غضبة الأمير حمزة وما بعدها

0

علي أنوزلا

كانت زوبعةً في فنجان، وسرعان ما عاد الأمير الشارد، حمزة بن الحسين إلى “بيت طاعة” الحكم، ووقّع رسالة مبايعة جديدة لشقيقه الملك عبد الله الثاني. هكذا طويت صفحة غريبة من تاريخ الأردن الحديث، لم يسبق أن شهدتها هذه المملكة الهادئة هدوء بحرها الميت. ولكن يبدو أن ما تم طيه إلى حين هو الجانب العائلي من القصة، عندما تحرّك أفراد العائلة الهاشمية للملمة الصف، وإعادة الأمير الشاب الطموح إلى جادّة صوابه. ولكن الصدمة التي أحدثها الأمير لن تنتهي هنا، لأن ما حدث سيترك بصماته قويةً في نفوس الأردنيين الذين فاجأهم ما حدث، وستكون له تداعياته في المستقبل المنظور على حياة البلد السياسية وواقعه الاجتماعي.

على مستوى بيت الحكم، كشف هذا الحادث عن وجود تصدّعات عميقة بين أفراد الأسرة الملكية، تغذّيها طموحات شخصية لا يخلو من مثلها أي بيت حكم في العالم، وقد أثثت كتبٌ صراعات البلاط عبر التاريخ. وستتكفل بهذا الجانب غريزة الأسرة الملكية التي ستعرف كيف تعالجه حسب تقاليدها المرعية، حفاظا على بقائها واستمرارها. أما الجانب العام، أو الجزء العائم من جبل الجليد الذي كشف هذا الحادث الغطاء عن رأسه الطافية فيتعلق بهشاشة الهياكل الاجتماعية الكامنة تحت واجهة الأردن الهادئة. وحتى عندما سيصمت الأمير الغاضب، أو يُفرض عليه ذلك، سيبقى لكلماته، المسرّبة في لحظة غضب عابرة، صدى قوي يتردّد داخل بلاده، وفي كل البلدان التي تشبه بنيتها السياسية والاجتماعية تلك الموجودة في الأردن.

وبقدر ما كان رد فعل القصر على غضبة الأمير سريعا وقويا ومكثفا، للإبقاء على الخلافات الداخلية وراء أبواب الغرف المغلقة داخل بيت الحكم، بقدر ما كانت كلمات الأمير الغاضب قوية وموجزة، اختزلت الوضع الأردني في صورة ذات كثافة غير متوقعة وغير عادية، لأنها صادرة من داخل القصر، وعن أمير كان يُعتبر، حتى وقت قريب، الرقم الثاني داخل هرم السلطة في الأردن، وليس عن سياسيٍّ معارضٍ يحترف خطاب المعارضة، ويعرف كيف يختار مفرداته من قاموسها. وأبعد من ذلك، الأمر لا يتعلق بصرخة مواطن يائس اكتوى بقهر الأزمات التي تتخبّط فيها بلاده.

الأردن بلد فقير بدون موارد طبيعية كبيرة، يعاني من أزمات اقتصادية مزمنة

وبالنسبة للأردنيين، لقد ألفوا سماع مثل هذه النبرة المنتقدة في خطاب الأمير حمزة الذي اعتاد أن يقدّم نفسه لمواطني بلده صوتا ناشطا في استنكار الفساد الذي ينخر بلدهم محدود الموارد ويهدّد كيانه من الداخل. ولكن بالنسبة للمتابعين من الخارج، حيث نادرا ما يتصدّر الأردن عناوين الأخبار في العالم، فإن كلمات الأمير الغاضبة كشفت لهم عن واقع لم يكن يخفى عليهم، لكن القليل منهم فقط كانوا يدركون الخطورة التي وصل إليها الوضع، ففي لحظة غضب عابرة، قال الأمير حمزة، في أحد تسجيلاته الصوتية المسرّبة، منتقداً الوضع في بلاده: “لسوء الحظ، أصبح هذا البلد في وضع حرج في الفساد والمحسوبية وسوء الحكم. والنتيجة كانت الدمار.. وفقدان الأمل في مستقبلنا، وفقدان الكرامة والحياة تحت التهديد المستمر، لأننا نريد ببساطة أن نقول الحقيقة أو نحاول التعبير عن مخاوفنا أو آمالنا في المستقبل”. وأضاف: “حتى انتقاد جانب صغير من السياسة يؤدي إلى الاعتقال والإساءة من قبل الأجهزة الأمنية، وقد وصل الأمر إلى النقطة التي لا يستطيع فيها أحد التحدّث أو التعبير عن رأي في أي شيء من دون التعرّض للتنمر أو الاعتقال أو المضايقة والتهديد”.

