صفقتان لا صفقة واحدة.. ما بين الصفقتين تُفضح المواقف وتتعرى النوايا!

846

د.عبد المجيد الصغير

عادت الإدارة الأمريكية الحالية إلى جسّ نبض قلوب العرب والمسلمين، محاولة أن تشغلهم بما سماه رئيسها بلغة “البيزنيس” الأثيرة لديه “صفقة القرن”، تلك الصفقة التي أريد منها التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، والإجهاز على حق الإنسان الفلسطيني في الرجوع والعودة إلى أرضه، التي هُجّر منها ظلما وعدوانا من قبل الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية، إبان سيطرتها التامة على العالم العربي…

والواقع أن هذه “الصفقة” المتعلقة بمصير الإنسان الفلسطيني صفقة القرن الواحد والعشرين، هي الثانية من نوعها، فقد سبقتها صفقة مماثلة في مستهل القرن العشرين، إذ هما ” صفقتان” صادرتان معا عن القوى الاستعمارية والصهيونية، وتكرسان قيما لا أخلاقية ولا إنسانية، غير أن الخلاف بينهما يكمن في طبيعة المواقف، وردود الأفعال العربية والإسلامية اتجاه الصفقتين:

1-أما صفة القرن الواحد والعشرين الحالية، فكلنا على علم بمهندسيها ومخططيها، إنهم أولئك الصهاينة بمعية المتحكمين اليوم في رقاب الأمريكيين، ابتداء من “كوشنير”  اليهودي الصهيوني، وانتهاء بالرئيس الأمريكي “ترامب”، الذي اعتبره العديد من أنصاره مرسلا من قبل “الرب” استعجالا لنهاية التاريخ وحلول “الألفية السعيدة”، واستعدادا لخوض حرب “هرمجدون” الكارثية، التي تفني العالم، ولا تبقي فيه غير ذوي الولاء الأمريكي- اليهودي… ذلك هو الهدف الأكبر لصفقة القرن الواحد والعشرين، والتي سيعرف الفلسطينيون بموجبها، وفي أفضل الأحوال مصيرا لا يختلف عن مصير السكان الأصليين في استراليا والهنود الحمر بأمريكا…

2-في حين أن “الصفقة الأولى”، صفقة بداية القرن العشرين، فهي تلك التي خطط لها أيضا كبار الصهاينة، وبتشجيع كذلك من “القوى الاستعمارية” اتخذت هي أيضا صفة “الصفقة التجارية” بكل ما في الكلمة من معنى، إذ كانت صفقة تستهدف “شراء” مدينة القدس وما حولها، تمهيدا للتغلغل والتسرب إلى كل فلسطين، صفقة عَرَضَها في لغة تجارية وقحة زعيم الحركة الصهيونية “تيودور هرتزل” على الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني، حيث يعترف هرتزل في مذكراته أنه لا يعير اهتماما للمبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية، وأن المبدأ الثابت لديه في تحقيق أهدافه السياسية، إنما هو “مبدأ الرشوة ومنطق المال”، وقد أوضح ذلك في مذكراته حيث اعترف بمحاولته إغراء بعض المقربين من السلطة العثمانية قائلا:” سندفع لتركيا كثيرا، وسنقدم عطايا كثيرة لمن يتوسط لنا (لدى السلطان) إن نحن حصلنا على فلسطين” ، ولقد وجد هيرتزل في الأزمات الاقتصادية، والتي كانت الدولة العثمانية تعاني منها، فرصته الكبرى، فأوحى إلى بعض مستشاري السلطان أن يبلغوه استعداده الكامل لحل تلك الأزمات مقابل أن يهب لليهود “قطعة الأرض التي يريدون (فلسطين)، وهم بدورهم يصلحون أمره في البلاد… ويؤثرون على الرأي العام العالمي ليقف بجانبه”، ومادام الأمر المهيمن هو تبني منطق “المقايضة” وبالاحتكام إلى سلطة المال، فقد أفصح هرتزل عن أطماعه، وتقدم “بعرض إلى السلطان يتضمن دفع عشرين مليون ليرة، على أن “ندفع من هذا المبلغ مليونين بدل فلسطين… والثمانية عشر مليونا تُحرِّر تركيا من بعثة الحماية الأوربية” ! ، ولذلك كان هرتزل يعمل دائما على ألاّ تتلقى تركيا دعما ماليا من الدول الأوربية، كي يزيد ذلك من اختناقها، ويدفعها لقبول العرض الصهيوني برفع الأزمة الاقتصادية الخانقة مقابل التخلي عن فلسطين، وفي حال فشل هذا العرض الصهيوني، لم يكن هرتزل يرى من بديل غير تقسيم الدولة العثمانية بالقوة، وإقامة “دولة يهودية” تمثل “حائطا لحماية أوروبا المتحضرة من الهمجية، على حد تعبيره .

