أن اعترافها ذلك ظل مجرد بروتوكول تتفهمه الرباط، بالنظر إلى حساسية موقف الجارة الجنوبية للمملكة، بسبب الضغوطات التي تمارسها عليها الجزائر، وفي غالب الأحيان كان الرؤساء المتعاقبون على الحكم في موريتانيا يميلون أكثر عمليا إلى تأييد الموقف المغربي من نزاع الصحراء.

فترة ولد عبدالعزيز المستفزة..

وطيلة فترة حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز التي استمرت عقدا من الزمن  (من 2009 إلى 2019)، تميز الموقف الموريتاني اتجاه الصحراء بأكثر من الحياد الإيجابي، الذي ظلت تنادي به نواكشوط، حيث لم يتردد ولد عبد العزيز في استقبال الكثير من قيادات البوليساريو، من بينهم زعيم البوليساريو إبراهيم غالي الذي استقبله ولد عبدالعزيز على هامش القمة الإفريقية الحادية والثلاثين المنعقدة في نواكشوط سنة 2018.

في مقابل هذه الاستقبالات كانت العلاقة بين الرباط ونواكشوط تزداد سوء وتدهورا عاما بعد آخر، وتأخرت موريتانيا عن تعيين سفير لها بالرباط لسنوات، في ظل وجود أزمة دبلوماسية بين البلدين، تحاشى الزعماء الإعلان عنها، وكانت الخرجة الإعلامية المثيرة للأمين العام السابق لحزب “الاستقلال” المغربي حميد شباط حين أعلن في خريف 2016 أن موريتانيا جزء من التراب المغربي، النقطة التي أفاضت الكأس، حيث اضطر العاهل المغربي إلى إيفاد رئيس الحكومة وقتئذ عبدالإله بنكيران إلى الرئيس الموريتانيا، لنقل اعتذاره والتأكيد على السيادة الوطنية لموريتانيا كدولة جارة لا أطماع للمغرب في ترابها الوطني.

انفراجة..

وإذا كانت مواقف ولد عبد العزيز الملتبسة إلى حد الاستفزاز للجانب المغربي، في بعض صورها وخلال بعض المناسبات، ما أدى غلى تأزم العلاقات الدبوماسية بين البلدين، إلا أن حالة انفراج واضحة سادت العلاقات بين المغرب وموريتانيا منذ انتخاب الرئيس الحالي ولد الشيخ الغزواني في صيف 2019، حيث صدرت عدة إشارات متبادلة بين البلدين تفيد بإعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية، بغض النظر عن مسألة الاعتراف من عدمها، والتي لها مبرراتها المتفق عليها مبدئيا من جميع أطراف ملف الصحراء.

وكانت أكبر إشارة جعلت الرباط تشعر بالاطمئنان للرئيس الموريتاني الحالي، هي عندما تعمد عدم الإشارة إلى نزاع الصحراء أواخر سبتمبر من العام 2019، أمام الأمم المتحدة، عندما تطرق الرئيس الموريتاني إلى العديد من القضايا الإقليمية بالمنطقة، من قبيل فلسطين وليبيا وسوريا واليمن والسعودية والسودان والصومال، لكنه تحاشى أية إشارة إلى قضية الصحراء رغم أن موريتانيا تعتبر طرفا معنيا بالنزاع وتحضر جولات الأمم المتحدة باستمرار.

وبالطبع فإن هذا الموقف صدم جبهة البوليساريو التي تردد لدى بعض الأوساط في صفوفها تخوفها من أن يكون ذلك بداية انعطافة لنواكشوط إزاء القضية، لفائدة الطرح المغربي، ولعل ذلك ما ترجمته بعض المنابر الموالية للبوليساريو، من مقالات تتساءل عن سر هذا التجاهل الموريتاني في محفل دولي للقضية الصحراوية، محذرة في ذات السياق، من أن يؤدي أي انحراف لنواكشوط من موقف الحياد من إشعال فتيل الحرب من جديد دون أن تكون موريتانيا بعيدة عنها، مع ما حملته تلك الأذرع الإعلامية للبوليساريو من ترغيب وترهيب لنواكشوط بأن تظل على موقفها التقليدي الوسطي من القضية.

عودة للسياسة الرمادية..

لكن التصريحات الجديدة المنسوبة إلى الرئيس الموريتاني ولد الغزواني المذكّرة باعتراف نواكشوط بـ”جمهورية” البوليساريو، فيها أكثر من رسالة إلى من يهمهم الأمر؛ أبرزها أن الجار الجنوبي للمملكة، لن يتخلى بسهولة عن ملف الصحراء واستعمال ورقتها في مخاطبة الأطراف الأخرى ذات التأثير في المنطقة، وهي المغرب والجزائر، وهي وحدها الورقة التي تجعلها تتجنب كثيرا من القلاقل مع إحدى الدولتين القويتين، هي في غنى عنها مقارنة مع المشاكل الداخلية الاجتماعية منها والسياسية، إضافة إلى كون الموقف الموريتاني يُذكر الساسة المغاربة بالخصوص، الذين هرولوا إلى اعتبار فترة الرئيس الحالي ستكون أفضل من فترة حكم السابق، بأنهم أخطأوا التقدير، ولعل ذلك ليس الأول من نوعه، بل أبان المسؤولون المتحكّمون في السياسة الخارجية للمملكة وخاصة ما يهم القضية الوطنية، أنهم سذّج إلى الرعونة، خاصة عندما كان ينتظر هؤلاء انفراجة في سياسة الجزائر اتجاه المغرب، عشية الانتخابات الرئاسية الجزائرية المثيرة للجدل، حيث سارع المسؤولون المغاربة إلى توبيخ رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب ووزير الخارجية السابق صلاح الدين مزوار، لمجرد أنه علق على “الحراك الشعبي” بالجزائر، بل إن تصريحاته تلك جرت عليه سخط وغضب السلطات العليا، التي يبدو أنها أصدرت تعليماته إليه للتنحي عن رئاسة اتحاد “الباطرونا”، الذراع الاقتصادية الحليفة للدولة المغربية، وهو ما فعله لاحقا واستقال.

هذه التطورات الجديدة، بقدر ما تكرس واقعا لا يُعلا عليه، وهو أن قدر موريتانيا الجغرافي والسياسي أو الجيواستراتيجي، يفرضها عليها التشبث بالسياسة الرمادية اتجاه الإخوة المتصارعين على الصحراء، فإنها تنبه من جديد الساسة المغاربة إلى ضرورة التشبث والتحلي بأقصى درجات الحذر والمسؤولية وهم يمسكون بالقضية الأولى في المغرب، قضية الصحراء المغربية المعرضة دائما لرياح متحركة قد تهب من كل الجهات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.