هذه النبرة النقدية القوية في كلمات الأمير، بغض النظر عن مدى استغلاله لها لتبرير غضبه، أو ربما لتحقيق الطموحات الشخصية التي راودته، تكشف عن وجود خطابٍ قويٍّ ومتماسك له صوابيته ومصداقيته، حتى وإن تناغم مع خطاب معارضات موجودة في الداخل أو مفترضة في الخارج. وجديد هذا الخطاب هو أنه صادر من داخل بيت الحكم، وهو ما يعزّز مصداقيته، ويزيد من قوة تأثيره في أوساط رأي عام مستعد لتقبله، لأنه يعيش انعكاساته على أرض الوقع في حياته اليومية.

صوت الأمير حمزة، مهما كانت دوافعه، يجب أن يجد له صدى في ما سيتخذ من قرارات في المستقبل

صحيح أن الأردن بلد فقير بدون موارد طبيعية كبيرة، يعاني من أزمات اقتصادية مزمنة، ويستضيف فوق أرضه مليون لاجئ فلسطيني منذ عدة عقود، وأكثر من 600 ألف لاجئ سوري منذ عقد، وأدى ثمن كل الحروب التي شهدتها المنطقة غاليا، وهو اليوم من أكثر البلدان تضرّراً من تداعيات الحرب السورية، وقبلها تضرّر من كل الحروب التي شهدها العراق، وما زال يحمل آثار الجرح الفلسطيني الدامي غائرا في جسدٍ أنهكته حروب العرب مع إسرائيل وحِراب الفلسطينيين فيما بينهم فوق أرضه تارة، وعلى حدوده حتى يومنا هذا، حيث يجثم الكيان الصهيوني الغاصب مثل تمساح عملاق، مستعد في كل لحظة لقضم كل ما يتحرّك أمامه ليتسنى له العيش وحده داخل بركته الآسنة. وجاءت أزمة كورونا وتداعيات جائحتها العالمية لتزيد الوضع تأزما في بلادٍ تعيش حالة احتقان شعبي مزمن، تعبر عنه احتجاجات شعبية تنفجر بين الفينة والأخرى، للمطالبة بحياة كريمة وواقع أفضل مما هو موجود. وحتى في ظل كل هذه الأزمات الخانقة، ظل الأردن يشكل استثناء داخل يباس الخريطة العربية، يسمح بوجود حياة سياسية في حدّها الأدنى، مع هامش من الحرية يمنع الاختناق الكامل، وحركية اجتماعية تجد لها متنفسا يخفّف من حالة الاحتقان كلما ارتفعت حرارة الضغط من الأسفل.

ولكن أن يصل خطاب المعارضة إلى داخل القصر، ويجد له صدىً بين أفراد في الأسرة الحاكمة، فهذا مؤشّر على ضرورة التعجيل بإصلاح جذري من الداخل قبل فوات الأوان. فصوت الأمير حمزة، مهما كانت مبرّراته ودوافعه، يجب أن يجد له صدى في ما سيتخذ من قرارات في المستقبل لإنقاذ السفينة قبل غرقها. وما الواقع الأردني سوى اختزال لما هو عليه الأمر في أكثر من دولة عربية، حيث يتدثر الفساد بغطاء الحفاظ على الأمن والاستقرار، عن طريق تكثيف القمع السياسي لإخفاء واقع متوتّر بشكل مزمن بسبب الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة وانعدام المحاسبة وخنق أصوات المعارضة. وما صوت الأمير الغاضب سوى ناقوس خطر انطلق، هذه المرة، من داخل قُمرة القيادة، عسى أن يجد له صدىً داخل قمرات سفن أخرى ما زالت تائهة منذ ربيع عربي مجهض.

عن موقع “العربي الجديد”

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.