3-لقد عرف تاريخنا الحديث والمعاصر إذا “صفقتين” اثنين، لا صفقة واحدة، ولكنهما رغم الفاصل الزمني بينهما، تعكسان ثابتا من ثوابت الفكر الصهيوني، وبالتبعية الفكر الاستعماري، ألا وهو أن كل شيء في ملك “الأغيار” قابل لمنطق البيع والشراء ! فكل ما يمتلكه الأغيار، من أرض أو وطن أو تاريخ أو ذاكرة ليست له “قيمة” أخلاقية أو إنسانية، بقدر ما هو “بضاعة” معروضة للتفاوض حولها وللتنازل عنها، وللإغراء والبيع لمن يدفع أكثر !  ذلك ثابت من ثوابت الفكر التوراتي، باد بوضوح، لكل من يقرأ أول أسفار التوراة، ويراجع هناك هوس “آبائها” بجمع المال وشراء أرض الأغيار وتوثيق الثروة… وإني لأعتقد أن الدور الذي بات يلعبه اليوم في الشرق الأوسط صهر الرئيس الأمريكي “كوشنير” لا يختلف بالمرة عن الدور الذي لعبه في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين سلفه تيودور هيرتزل مع الدولة العثمانية، إنه دور قائم على الإغراء بالمال والوعد بالجنة الأرضية من أجل التخلي عن الحقوق الطبيعية لدى الشعوب الأصلية… وعليه فليس “الحراك الكوشنيري” في أيامنا هذه إلا صورة مكررة ثابتة من صور ذلك الحراك الهرتزيلي”، حراك يكرس الاستراتيجية الصهيونية-الاستعمارية القديمة، ويعكس تصميما وعزما على المضي في تنزيلها، وتنفيذها، ولو على مراحل متطاولة.

تاريخنا الحديث والمعاصر شاهد إذن على أن القضية الفلسطينية خضعت لصفقتين اثنتين، وقفت وتقف وراءهما القوى الصهيونية والاستعمارية القديمة والجديدة، ورغم الفاصل الزمني بينهما، يظل الهدف المعلن أو المبطن منهما واحدا، ألا وهو تحقيق “وعد الرب” لليهود بالاستيلاء على أراضي الأغيار، في نظر “الأصوليين” اليهود والمسيحيين على السواء، واستمرار الهيمنة على وسط العالم ومراكز التجارة والمواصلات في نظر حاملي الإيديولوجية الاستعمارية القديمة، وقد برر نائب الرئيس الأمريكي “مايك بنس” وجوب المضي في عقد وتنفيذ صفقة القرن الحالي، بقوله:” نحن ندعم “إسرائيل” بسبب الوعد التاريخي المقدس، أن من يدعمهم الآن سينال بركة الرب”.

4-وبعد، إذا كانت مواقف الفكر الصهيوني والاستعماري قد اتحدت وتشابهت بين الصفقتين المشؤومتين، فهل اتحدت أم تباينت مواقف وردود أفعال من توجهت إليهم “عروض” هاتين الصفقتين، وخوطبوا بها باعتبارهم حكاما ومسئولين، و”رعاة” لشعوبهم العربية والإسلامية؟

الفرضية التاريخية تقول إن الزمن كفيل بازدياد الوعي لدى الشعوب المقهورة، وأنه إذا كان “التخلف” في القرن التاسع عشر قد حال دون قراءة جيدة لما كان يخطط، ويدبَّر لتلك الشعوب من إجراءات ظالمة…فإن الزمن قد لعب دورا فاعلا في ذوبان جليد التخلف، وفي ازدياد وعي الشعوب بمصائرها، ما شجعها على انتزاع استقلالها بنفسها بقوة الكفاح المسلح المشروع، إلا أن الملاحظ أن مواقف النخب والسلط الحاكمة في المجتمعات العربية والإسلامية المعنية مباشرة بالقضية الفلسطينية قد أبانت عن “تطور عكسي” بخصوص الصفقتين المذكورتين، تطور كشف عن مقدار الشرخ في الجسم السياسي العربي المعاصر، وعن مبلغ اتساع الهوة الفاصلة بين الشعوب وحكامها، وفضح بالتالي النوايا، وأوضح مقدار الاستبداد الجاثم على هذه الشعوب:

أما عن الصفقة الأولى، فالتاريخ يؤكد أنها اصطدمت بصخرة كبيرة، جعلت مهندسها “هيرتزل” يعترف بأن كل ضغوطه وإغراءاته للخليفة عبد الحميد الثاني، كي “يبيع” كل فلسطين، قد باءت بالفشل الذريع، وينقل “هيرتزل” في يومياته قول عبد الحميد الثاني مجيبا عن إغراءاته:” لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي (…)، ليحتفظ اليهود ببلايينهم (…)، لن تقسم إلا جثتنا، ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان”.

