صفعات الأوروبيين للمغرب.. فرنسا أولا وبعدها محكمتُهم !

0 225

نورالدين اليزيد

الأولى.. الصفعة الفرنسية!

الجزائر التي يعتبرها بعض متطرفي الرأي عندنا بأنها مقاطعة فرنسية ما وراء البحار، نرى أن هؤلاء بلعوا ألسنتهم وصمتوا صمت القبور وهم يرونها اليوم تقف موقف الدول ذات السيادة، وتستدعي سفير فرنسا لديها لتبلغه احتجاجها (.. )، على خلفية قرار باريس تشديد شروط منح الفيزا على مواطنيها، بعكس الدولة المغربية التي نتبجح جميعا (وصاحب التدوينة من هذا الجميع)، باستقلالنا عن فرنسا الكولونيالية، رغم ما قد ينتابنا في عديد من المناسبات من شك عميق ومريب، بخصوص حجم ومستوى استقلالنا هذا الذي درسّوه لنا في المدارس..

لغة التلبيس المقصودة التي خاطب بها وزير الخارجية ناصر بوريطة الصحافيين، وهو يرد على القرار الفرنسي، عندما تحدث عن رفض السلطات الفرنسية القيام باختبار “بي سي إر” (PCR) للمزمع ترحيلهم إلى المغرب من المهاجرين غير الشرعيين، وهو ما ترتب عنه بالنتيجة امتناع المصالح القنصلية المغربية عن منحهم الجواز القنصلي للعودة إلى وطنهم، هو تبرير يدين بوريطة والدولة المغربية، أكثر مما يخدم تملصهم من المسؤولية

فأن لا تكون لوزير الخارجية الشجاعة ليعبر على الأقل عن التنديد والشجب بالقرار الفرنسي المستفز، والذي برأي وزير خارجيتنا نفسه غير مبرر حتى، فهذا يدعو إلى كثير من الريب حول مدى استقلالية قرارنا عن المستعمر السابق، ومدى قدرتنا على استغلال، على الأقل، ما يتيحه لنا القانون الدولي وقواعد وأعراف العلاقات الدولية، من لجوء إلى مبدإ المعاملة بالمثل، حتى في ظل وجود اختلاف بين قوة وحجم الدول، وذلك حفاظا على سيادة الدول واستقلالية قرارها، وضمان كرامتها وكرامة مواطنيها..

لغة التلبيس المقصودة التي خاطب بها وزير الخارجية ناصر بوريطة الصحافيين، وهو يرد على القرار الفرنسي، عندما تحدث عن رفض السلطات الفرنسية القيام باختبار “بي سي إر” (PCR) للمزمع ترحيلهم إلى المغرب من المهاجرين غير الشرعيين، وهو ما ترتب عنه بالنتيجة امتناع المصالح القنصلية المغربية عن منحهم الجواز القنصلي للعودة إلى وطنهم، هو تبرير يدين بوريطة والدولة المغربية، أكثر مما يخدم تملصهم من المسؤولية؛ بحيث كيف يعقل أن تتخلى دولة عن مواطنيها فقط لأن دولة الاستقبال رفضت تقديم مساعدة طبية لهم. وألَمْ يكن من الصواب والواجب الوطني أن يقبل المغرب بعودة أبنائه هؤلاء التعساء الذين لم يحالفهم الحظ في “الفردوس الأوروبي” ، على أساس أن يتم إخضاعهم فوق أرض وطنهم لما يلزم من فحوصات طبية، وعلى حساب ميزانية وطنهم، وهذا أضعف الإيمان في مثل هذا الظرف الإنساني الاستثنائي؟

الإدانة والشجب موجّه للدولة المغربية على صعيدين: تخليها بشكل سافر وخالٍ من أي حس إنساني عن مواطنيها، هذا أولا، وثانيا لأن السلطات المغربية لم تتوفر لديها الجرأة للرد على الإهانة الفرنسية بمثلها أو بأسوء منها..

الثانية.. صفعة قضائهم!

علينا نحن معشر الصحافيين المغاربة أن نتحلى بنفس الجرأة “ازعامة”، عندما تحقق الدبلوماسية المغربية مكاسب في القضية الوطنية الأولى، فنسارع إلى عنونة مقالاتنا بـ”صفعة” يتلقاها النظام الجزائري ومعه البوليساريو؛ فنقول هذه المرة إنها “صفعة” يتلقاها المغرب بإصدار المحكمة الأوروبية قرارا يلغي اتفاقا تجاريا يشمل مناطقنا الصحراوية، وهو مكسب في المقابل لصالح خصوم الوحدة الترابية، بغض النظر عن العمر المفترض لهذا “المكسب”!

