صرخة زولا وتغريدة عُمر*

263

علي أنوزلا

قبل حوالي 120 عاما، ختم الروائي الفرنسي، إميل زولا، رسالته الشهيرة “إني أتهم”، التي انتقد فيها قرار القضاء الفرنسي آنذاك، والذي دان بريئا هو النقيب ألفريد دريفوس، بالعبارات الحارقة التالية: “أما الأشخاص الذين أتهمهم فإنني لا أعرفهم، ولم أرهم في حياتي، وليس لديّ تجاههم حقد أو ضغينة، وليسوا بالنسبة إليّ سوى كيانات ونفوس مفسدة للمجتمع.

إن العمل الذي أقوم به هنا ما هو إلا وسيلة ثورية لتسريع إعلان العدالة وتفجير الحقيقة”، قبل أن يضيف “لا يدفعني إلى ذلك إلا رغبة واحدة، هي الحقيقة الساطعة باسم الإنسانية التي عانت كثيراً، والتي تستحق السعادة. إن احتجاجي الملتهب ليس إلا صرخة روحي. فليتم إذن تقديمي للمحكمة الجزائية، وليجرِ التحقيق في وضح النهار. أنا في الانتظار”. ولم يطل انتظار زولا طويلا، فقد تمّت محاكمته بتهمة “التشنيع العام”، وحكم عليه بالنفي إلى لندن.

ولكن المقالة التي كتبت بأسلوب فصيح، وبمنطق حجاجي قوي، فعلت فعلها في أوساط الرأي العام الفرنسي، فأعيد فتح القضية، ولكن هذه المرة من “لجنة شعبية”، وأمام محاكمة شعبية كشفت ثغرات الحكم الجائر الذي دان دريفوس ظلما وانتقاما.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبح مقال “إني أتهم” صرخة ضد الظلم، ومن عناوين الاحتجاج ضده، وبفضله ما زال اسما زولا ودريفوس حاضريْن بيننا، ولا أحد يتذكّر أسماء القضاة الذين دانتهم القضية التي أرادوا أن يدينوا فيها بريئا ظلما وعدوانا.

ما يذكّر بإميل زولا ورسالته، ليست فقط شجاعته في الهجوم بأقسى أنواع العبارات على القضاة والمسؤولين الذين دانوا دريفوس، ولا بلاغة أسلوب رسالته، وإنما أيضا التزامه، بوصفه مثقفا، بالقضايا العادلة، وتضحيته من أجل التنديد بالظلم، وهو يعرف الثمن الذي سيدفعه مقابل ذلك. وعندما نعود إليه اليوم، فذلك بمناسبة اعتقال صحافي مغربي، هو الزميل عمر الراضي الذي كتب هو أيضا منتقدا الحكم الجائر الصادر قبل تسعة أشهر ضد نشطاء “حراك الريف” الأبرياء، فعمر هو الآخر لا يعرف القاضي الذي أصدر أحكامه الثقيلة ضد عشرات من الشباب الأبرياء، وأجزم، لمعرفتي القريبة بعمر، أنه لا يحمل حقدا أو ضغينة ضد هيئة القضاء التي أصدرت تلك الأحكام التي استنكرتها منظمات حقوقية عديدة داخل المغرب وخارجه، فهو كتب محذّراً القاضي الذي تحوّل أداةً في يد من يأتمر بأوامرهم، من حكم التاريخ الذي لا يُنسى، ولا يرحم عندما خاطبه بكلمات صريحةٍ وقاسية “لن ننسى ولن نسامح لهؤلاء الموظفين بدون كرامة!”.

