لماذا يظلم الخطباء والوعاظ في بلاد أمير المؤمنين؟

55

محمد بولوز

لا يخفى في ديننا ما للعلماء من مكانة عالية وقدر عظيم عند الله تعالى، وما لهم من دور رائد في مجتمعاتهم، فالعلماء مصابيح الهدى يستنار بعلمهم في دروب هذه الحياة، وهم إن صلحوا وقاموا بدورهم بركة على مجتمعهم فبهم ترسخ القيم وتتجذر المبادئ وتثبت الأصول، ولا يخفى فضل أهل العلم في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب الصحابة الكرام رضي الله عنهم أروع الأمثلة في توقير ذوي العلم فيهم، روى ابن عبد البر في كتاب “جامع بيان العلم وفضله” عن الشعبي قال: “صلى زيد بن ثابت على جنازة ثم قربت له بغلة ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء”.

وقد فعل ابن عباس ذلك لما يعلم من منزلتهم في كتاب الله وأنها عظيمة ويكفي في ذلك ما جاء في قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} سورة آل عمران (18)، فقرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام، وبين أنهم أهل خشيته الحقيقيون كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} سورة فاطر (28)، والمعنى: “إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته؛ العلماء،… لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته؛ فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه”.

وقال تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} (107) الإسراء. والعلماء هم الذين يتدبرون كتاب الله ويعلمون عن الله ما يضربه من الأمثال، ومن ثم يعرفون الله معرفة حقيقية، ويفقهون كلامه، ثم يخشونه حقاً، ويتقونه حقاً، ويعبدونه حقاً، فهم أخشى الناس لله، وأعبد الناس له.

وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} العنكبوت: 43. قال ابن كثير: (أي وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم، المتضلعون منه).

والعلماء لا يستوون هم وبقية الناس، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} سورة الزمر (9). فـهل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك، فهم يخبطون في عشواء، فلا يرجون بحسن أعمالهم خيراً، ولا يخافون بسيئها شراً؟

والعلماء هم الذين يستحقون أن يرفعهم الله -عز وجل – درجات، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} سورة المجادلة (11)، والمعنى “يرفع الله المؤمنين منكم أيها القوم بطاعتهم ربهم، فيما أمرهم به… ويرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين، الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات، إذا عملوا بما أمروا به”.

والعلماء هم من انطبقت عليهم الخيرية التي حددها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-في قوله من حديث مُعَاوِيَةَ -رضي الله عنه-قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يَقُولُ: ((مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)).

والعلماء هم صمام أمان للأمة، فإذا غاب العلماء عن الأمة ضلت في دينها، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ – رضي الله عنهما – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

والعلماء هم ورثة الأنبياء فيما جاؤوا به، فهم قد ورثوا منهم العلم لما ورد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً، ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر”، رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم.

فالعلم من أفضل ما يورث ويورث، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”، رواه مسلم.

والعالم يأخذ مكانة الرسول-صلى الله عليه وسلم-ولا يفرق بين النبي وبين العالم إلا درجة النبوة، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ))، فيا لها من مكانة، ويا له من فضل، ويا له من تشبيه لهذا الذي يحمل العلم.

والعلماء هم أرقى الناس منزلة في الدنيا قبل الآخرة، وأحق الناس أن تتطلع لما عندهم الأعناق، فالعلماء الربانيون هم العدول الحقيقيون. فعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)).

وعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”، رواه البخاري.

وهم غيث الأمة بما معهم من العلم النافع، فعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم “مثل ما بعثني الله به من الهدى، والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلآً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلت به”، متفق عليه.

ولكل هذه الاعتبارات وغيرها عظمت مكانتهم في العالمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت يصلون على معلمي الناس الخير”.

وللعاملين منهم الداعين إلى صراط الله المستقيم الأجر والثواب العظيم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا”.

ويستحقون التقديم والتكريم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به، فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه”.

وكثير من العلماء هم وعاظ وخطباء، وحتى من لم يحز من الخطباء والوعاظ مرتبة العلماء ودرجتهم فهو مبلغ عنهم وناقل عنهم ويسير في ركابهم، واهانتهم والتنقيص منهم وظلمهم هو ظلم للعلماء، وحتى لو لم يتم اكرامهم على الأقل أسوة بمن هم في درجتهم في الوظيفة العمومية، فلا أقل من احترامهم وتوقيرهم المعنوي ومعرفة الفضل لهم بما يبثونه من العلم الشرعي في الناس وما يساهمون به في محو الأمية الدينية للمواطنين، والثقة فيهم وتجنب إهانتهم. وإن كان من أخطاء، وهي واردة عليهم، يتأدب في توجيههم وتنبيههم، وأن يوكل ذلك للجنة من العلماء تسمع منهم وتناقشهم بالعلم والدليل والحجة والبرهان، لا أن يسلط عليهم من لا فقه عنده ولا علم وليس في العير ولا في النفير مما يتعلق بمجالهم.

