لاتسامح مع الاغتصاب

223

جليل طليمات

يزداد فعل الاغتصاب الجنسي للنساء والأطفال فشوا في ظل رد فعل مجتمعي باهت ومحدود، وضعف في الأداء القضائي لمواجهة هذه الظاهرة بالعقاب المطلوب للفاعلين وبإنصاف وحماية للضحايا، وعلاج صدماتهم التي غالبا ما تخلف عاهات نفسية مستديمة تنتج عنها، في الغالب انحرافات مدمرة خاصة عند القاصرين والقاصرات. ما دفعني إلى العودة إلى هذا الموضوع مرة أخرى، ثلاثة مواقف تستحق الاهتمام والتنويه هي:

1 -البيان الذي أصدره اتحاد العمل النسائي مطلع هذا الشهر تضامنا مع ما تتعرض إليه أعضاء تنسيقية “جسدي..حريتي” من تهديد علني وعنف لفظي.

وقد رصد هذا البيان معطيات وأرقاما مخيفة حول استشراء هذه الظاهرة الوحشية، التي طالت بعنفها أطفالا وقاصرات، بل ومسنات يتراوح سنهن بين 100 سنة ( امرأة بدوار البرادعة نواحي المحمدية )، و85 سنة ( بإقليم أزيلال) !! ويشير البيان إلى أن “الأرقام المهولة للعنف ضد النساء لم تعد تقدمها الجمعيات فقط بل عززتها وفاقتها الأرقام الرسمية؛ فحسب أول بحث للمندوبية السامية للتخطيط فإن 62 في المائة من النساء المغربيات عانين على الأقل من شكل من أشكال العنف، والعنف الجنسي على الخصوص”.

ومع الأسف فإن هذا البيان/الصرخة لم يجد في وسائل الإعلام والتواصل التداول والاهتمام المطلوبين !

2 -الخروج الإعلامي الشجاع لرئيس عصبة الشمال لكرة القدم الذي “كشف عن اغتصاب للأطفال في مدارس كرة القدم بالمغرب، وعن وجود فضائح جنسية أبطالها مدربون يستغلون العقول الضعيفة لممارسة وحشيتهم عليهم” ( أنظر جريدة المساء ليومه 10 فبراير)، وهدد بأنه لن يسكت “لأن الساكت عن الجريمة مجرم ومشارك فيها”، كما قال بجرأة وشجاعة، مضيفا  “كيف يعقل أن يسكت أب عن اغتصاب طفله مخافة الفضيحة”؟ فهل تتحرك الجهات المعنية بفتح تحقيقات في هذه النازلة المهولة؟

3 -في حفل تكريم للخبير القانوني ووزير العدل سابقا محمد العلمي المشيشي من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمعرض الدولي للكتاب، قال في سياق حديثه عن إصلاح القانون الجنائي وعقوبة الإعدام:  “إن أسوأ جريمتين هما الاغتصاب والمرتكب منها ضد الأطفال، حيث يغتال المعتدي الكرامة والبراءة، ويجب أن يعاقب بأقسى الأحكام”.

في ضوء هذه المواقف الثلاثة، يبدو أن مسألة العنف الجنسي ضد النساء والطفولة ينبغي أن تصبح شأنا عاما ينخرط فيه جميع الفاعلين في الدولة والمجتمع: فللباحث الاجتماعي والمختص النفسي دور، ولرجال ونساء القانون دور، وللمدرسة والأسرة دور، وللإطارات الجمعوية الحقوقية والنسائية والثقافية والرياضية دور، وللمسجد دور ..الخ! وإلا سينتج مجتمعنا غدا جيلا معاقا نفسيا وعقليا بفعل صدمات اغتصاب براءة الأطفال وكرامة المرأة.

في كتاب “le livre noir des violences sexuelle” ترصد الطبيبة والمحللة النفسية Muriel Salamona الآثار النفسية والجنسانية الخطيرة الناتجة عن التحرش أو الاغتصاب الجنسي للقاصرات، من بينها كما توصل إلى ذلك فريق من الباحثين الاجتماعيين والمتخصصين النفسانيين أن أزيد من 70 في المائة من “بائعات الهوى” في فرنسا تعرضن لاغتصاب براءتهن وهن طفلات.

وبناء على ذلك، فإن المعركة ضد الاغتصاب والتحرش والعنف ضد النساء هي معركة مجتمعية ذات واجهتين حاسمتين في ربح رهاناتها:

-الواجهة التربوية التوعوية في الأسرة وفي المدرسة، والتحسيسية أيضا للكبار الذين يتعاملون مع الظاهرة إما باستصغار وتعالٍ، وإما بالخوف من الفضيحة أو العار.

إن الصمت هو تكريس للظاهرة وتشجيع للفاعلين المجرمين على التمادي في إيذاء النساء والطفلات وحتى الرضع بغريزتهم المتوحشة.

-الواجهة القانونية، وذلك بتشديد الأحكام على مرتكبي فعل الاغتصاب والعنف ضد النساء والطفولة، وتسهيل مساطر التقاضي بالنسبة للضحايا، الذين غالبا ما يصبحون بفعل الأداء القضائي المتساهل ضحايا مرتين، فتزداد صدمة على صدمة ما دمر مستقبل العديد منهن.

إنها مسؤولية الدولة أولا وأخيرا، فلا تسامح مطلقا مع المغتصبين والبيدوفيليين، إذ لا تستقيم دولة الحق والقانون دون حماية حازمة لكرامة النساء ولبراءة الطفولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.