لنعد قليلا إلى الوراء ونتصفح تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة، التي تأسست بداية هذا القرن، من أجل طي صفحة الماضي الأليم لحقوق الإنسان في المغرب، فخلاصاتها حمّلت جزءا من المسؤولية فيما جرى من انتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان طوال ما عُرف في المغرب بسنوات “الجمر والرصاص” إلى القضاء الذي زكّى الظلم وبرّره، وفي حالات كثيرة، تحوّل إلى سوط لترهيب الناس وتخويفهم. لنتذكر قليلا ونعتبر: كم من اسم قاضٍ أثير في جلسات الاستماع الطويلة التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة؟ أكاد أجزم أن أحدا لم يأت على اسم أي من القضاة الذين تم تسخيرهم أدواتٍ لتزكية القمع وتبريره طوال تلك السنوات السوداء، ليس فقط لأن الهيئة طلبت من الضحايا الالتزام بعدم ذكر المسؤولين عن ظلمهم، وإنما لأن الجميع كانوا يعرفون أن القضاء والقضاة لم يكونوا سوى قطع غيار في آلة قمع جهنمية زجّت شبابا في عز ريعان العمر داخل زنازين باردة ومظلمة عشرات السنين، لا لشيء سوى أنهم رأوا مغربا جميلا بسعة الحلم، لكنه لم يتحقق، فما أشبه الليلة بالبارحة. وما أقرب غضبة عمر إلى صرخة زولا، كلاهما يتهم، وبالكلمات القاسية نفسها، المسؤولين الفاسدين أنفسهم، والقضاة القساة الذين يزكون الظلم ويبرّرونه ويصدرونه في قالب أحكام قضائية ظالمة.

عبارات تغريدة عمر الملتهبة، التي قضت بسجنه، منذ 26 حتى 31 ديسمبر، ما هي سوى وسيلته الثورية لتنبيهنا إلى الخطر الذي نُساق إليه جميعاً، مثل قطيع سلّم إرادته إلى رعاة الليل يقودونه نحو المجهول. سيخرج عمر من سجنه منتصرا، كما انتصرت عدالة الشعب لإميل زولا، وسيأتي اليوم الذي سيستعيد فيه أبرياء “حراك الريف” الذين حكم عليهم بالسجن ظلما وعدوانا، حرّيتهم المغتصبة، وسيرى كل مظلوم يوما تشرق فيه عليه الشمس تحت سماء الحرية، وستبقى في الذكر أسماؤهم إلى جانب أسماء كل الذين دافعوا عن براءتهم وانتصروا للحق والعدل غير آبهين بسيوف الخوف المعلقة فوق الرؤوس، ولا ذكر يومئذ للجلادين والطغاة ومن سار في ركبهم، فخزانة التاريخ لا تحتفظ بالأشياء والأدوات المستعملة، لأن مكانها مدفونٌ في مكان آخر تشمئز منه النفوس، وإنما تخلد الشجعان الذين يصرخون ضد الظلم، ويهتفون عاليا من أجل الحق، يقولون ما يعتبرونه حقا، ولا يخافون في الجهر بذلك لومة لائم أو ظلم ظالم.

وكما كتب عمر في تغريدته “لن ننسى ولن نسامح” فهذا هو حكم التاريخ مهما طال الزمن، لأنه سيأتي اليوم الذي يذكر فيه من وقف مع الظلم وبرّره وزكّاه، ومن وقف في وجهه وشجبه وعرّاه، فعمر لم يفعل سوى تذكيرنا بحكم التاريخ الذي إذا نزل لا يرحم.

لا أتذكّر من قال إن “التاريخ قد علّمنا أننا لا نتعلم من دروسه”، ولكن في حالة عمر، أقول لمن عاشوا عواقب تاريخ المغرب القريب، ويدركون العواقب الوخيمة لأفعالهم اليوم، لا تدعوا التاريخ يكرّر نفسه، لأنه إذا أعاد تكرار نفسه سيظهر فقط عجزكم عن التعلّم من التجارب. وربما يكون قد فعل ذلك، فلا تجعلوا التاريخ سخيفا يعيد تكرار نفسه من دون أن تعتبروا وتتّعظوا وترعووا.

*عن موقع “العربي الجديد”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.