قيس سعيد يهزم التجربة التونسية لفائدة التجربة المغربية!

0 394

نورالدين اليزيد

في أكتوبر 2019 عندما انتُخب قيس سعيد رئيسا لتونس بتلك الطريقة النادرة جدا في المنطقة، رحبنا ككل أحرار العالم والمنطقة، بالرجل والأستاذ الجامعي الذي تقدم للانتخابات بصفة فردية بعدما أعطاه المعلقون والكتاب التونسيون وصف السياسي “المحافظ الاجتماعي”، وبعد تفضيله النأي بنفسه عن منظومة حزبية تونسية فيها الكثير من الفساد على غرار باقي التنظيمات الحزبية في الدول العربية جميعها..

نورالدين اليزيد

كاتب التدوينة شخصيا، وبروح متحمسة سارع إلى التنويه بالتجربة التونسية، بل إن الحماسة الزائدة بالعُرس الديمقراطي عند الإخوة التوانسة، جعلني أحتفي بطريقتي الخاصة عندما قلت حرفيا: “بالأمس كان النموذج المغربي واليوم النموذج التونسي”، في ما يشبه النكاية ببعض العابثين بالتجربة المغربية، ما بعد دستور 2011، الذين بدأوا عبثهم بها منذ البلوكاج الشهير غداة انتخابات 2016 التشريعية..

الرئيس قيس سعيد وبعد أسابيع، وفي أحسن الحالات، بعد بضعة أشهر من تعرّفه على دواليب وأسرار قصر قرطاج والقابعين خلف جدرانه الذين لا يبارحون، الموصوفون بـ”الدولة العميقة”، بدأ وبدأوا معه يكشفون عن نواياهم الحقيقية؛ وسرعان ما لبثوا أن استغلوا الفوضى التي كانت تعم في البرلمان بين حزب ينتمي إلى الحرس القديم، وله امتدادات إقليمية، وبين التيار الإسلامي الممثل في حزب “النهضة”، وكذا استغلوا احتجاجات المواطنين على تجاوزات السلطة/الشرطة تحديدا، وعلى تطاحنات السياسيين التي باتت مقرفة ومنفرة ولا تطاق، وكذا احتجاج فئة واسعة من التوانسة على الأوضاع الاجتماعية التي زادت سوءا في ظل وباء كورونا.. وغيرها من العوامل المساعدة والمشجعة، التي جعلت الرئيس سعيد يقدم في ما يشبه الانقلاب، على تجميد البرلمان في أفق حله، ثم أتبعه بإقالة الحكومة، ثم في خطوة لاحقة لا تقل رعونة وخطورة أقدم على حل المجلس الأعلى للقضاء، ليصبح قيس هذا يقبض على السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ هل هناك أي وصف غير “الديكتاتور” يمكن وصفه به في هذه الحالة؟ !

لَمّا قلنا يوما إن التجربة المغربية أو النموذج/الاستثناء المغربي “انهزم” أما التجربة التونسية، عندما انتصرت الديمقراطية هناك في “تونس الخضراء”، واعترضت التجربة المغربية حوادثُ طريق جعلتها تتأثر بأعطاب، ستتكرس لاحقا بما سمي بالقاسم الانتخابي الجديد الذي جيء به عشية انتخابات 2021، فإننا كنا نقايس ونقارن بين تجربتين ديمقراطيتين، لهما ما لهما وعليهما ما عليهما، لكنهما كانتا الأبرزين والأليقين لتكونا “نموذجين”؛ واليوم والتجربة التونسية تعترضها ما تعترضها من خطوب ومخاطر غير مسبوقة من طرف أستاذ مادة القانون الدستوري، في كليات الحقوق، يا حسرة، فإننا نعود ونقر بأن التجربة المغربية، ورغم علاتها التي ما فتئنا ننتقدها، تبقى الرائدة و”النموذج” و”الاستثناء” وسط صحراء عربية قاحلة، إما فيها عشيرة تُسير البلاد بلا مؤسسات تمثيلية، أو جنرالات يقبضون بقبضة حديدية، أو تسير من طرف رجل مثل قيس سعيد، رغم أنه أستاذ جامعي، إلا أن تصرفاته في الحُكم المرتبكة والغريبة جعلت حتى إحدى مستشاراته تدعو إلى ضرورة فحص قواه العقلية..

