في الحاجة إلى مصالحة وطنية

142

عبد اللطيف وهبي*

“كثيرون حول السلطة وقليلون حول الوطن” مهاتما غاندي

لابد للمرء أن يشعر وهو يراقب تفاصيل السياسة في بلادنا، بنوع من التوتر السياسي الذي بدأ يسود بين الجميع مؤخرا، وأصبح يصاحبه نوع من التوتر الاقتصادي، ليس لأن الوضع الاقتصادي جد متأزم، فالأزمة والمغاربة مترادفان لا يفترقان، وكأن وجود كل واحد رهين بوجود الآخر.

ففي العقد الأخير، بدأت تظهر بورجوازية إدارية طفيلية، تعكس نوعا جديدا من الثراء السريع، نابع من ريع المواقع الإدارية والسياسية، وأصبح يشكل هذا الأمر، نوعا من الاستفزاز السياسي والاقتصادي على السواء، فأمسينا نعيش حالتين متناقضتين، وضعا سياسيا واقتصاديا متوتر بسبب الريع والفساد، مقابل شباب يعاني الحرمان والعطالة والفراغ، إلا أنه ماسكا بين يديه هاتفا نقالا يطل به على العالم، ويقرأ من خلاله أخبار الوطن، ثم يقارن وضعه مع غيره، باحثا عن أجوبة لأسئلة تتناسل أمامه، فلا يجد جوابا، بل يراكم استفزازات بتناسل حجم الفضائح.

فالشباب الذين يراقبون ذلك الثراء السريع الذي بات يعيشه البعض فجأة، يجدون أنفسهم لا يزالون يعيشون الفقر البطيء، فينتجون ردود فعل عنيفة أحيانا، تنطلق من كلمات، تم جمل، وبعدها مواقف يتقاسمونها في الفضاء الأزرق، والتي قد تنتهي بقرارات، على المجتمع أن يتعامل معها، وعلى الدولة أن تحسب لها، بعدما أصبح الاحتجاج في نظرهم، هو الحل الأمثل للرد على الاستفزاز.

لقد أصبح الثراء غير الشرعي يولد ويتناسل في بلدنا بشكل مثير للاستفزاز، يتغدى على الريع والفساد بسرعة فائقة، وفي مقابل هذا الوضع الموبوء، نجد حكومة تائهة في صراعاتها، وبرلمان غارق في عجزه، لا يعكس بتاتا اهتمام وانشغالات هؤلاء الشباب، في مشهد سريالي، زاده سوداوية سعي بعض القيادات الجديدة إلى فرض هيبتها السياسية السطحية والمفبركة على المجتمع، لأنها تملك مالا كثيرا، أو حظوة، ولكن لسوء الحظ تملك جهلا وعجرفة سياسيتين.

و المواطن، يراقب كل شيء من شاشة هاتفه النقال، يلاحظ برلمانا فاشلا في بلورة حوار يتناسب واهتمامات الشباب والمجتمع، عاجزا عن احتضان خلافات وهموم الأمة، ليجد السياسي نفسه في مواجهة شارع فقد الثقة في المؤسسات التمثيلية، باحثا عن حلول أخرى، وهذا ما يخيف.

إن أخطر ما يهدد الديمقراطية، هو أن يقوم الشارع مقام البرلمان في وظيفة احتضان مشاكل الأمة، خاصة وأن للبرلمان قواعده وحدوده، وللشارع حريته وإطلاقيته، لذلك فاللحظة دقيقة جدا، تقتضي منا جميعا، سياسيين واقتصاديين، ضرورة التفكير العميق وبجد، في هذين الانحرافين السياسي والاقتصادي.

ففي الاقتصاد، يجب التفكير في إعادة توزيع الثروة، والقطع مع الفساد والريع، ودفع الرأسمال الوطني إلى الاستثمار بضمانات قانونية وضريبية، وخلق جو من التنافس الشريف، والحد من الهوس الضريبي، ومنح الأفضلية للطاقات الوطنية، ولمؤسساتها الاقتصادية، والتفكير في وضع قوانين لحماية وضمان سوق أفضل للرأسمال الوطني، وإعادة الثقة في اقتصادنا من خلال إعادة توجيهه نحو الإنتاج بعدالة ضريبية ومرونة إدارية، فأكبر خطر يهدد الاقتصاد الوطني هو الظلم الضريبي والعبث الإداري.

وفي السياسة، فالوضعية تقتضي مصالحة وطنية جديدة، عبر الإعلان عن قرارات سياسية جريئة، تسعى إلى ترميم مؤسستي الحكومة والبرلمان، وإيجاد حل يدفع إلى نوع من الانفراج في الملفات الحقوقية والاجتماعية الحارقة، ولنا في تاريخ المغرب دروس في خلق مصالحات في عز الأزمات، فالمصالحة في نهاية المطاف ليست تعبيرا عن قوة وقدرة في إدارة الأزمات فقط، بل هي كذلك تعبير عن شعور وطني راق جدا.

*محامي وبرلماني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.