لكن الصهاينة قد واتتهم الفرصة، بعد أن تمكنت من السيطرة السياسية على البلاد “جمعية الاتحاد والترقي”، التي امتلأت بعناصر “الدونمة”، التي كانت تخفي يهوديتها وولاءها للفكر الصهيوني، فحاولوا الضغط على السلطان عبد الحميد لحمله على المصادقة على “صفقة هرتزل”، وذلك موقف حرص السلطان عبد الحميد أن يترك عنه شهادة للتاريخ، يقول فيها:” إن هؤلاء “الاتحاديين” قد أصروا وأصروا عليَّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة “فلسطين”، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف. وأخيرا وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضا، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا، فضلا عن مائة وخمسين مليون ليرة انجليزية ذهبا، فلن أقبل بتكليفهم هذا بوجه قطعي… وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي…” .

في حين أن صفقة القرن الواحد والعشرين الحالية التي عرضها الرئيس الأمريكي “ترامب” بمعية صهره ومستشاره الأول “كوشنير”، قد كشفت عن مبلغ التخلف الفكري والانحطاط الأخلاقي، الذي انحدر إليه بعض رجال السلطة في العالم العربي المعاصر، وكشفوا عن قناعاتهم السياسية بكونهم “مستبدين” يتصرفون على الضد تماما من قيم ومصلحة شعوبهم الجاثمين على صدورها، ولقد كشف “كوشنير” نفسه، وفضح في حوار مع محطة إعلامية مصرية، أن “الرئيس” المصري من أكبر مؤيدي تلك الصفقة، كيف لا وقد شارك هو أيضا في إعداد بنودها وصياغتها !! والجدير بالملاحظة أن الرئيس الأمريكي حينما عرض رسميا صفقته المعروفة، حرص أن يعرضها أمام جمع عام من الأمريكيين، ضم العديد من القساوسة الإنجيليين، وقد حضر بجانبهم مؤيدين ومباركين للصفقة سفراء دول عربية، وهم سفراء دول الإمارات والبحرين وعمان، حيث أشادت وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية بحضورهم، تأكيدا منهم وتأييدا للصفقة التي أريد منها بيع “فلسطين” كاملة “لإسرائيل”، بل إن سفير الإمارات في واشنطن لم تفته مرة أخرى هذه الفرصة، فيبادر إلى وصف الصفقة بكونها “مبادرة جادة”.

وبذلك تكون صفقة القرن الجديد قد فضحت مواقف بعض رجال السلطة في العالم العربي المعاصر، وعرّت عن نواياهم، بعد أن تباروا في المسارعة إلى مباركتها، معتبرين إياها مع ذلك “فتحا جديدا للقضية الفلسطينية، وتغييرا جذريا في المنطقة، ولم يملك وزير خارجية الإمارات أن يشيد بهذه الصفقة حتى قبل الإعلان الرسمي عنها، فغرد في موقعه، بعد لقاء مع المسئولين الأمريكية والإسرائيليين قائلا: “إصلاح الإسلام: تحالف عربي-إسرائيلي يتشكل في الشرق الأوسط” ! وإنه لأمر مخز أن نرى بعض ضعيفي وقصيري الرؤية السياسية وحديثي التعامل مع مفهوم “الدولة” و”الوطن” و”القيم” يتلاعبون بمصائر الشعوب، “ويحسبون أنهم يحسنون صنعا” بمجرد كونهم “يتطاولون في البنيان” ويديرون ظهورهم لشعوبهم متوهمين أن إحاطة أنفسهم بأقلام مأجورة و”فتاوى” مشبوهة، وصروح نخرة كصروح “هامان” كفيل ان يضفي على مواقفهم تأييدا شعبيا أو شرعية دينية إسلامية، ولكن هيهات هيهات، إنه التاريخ لا يرحم، وإن للشعوب لذاكرة لا تمحوها المؤامرات ولا الصفقات.

الرباط في: 09-02-2020

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.