طاهٍ مغربي في مالطا: عندما تأتي من بلد تتقاضى فيه 2500 درهم إلى آخر يعطيك 2000 أورو لا يمكنك إلا أن تبدع

790

حاوره عبد اللطيف القرشي

الشاف مصطفى أبخان  طاهٍ مغربي، عمل في المغرب لمدة ثمان سنوات، وهو اليوم رئيس الطباخين في مطعم مغربي بمالطا، التقته جريدة “الناس” صدفة وأجرت معه الحوار التالي استحضر فيه تجربته بالمغرب وفي ديار الغربة

 

-الناس: أثناء تجوالي البارحة في هذه المدينة الصغيرة المسماة بوجيبة بجزيرة مالطا، وقعت بالصدفة على مفاجأة سارة تتعلق بوجود مطبخ مغربي في فندق راقي فيه تعرفت عليك. هل يمكنك أن تطلعنا على الظروف التي قادتك إلى مالطا؟

-الشاف مصطفى: بداية مرحبا بكم. كما لا يخفى عليك أن مالطا جزيرة معزولة وغير معروفة كثيرا عند المغاربة، لذلك أكون  سعيدا للغاية عندما ألتقي بمغربي وأتعرف عليه.

جوابا على سؤالك، كنت أشتغل في مراكش في وحدة سياحية مشهورة. وفي سنة 2014 جاء مستثمرون سياح من مالطا وأقاموا في الفندق الذي كنت أشتغل فيه. كان هدف زيارتهم غير المعلن هو التعرف على السياحة في المغرب، وفي نيتهم تنويع منتوجهم بفتح مطعم مغربي هنا في مالطا. ولما أعجبهم الطبخ تلك الليلة طلبوا مقابلتي وعرضوا علي فكرتهم واقترحوا علي التعاقد معهم. طلبت مهلة للتفكير واستشرت بعض الأصدقاء ثم وافقت على العرض.

الطاهي المغربي مصطفى أبخان رفقة محاوره عبد اللطيف القرشي

كانت البدايات صعبة بحكم الغربة، حتى أنني كنت أفكر في العودة بعد بضعة أسابيع. وها قد مرت الآن حوالي خمس سنوات. وصار الوضع أصعب من البداية، فبعد الاستئناس بالغربة أصبحت أمام تحد جديد وهو أن أجتهد وأبدع باستمرار لتطوير عملي وتقديم الجديد.

-الناس: من المؤكد أنك لم تأت لفن الطبخ بالصدفة حتى تشتغل في وحدات فندقية من هذا العيار، فما هو التكوين الذي تتوفر عليه؟ 

-الشاف مصطفى: فعلا قمت بتكوين  في معهد السياحة بأرفود لمدة سنتين  تخصص مطبخ، أجريت خلالها عدة تداريب داخل وحدات فندقية معروفة. ثم بعد ذلك ذهبت للعمل بمراكش باعتبارها أول وجهة سياحية مغربيا وربما إفريقيا وعربيا، خاصة وأن فيها طهاة مغاربة وأجانب من العيار الثقيل، يمكن للمبتدئ مثلي الاستفادة منهم ومن تجاربهم.

-الناس: اشتغلت في السياحة في المغرب وأنت الآن تشتغل في مالطا، لذا فأنت مؤهل أكثر من غيرك للمقارنة بين وضعية المشتغلين في هذا القطاع في البلدين.

-الشاف مصطفى: أنا أشتغل بالسياحة منذ 13 سنة، ثمان سنوات منها قضيتها في المغرب. ومن خلال هذه التجربة الطويلة نسبيا يبدو لي أن وضعية المشتغلين في السياحة في المغرب لا يمكنها أن تساهم في تطوير هذا النشاط، وذلك لعدة عوامل على رأسها العلاقة المتوترة بين العاملين وأرباب العمل، إذ ينذر أن تجد مشتغلا في هذا القطاع يرفض عرضا للهجرة والعمل في الخارج ويفضل العمل في البلد. فرق كبير بين أجر الطاهي مثلا الذي يشتغل بـ2500 درهم وأجر الطاهي في بلد مثل مالطا الذي يفوق هذا المبلغ بعدة مرات ولا يقل عن 2000 يورو، بالإضافة إلى المنح والتحفيزات. فضلا عن الضغط الكبير الممارس هناك على الطباخ.  وبطبيعة الحال ينعكس هذا على عطاء العامل.

بالمقابل هنا مثلا في كل شهر يتم تعيين أحسن عامل في الفندق ويحصل على تشجيع مادي مهم وكذلك يتم اختيار أحسن عامل في السنة ويحصل على تحفيزات جد مهمة. هذا على مستوى الفندق، كما أن الإدارة المسؤولة عن السياحة في المنطقة ككل تختار كل سنة أحسن وحدة سياحية وتمنحها هي ومستخدميها تحفيزات مهمة.

ورغم أن الضغط هو من سمات مهنتنا، فإنه خلافا لما كان عليه الأمر عندما كنت أشتغل في المغرب، التجهيزات هنا موجودة وكل ما أحتاجه في العمل يوفرونه لي مما يسهل عملي. فالمسؤول هنا يبحث عن تجويد المنتوج لجلب زبناء آخرين حتى يحقق الربح، بدل الرفع من هامش الربح على حساب جودة المنتوج.

-الناس:  ما دمنا بصدد الحديث عن ظروف العمل هل يمكنك أن تحدثنا عن الإطار القانوني والمهني بالنسبة لك وللمهاجر المغربي عموما.

-الشاف مصطفى: كما أشرت سابقا أنا وصلت هنا بعقد عمل، الصعوبة الإدارية التي وجدت كانت تتعلق بعدم وجود سفارة لمالطا في المغرب، لذا كان علي أن أنتقل مع المسؤولين المالطيين إلى تونس للقيام بالإجراءات القنصلية المتعلقة بالهجرة. عدا ذلك لم أجد أدنى صعوبة إدارية. فالمشغل يتكفل بكل الإجراءات القانونية. وما أثار إعجابي هو أن الكل هنا يقوم بواجبه من أبسط عامل إلى أرفع مسؤول. فعندما تجد بأن كل الظروف مناسبة فأنت لا تتوقف عن الإبداع.

عندما وصلت وبدأت أتعرف على الأجواء العامة وجدت أنهم ينظمون مسابقة تشارك فيها كل الوحدات السياحية، فعرضت على المسؤولين سنة 2016 أن أشارك فيها  فشجعوني على ذلك رغم  أنه لم تكن قد مضت على نشاطي هنا سوى سنة واحدة، والمسؤولون لا يعرفون عن قدراتي في مثل هذه الوضعيات سوى جديتي وإخلاصي في عملي. وفعلا شاركت وحصلت على المرتبة الثانية على مستوى مالطا

الناس: هذا شيء مشرف، هنيئا لك. وهل حصلت على جوائز أخرى؟

الشاف مصطفى: المسابقة التي أشرت إليها سابقا تنعقد مرة كل سنتين وفعلا شاركت سنة 2018، وكان قد تملكني نوع من الثقة الزائدة وتراخيت نوعا ما، فحللت ثالثا وكان هذا درسا مفيدا لي. ففي مهنتنا لا شيء يستمر بدون المواظبة على الاجتهاد.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.