وإن مما يثير الاستغراب أن يتم توقيفهم لأسباب تافهة أو مجرد شكايات كيدية من أهل مرجعيات أخرى وفهم منحرف للدين، فمعظم من يمتح مما يسمى “بالحقوق الكونية” له أرضية أخرى غير أرضية ديننا، فهو لا يرى بأسا بالعلاقات غير الشرعية بين الجنسين إذا كانت رضائية، ولا يرى بأسا بالشذوذ الجنسي ويرى القصاص والحدود وحشية، ويرى الجهاد تخلفا ولم يعد له مكان في العلاقات الدولية ولو اغتصبت أرض المسلمين وضاعت المقدسات، ويرى ستر المرأة تزمتا ورقصها بين الأجانب ترفيها وتحضرا، ويرى الربا محركا جوهريا للاقتصاد، ومنهم من لا يرى إلا أرحاما تدفع وأرضا تبلع وما يهلك إلا الدهر وليس غير الطبيعة تتفاعل ولا يفهم معنى أن يرسل الله من عنده عقابا للناس بالجفاف وغيره ابتلاء واختبارا وموعظة عسى يؤوب العباد ويرجعوا إليه سبحانه… فكيف يحكم مثل هؤلاء ويسمع لهم في أمر الخطباء والوعاظ والعلماء وهم ينطلقون من كتاب ربهم وسنة نبيهم والمذهب المعتمد في بلدهم…

فلو بحثنا مختلف حالات الخطباء الذين تم توقيفهم، لوجدنا لهم مستندا في كتاب الله وسنة رسول الله وأقوال علماء المذهب المالكي المعتمد في بلادنا.

فإذا أخذنا الحالة الأخيرة فقط لخطيب مسجد الشهداء بالرباط الذي تحدث في خطبته عن عدم جواز احتفال المسلمين بعيد النصارى ممن يزعمون احتفالهم بميلاد المسيح عليه السلام، فالإضافة إلى ما جاء في كتاب الله من التحذير من اتباع اليهود والنصارى في خصوصياتهم الدينية التي يكررها المسلم على الأقل سبعة عشر مرة: “اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين”، وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع سنن من كان قبلنا، وخصوصا اليهود والنصارى، ومن العلماء من فسر شهود الزور بشهود أعياد الكفار، ونبه العلماء إلى بطلان مشاركة النصارى في أعياد الميلاد، نكتفي في ذلك بما ما جاء في “المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب” لأبي العباس الونشريسي المتوفي سنة (914ﻫ):

“وسئل أبو الأصبغ عيسى بن محمد التميلي عن ليلة يناير التي يسمونها… الميلاد، ويجتهدون لها في الاستعداد، ويجعلونها كأحد الأعياد، ويتهادون بينهم صنوف الأطعمة، وأنواع التحف والطرف المثوبة لوجه الصلة، ويترك الرجال والنساء أعمالهم صبيحتها تعظيما لليوم، ويعدونه رأس السنة. أترى ذلك أكرمك الله بدعة محرمة، لا يحل لمسلم أن يفعل ذلك، ولا أن يجيب أحدا من أقاربه وأصهاره إلى شيء من ذلك الطعام الذي أعده لها، أم هو مكروه ليس بالحرام الصراح؟

فأجاب: “قرأت كتابك هذا، ووقفت على ما عنه سألت. وكل ما ذكرته في كتابك، فمحرم عند أهل العلم. وقد رويت الأحاديث التي ذكرتها من التشديد في ذلك. ورويت أيضا أن يحيى بن يحيى الليثي (234ﻫ) قال: لا تجوز الهدايا في الميلاد من نصراني، ولا من مسلم، ولا إجابة الدعوة فيه، ولا استعداد له، وينبغي أن يجعل كسائر الأيام. ورفع فيه حديثا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوما لأصحابه: «إنكم مستنزلون بين ظهراني عجم فمن تشبه بهم في نيروزهم ومهرجانهم، حشر معهم».

ولو ذهبت تحقق في خطب علماء وخطباء ووعاظ المملكة في تلك المناسبة لوجدت معظمهم يمتحون من المرجعية نفسها وينتهون إلى نتيجة مشابهة، وفي هؤلاء العلماء منهم في المجلس العلمي الأعلى وكلامهم موجود على النت، ولو أريد توقيف من فعل ذلك لتعطلت خطب مساجد المملكة أو تكاد.

فماذا يفعل الخطيب أمام تساؤل الناس واستفساراتهم عن الاحتفال برأس السنة الميلادية، وبين يديه كلام الله وكلام رسول الله وأقوال العلماء المالكية ممن أمر في دليل الإمام والخطيب باتباع مذهبهم، هل يقفز على الموضوع أو تراه يحرف ويتعسف في التأويل إرضاء لبعض الجهات هنا وهناك وحفاظا على “جو الإخاء والإنسانية” وكأنه في قاعة دولية تختلط فيها الملل والنحل والأديان ومن لا دين لهم، إنه إمام مسلمين يسلمون لله فيما يأمر وينهى وما عليه إلا البيان والناس بعد ذلك أحرار.

فإلى متى هذا الظلم الواقع على العلماء والخطباء والوعاظ في بلد أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، وهل يبقى من دين إذا أهين علماؤه وخطباؤه ووعاظه؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.