أقول قولي هذا لأن علينا التحلي بكثير من الشجاعة والقدرة على مواجهة التحديات، صحافيين ومسؤولين وسياسيين ونشطاء، لا أن نلوذ إلى التواري عن الأنظار، وفي أحسن الأحوال إلى التهليل والتطبيل واجترار ما يصدر في قوالب خشبية محنطة، عن الجهات الرسمية؛ تماما كما حدث مع البيان المشترك الصادر عن وزارة الخارجية المغربية والممثل السامي للاتحاد الأوروبي المكلف بالسياسة الخارجية جوزيف بوريل، والذي أكد فيه الطرفان القول: “سنواصل العمل على تطوير الأبعاد المتعددة لهذه الشراكة الاستراتيجية، بنفس روح التعبئة والتماسك والتضامن. هذه الشراكة المتكافئة تستند، أيضا، على علاقة ثنائية متينة، تقوم على الثقة والاحترام المتبادل بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، مع المساهمة في الوقت ذاته، في تعزيز هذه العلاقة، وتلك التي تربطه بالدول الأعضاء”!

مثل هذا الكلام الدبلوماسي، الذي لا يشفي ولا يروي عطش الرأي العام إلى المعلومة الكافية، يكون حمّال أوجه، وقد يعني أن الأوروبيين قد يسلموا به، أو قد يستغلوه في ابتزاز المملكة حتى؛ وهو ما قد يدعو إلى كثير من التوجس والقلق، خاصة عندما يصدر في وقت لاحق عن البيان المشترك تصريح منسوب إلى “مصدر” غير معلوم رفض الكشف عن هويته، من وزارة الخارجية، تحدث إلى وكالة “الأناضول” تحديدا وليس وكالة غربية !! بصراحة وجرأة أكثر من بيان ناصر بوريطة وزميله الأوروبي جوزيف بوريل، عندما اعتبر أن القرار مُسيس وتحكمت فيه خلفية إيديولوجية، وأن مملكة محمد السادس ستستأنفه طاعنة في قانونيته! وهو ما يفيد أن المسألة فيها كثير من الجدية التي قد لا تحمد عقباها !

ومثل هذه القرارات التي تهم السيادة الوطنية، لا مجال فيها للحديث بدون كشف عن هوية، وبطريقة منسوبة لمجهول، بل يجب أن يصطف أكثر من وزير -إذا تطلب الأمر مثلما يصطف هؤلاء عندما يريدون الرد على مجرد هيئات حقوقية فضحت انتهاكات موجودة- امام الكاميرات والميكروفونات، وينددوا بأشد العبارات بهذا القرار وبمثله، ويعلنوا حالة استنفار !

قد يتذرع البعض بأن المسألة قد تحتاج لبعض الوقت، بيد أن حجم القرار وموضوعه ووزنه، وأخذا بالاعتبار التجربة التاريخية.. كلها عوامل تستدعي من السلطات المغربية أن تكون أكثر حزما وصرامة وسرعة في اتخاذ القرار، لإظهار مدى حساسية الموضوع وخطورته عند المغاربة، حكومة وشعبا..

والتجربة تفيدنا بأن وحدها الصرامة و”العين الحمرا” أجهضت، في وقت من الأوقات، قرارا مثل هذا الذي يصدر اليوم، وألغي من طرف نفس الجهة (المحكمة الأوروبية) التي أصدرته؛ أتحدث هنا عن حُكم أولي مماثل صدر عن محكمة العدل الأوروبية، في ديسمبر 2015، يقضي بإلغاء اتفاقية تبادل المنتجات الزراعية والصيد البحري بين الجانبين، لتضمنها منتجات من الصحراء، فكان رد فعل السلطات المغربية أن أوقفت كل اتصالاتها بمؤسسات الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد صدور الحكم، قبل أن يتم إلغاؤه في مرحلة الاستئناف.

واللافت أن هذا القضاء الأوروبي، الذي يخضع في الغالب لتأثير مختلف المشارب السياسية والإيديولوجية المتحكمة في صناعة القرار الأوروبي، لطالما أبان عن كثير من التأقلم مع ما تتطلبه المصلحة الأوروبية، وإن كان يرفع شعار حقوق الشعوب المضطهدة، واحترام القانون، وحقوق الإنسان، وغير ذلك.. ففي الأخير أينما تكون مصلحة أوروبا تميل رياح القضاء عندهم، بل إن ما يسمى التعليمات وقضاء الهواتف، لا يستبعد أن يكون القضاء الأوروبي يعاني منها هو أيضا.. و #خليونا_ساكتين

[email protected]

https://web.facebook.com/nourelyazid

ملحوظة: هذه المقالة عبارة عن تدوينتين مطولتين نشرهما الكاتب على حسابه في فيسبوك

تصويب: أوردنا في الفقرة الأولى بين قوسين عبارة “وفي وقت لاحق استدعت سفيرها (الجزائر) لدى فرنسا للتشاور” في سياق حديثنا عن رفض الجزائر لقرار فرنسا بشأن التأشيرة، والصواب أن الاستدعاء كان احتجاجا على تصريحات للرئيس الفرنسي حول تاريخ الجزائر. لذلك وجب التصويب والاعتذار لقرائنا الكرام. 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.