قبل ولادة ابن سلمان..قصة تعرُّفي على العُودة في “حد أولاد جلول”

90

أحمد الجـلالي

إسم الداعية سلمان العودة، ابن بلاد الحرمين، والمسعود بحكم التاريخ، المثقف المهدد بقطع رأسه في كل لحظة وحين، بسبب مزاج حكام الرياض/خدام الحرمين الجدد، هذا الرجل تربطني به علاقة قديمة تمتد إلى ما قبل ولادة محمد ابن سلمان، والذي هو الجلاد المهدد للداعية بالإعدام.

في تلك الثمانينات التي تبدو بعيدة اليوم ـــ وما أوضحها صورا في ذاكرتي ــ لم يكن من مهرب من ضجر المدرسة ومعلميها/جلادينا الملاعين سوى أيام آحاد وصيد بالصنارة في الواديين الرائعين سبو وبهت، ثم زيارة لسوق أحد أولاد جلول وساعات من التسكع بين “أروقته” البدائية: كان أحلاها عندي وأعزها ثلاث زوايا، حيث يبيع المرحوم بوشعيب الإسفنج الساحر، وحيث تباع لوازم الصيد بالصنارة وصناعة “الجباد” ثم بسطة الكتب، على اليسار عند مدخل السوق.

وأحد أولاد جلول لمن لا يعرف المنطقة، سوق أسبوعي قروي يوجد بجماعة بنمنصور التابعة لإقليم القنيطرة، غير بعيد عن سيدي علال التازي، وهو من الأسواق التاريخية بجهة الغرب، ويقام على مساحة شاسعة وظل يحتفظ بقوته الاقتصادية لعقود عديدة.

ففي مدخل السوق ذات التقيت العوده. التقيته عقلا وفكرا عندما عن لي أن أشتري كتيبا لأول مرة في حياتي. كان الكتاب لعبد القادر عودة، وعنوانه “الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه”، كتيب من القطع الصغير قرأته مرارا واحتفظت به في ذاكرتي وفي مكتبتي التي لم يكن بها غيره أصلا.

وقد صار مضمون الكتاب المخزن في ذاكرتي القوية ذخيرة قاتلت بها ــ ضمن أسلحة من كتب أخرى ــ قاتلت بها إلى حدود بدايات المرحلة الثانوية. ولن أنسى يوم قارعت أستاذتي في مادة الفلسفة برأي في قضية واستشهدت بالعودة، فأعجبت وطلبت مني أن أكتب اسم الكتاب على السبورة لزملائي، ففعلت بكل زهو المراهق الواثق في نفسه، سارقا النظر من طرف العين إلى حيث كانت تجلس جنبا إلى جنب بنات جيلي، من سأظل أحسبهن أجمل وأرقى وأشرف وأبهى من عرفت..لأنهن بنات جيلي وقسمي وثانويتي…عليهن السلام أينما وجدن.

وسأكتشف لاحقا أن هناك مفكرا آخر يحمل نفس اسم عبد القادر العودة، وهو سلمان العودة، فأثار فضولي تشابه الإسم والاهتمام بينهما، فقرأت ما قرأت للرجل وسمعت ما سمعت من محاضراته، فصار اسم العودة وعناوين كتبه ذوي رنين في ذهني ومخيلتي: عناوين مثل: “أنا وأخواتها” ” لو كنت طيرا” “كيف نختلف” ” مع الله” “طفولة قلب”..إلخ.

بفضل العودة المهدد بقطع الرأس..وما أبشع الفعلة..صرت محبا لشراء الكتب بدل الملابس..وانتقلت من الطفل اللاهي إلى المراهق الراغب في المعرفة.

بفضل العودة عبد القادر الذي مات شهيدا، قبل سلمان العوده المهدد بسيف آل سعود الأملح..وما أبشع الجريمة..عرفت معنى فداحة أن تكون مسلما جاهلا، معطوب العقل والوجدان، فاجتهدت ألا أكون ذلك الشخص.

بفضل العودة..شلت يد الظلم أينما كان..عرفت مدلول أن تكون عالما مسلما عاجزا، وكيف أن الداء ينتشر من هناك.

عرفت مبكرا، بفضل هذا العالم الداعية المعتدل، أن قضية الأمة شائكة وأن بداية المعركة تبدأ من العقل..وبدا صراعي مع الأفكار وجحيم الأسئلة اللذيذ.

مرت عقود وخضت ما خضت من التجارب مرها وعسلها، وظلت القراءة في صلب نشاطي بلا انقطاع بثلاث لغات..و”خاصمت” كل ما هو سعودي خصام الناقد الناقم على الوضع والمسؤولين عنه كزعماء لا كأشخاص.

نقمت عليهم لأن في بلدان العرب والمسلمين ملايين الفقراء والجوعى وهم يمدونهم بالمصاحف، و يبعثرون ملايير الدولارات على العبث والحمق واللهو شرقا وغربا..

ولسخرية الأقدار فقد دفعتني ظروفي إلى الدراسة بمعهد يحمل اسم الملك فهد ، ثم العمل لاحقا بجريدة هي في ملك الملك سلمان.

التجربتان معا انتهتا بقلبي الطاولة على أصحابها في قصص وملابسات  قد لا تصدقونها إلا إذا بسطت لكم الأدلة الملموسة.وتيقت بعدها أن كل ما هو “سعودي” لن يتوافق معي..مهما حصل.

أزعم لنفسي أني ملم أو مطلع على الأقل على أمور وقضايا سعودية كثيرة ، بحكم الاهتمام والاحتكاك، ومن ذلك اطلاعي على عقلية النخبة السعودية الرسمية ومن يدورون في فلكها وكيف يفكرون وكيف يشغلون ويشتغلون…أكن لغالبيتهم الازدراء..لكني لم أضمر للعودة فك الله أسره إلا المحبة و الاحترام..للأسباب التي ذكرت ،ولاعتداله وللصدق الذي تلمسه في حديثه.

ولأن العودة صدق حينما أصدر مؤلفا عن جهل أبناء الإسلام وعجز علماء الإسلام، فها هي الأيام تثبت أن جهل أبناء الأمة صار مركبا وعجز “هيأة كبار العلماء” صار مكعبا، هم العاجزون عن قول كلمة صغيرة حتى..ولكنهم مستعدون لتبرير أحكام الطغاة..مهما كانت وحشية دموية.

لك الله يا سلمان العودة أنت ومن معك..سامحنا، فإن الإسلام كما قال سلفك عبد القادر العوده بكل يقين..وقع في الفخ بين “جهل أبنائه وعجز علمائه”.

ولربما كنتم في زنزانتكم المظلمة، أنت ورفيقاك العالمان المهددان بالإعدام أيضا، أكثر حرية ونورا من أمة على عيون أبنائها لزوجة من ظلم و وطلاء أسود من جهل وقهر وانحطاط واستبداد.

عن موقع “الشوارع” وبإذن من الكاتب

www.achawari.com

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.