صحافة التشهير*

115

سليمان الريسوني

خطوة مهمة تلك التي قام بها المجلس الوطني للصحافة، يوما بعدما رَفعتُ، من قناة “فرانس 24″، التحدي أمامرئيسه يونس مجاهد، وقلت إنه لن يقوى على اتخاذ أي إجراء عقابي في حق جرائد ومواقع التشهير، وبالأساس المنشورات التي يديرها عامل سابق بوزارة الداخلية، أو تلك التي يملكها أحد مرافقي الملك في جولاته الإفريقية.

لقد خرج مجلس الزميل مجاهد ببلاغ يخبرنا فيه بأنه توصل بعدة شكاوى، من أشخاص ذاتيين واعتباريين، تتعلق باتهامات حول خرق أخلاقيات الصحافة، من طرف جرائد ووسائل إعلام ومن طرف صحافيين. ويقول لنا إن مجلسه سيتداول في مختلف هذه الشكاوى، طبقا لما ينص عليه قانونه، اعتمادا على المبادئ الواردة في ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، الذي صادق عليه. لكنه يدعونا إلى التريث لأنه لا يمكنه، حاليا، اتخاذ أي قرارات مادام أن النظام الداخلي للمجلس، لم يُنشر في الجريدة الرسمية.

“لا زربة على صلاح“، لننتظر صدور النظام الداخلي للمجلس. لكن، هل يملك المجلس الوطني للصحافة، حتى بعد نشر هذا النظام في الجريدة الرسمية، القوة المؤسسية لمحاسبة جرائد وجرائم الزميل العامل والزميل مرافق الملك؟ سيكون بالإمكان ذلك، عندما نصل إلى ديمقراطية حقيقية، ويوم يكون على رأس المجلس الوطني للصحافة شخص آخر غير الزميل يونس مجاهد الذي له سوابق في التشهير بزملائه، آخرها بلاغه الأخير الذي لم يذكر فيه اسم هاجر الريسوني إلا مقرونا بعبارة “المتهمة بالإجهاض“، مع أن النيابة العامة نفسها لم توجه لها هذه التهمة إلى هاجر. ألم يكن على مجلس مجاهد أن يكتفي بالحديث عن التشهير الذي تعرضت له الصحافية الفلانية، أو يضيف: في الملف المعروض على القضاء، بدل تأكيد تهمة هي التي تروج لها صحافة التشهير بخبث ممنهج، غايته: “إذا أفلتت هذه الصحافية من العقوبة السجنية، فلا يجب أن ندعها تفلت هي وأسرتها التحريرية وأقاربها من التشويه“.

لست هنا في معرض استحضار عدد المرات التي انخرط فيها رئيس المجلس الوطني للصحافة، بأساليب مسمومة، في التشهير بزملائه، لكن، لا بد أن أقف على حالتين واضحتين؛ الأولى عندما أصدر، وهو رئيس للنقابة الوطنية للصحافة، بيانا، عقب اعتقال الصحافي علي أنوزلا، يقول فيه: “النقابة تعتبر أن حرية الصحافة لا بد أن تمارس في إطار احترام أخلاقيات المهنة، والامتناع عن نشر أو بث أي مواد تتضمن تحريضا على العنف والإرهاب والقتل“، حيث أكد صك الاتهام عينه، الذي وجهته الحكومة المغربية، أيضا، إلى الصحافي إغناسيو سمبريرو، فتضامن معه كل الجسم الصحافي الإسباني والأوروبي، بمختلف جمعياته المهنية ونقاباته، دون قيد أو شرط، ثم برأه القضاء الإسباني، في حين وقف يونس مجاهد، في خندق واحد، مع النيابة العامة المغربية، يجاهد في زميله أنوزلا وهو معتقل بتهم لم يصدقها حتى من حرَّك ذلك الملف.

الحالة الثانية، الفاضحة، التي انخرط فيها رئيس المجلس الوطني للصحافة في التشهير بزميل له، كانت مع الصحافي توفيق بوعشرين، حين دفع يونس مجاهد الرئيس السابق للاتحاد الدولي للصحافيين، فيليب لوروث، وكان مجاهد نائبا له قبل أن يخلفه، إلى إصدار بيان ضد بوعشرين، يتحدث فيه عن نساء لا علاقة لهن بالصحافة، على أساس أنهن صحافيات اعتُدِي عليهن. وقد كانت الأمور ستمر تحت الطاولة، لولا أن إحداهن، لم يسبق لها أن كتبت حتى مقالا في مجلة حائطية، نشرت نص الرسالة التي توصلت بها من طرف رئيس الاتحاد الدولي للصحافيين، على صفحتها بالفايسبوك. لقد حدث هذا في الوقت الذي خرجت فيه أربع صحافيات، إلى جانب أخريات، ينفين تعرضهن لأي اعتداء من طرف بوعشرين، وفي الوقت الذي حكم على عفاف برناني بستة أشهر سجنا نافدا لأنها رفضت اللعب في مسرحية “حريم التجريم“.. ففي هذا الوقت بالذات، ترك مجاهد الصحافيات الحرات، واصطاد نساءً لا علاقة لهن بمهنة الصحافة وقدمهن إلى فيليب لوروث، جاعلا لسانه يلهج بالكلمات عينها التي لهج بها لسان ممثل النيابة العامة، وهو خصم لبوعشرين.

لن أتحدث، عن الزميل عبد لله البقالي، لأنني أعرف أنه يغير المنكر بقلبه، أما باقي جوارحه فمكبلة بأغلبية نقابية تنتمي إلى “جهاز” سياسي – صحافي، لن أكشف سرّا إن أنا قلت إن كثيرا من أسمائه البارزة حباها لله بكل المواهب إلا موهبة الكتابة. هذا “الجهاز” السياسي – الصحافي المتحكم في نقابة الصحافة، هو من ينظر، اليوم، لصحافة التشهير والتشويش “الحداثية“، التي أطلقت سياسة التشهير بالإسلاميين، حقيقة وتلفيقا، بمبرر أنها تفضح ازدواجية الخطاب والممارسة لديهم، وعندما نجحت، إلى حد ما في هذه المهمة، انتقلت إلى التشهير بالحداثيين المدافعين عن الديمقراطية، لتكشف بذلك أن المهمة التي أنشئت من أجلها ليس فقط، القتل الرمزي للمحافظين، كما يبدو للوهلة الأولى، بل التشهير بكل من يواجه الفساد والاستبداد. وبالتالي، لم تعد هذه المناشير تكتفي بالدفاع عن الحريات الفردية، ومهاجمة المطالبين بالديمقراطية في مواقفهم السياسية، بل انتقلت إلى التشهير بالحياة الخاصة للحداثيين الديمقراطيين واتهامهم بالمثلية الجنسية وارتياد الحانات، فيما الزميل البقالي يحملق ويحوقل.

ختاما، لا بد أن نعترف لصحافة التشهير بدور إيجابي، وهو أنها أصبحت مثل اللوحة الإلكترونية للسيارة، عندما تشير إلى أحد الصحافيين أو المعارضين، فإنها تعلمه: إما “إصلاح” عطب الجرأة الزائدة في النقد، أو أنك ستتوقف قريبا، وتدخل إلى الكاراج..

*عن موقع “اليوم24”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.