التوانسة الذين انقسموا إزاء الإجراءات الصفيقة والخطيرة التي كان يقدم عليها من يوصف بـ”الفقيه” الدستوري، ما لبث غالبيتهم حتى لا نقول كلهم، أن فطنوا إلى أن هذا الساكن الجديد لقصر قرطاج، لا يمثل آمالهم التي صدحت بها الحناجر في احتجاجات عصفت بواحدة من أكثر الديكتاتوريات العربية ترسخا، وجعلت الديكتاتور يفر بجلده وأهله في جنح الظلام كالجبناء، وليس قيسُ هذا الرئيسَ الذي عقدت عليه آمالها “ثورةُ الياسمين” التي تفجرت في 2010 ومنها انطلقت ثورات “ربيع عربي” أجهضه المتآمرون والمرتعبون والطابور الخامس، وإنما هو “ديكتاتور” آخر جديد، وصل في غفلة من الثوار ومن المواطنين والسياسيين والنقابيين والمهنيين والحقوقيين وغيرهم من ضمير المجتمع الحي ومن ذوي النيات الحسنة، إلى سدة الحكم، فبدأ الجميع يفطن بحجم الخيانة والغدر، وانسلخ عنه من انسلخ عنه، بل وخرج حتى أقرب المقربين منه ليفضحه على الملإ بأنه إنما هو رجل طامع في السلطة والتسلط وبأن يكون صورة من أصنام الحكام العرب الخالدين..

هذا المسعى الذي لطالما أظهره الرئيس قيس سعيد، سرعان ما سيتخذ مظهرا أكثر “تقدما” (ليس بمعنى التطور) في اتجاه التفرد بصلاحيات شاملة في الحُكُم، بل وبما يضمن له “شمولية” و”استبداد” لا غبار عليهما، بمبرر نقل تونس إلى مرحلة الجمهورية الرئاسية.. وهو المعطى الذي تجلى في صياغة دستور جديد، يلغي “دستور الثورة” (2014)، الذي يمثل جوهر مطالب الشارع التونسي؛ “دستور الجمهورية الجديدة” كما أطلقت عليه الدعاية الرسمية، الذي لم يتردد أحد الذين أشرفوا على صياغته، وهو أستاذ الرئيس قيس سعيد وأحد مقربيه، الصادق بلعيد، ومن منطلق الوازع الوطني والعلمي وكشهادة للتاريخ، صُدم بعدما رأى النسخة التي نشرها الرئيس، ولم يتردد في التبرؤ منها، بل والتصريح بالقول: “إنه لا يمت بصِلة للمسودة الأولى ويتضمن مخاطر جسيمة تمهد لنظام ديكتاتوري”..

ويبدو جليا طبعا أن كلام السيد بلعيد الذي ترأس ونسق بين أعضاء لجنة الدستور يعني شيئا واحدا، أن الرئيس يريد أن يدلس على الشعب وعلى التاريخ، بنسخة صاغها بنية مبيتة لأجل أهداف مبيتة، سيتكفل الزمن بفضحها يوما، آجلا أم عاجلا..

على سبيل الختم..

لَمّا قلنا يوما إن التجربة المغربية أو النموذج/الاستثناء المغربي “انهزم” أما التجربة التونسية، عندما انتصرت الديمقراطية هناك في “تونس الخضراء”، واعترضت التجربة المغربية حوادثُ طريق جعلتها تتأثر بأعطاب، ستتكرس لاحقا بما سمي بالقاسم الانتخابي الجديد الذي جيء به عشية انتخابات 2021، فإننا كنا نقايس ونقارن بين تجربتين ديمقراطيتين، لهما ما لهما وعليهما ما عليهما، لكنهما كانتا الأبرزين والأليقين لتكونا “نموذجين”؛ واليوم والتجربة التونسية تعترضها ما تعترضها من خطوب ومخاطر غير مسبوقة من طرف أستاذ مادة القانون الدستوري، في كليات الحقوق، يا حسرة، فإننا نعود ونقر بأن التجربة المغربية، ورغم علاتها التي ما فتئنا ننتقدها، تبقى الرائدة و”النموذج” و”الاستثناء” وسط صحراء عربية قاحلة، إما فيها عشيرة تُسير البلاد بلا مؤسسات تمثيلية، أو جنرالات يقبضون بقبضة حديدية، أو تسير من طرف رجل مثل قيس سعيد، رغم أنه أستاذ جامعي، إلا أن تصرفاته في الحُكم المرتبكة والغريبة جعلت حتى إحدى مستشاراته تدعو إلى ضرورة فحص قواه العقلية..

#خليونا_ساكتين

[email protected]

https://www.facebook.com/nourelyazid

ملحوظة: هذه المقالة نشرها كاتبها على شكل تدوينة بداية الأمر ونشرها على صفحته وحسابه في فيسبوك

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.