ماهية الفكر في حياتنا اليومية!

334

سكينة هايمون*

الفكر هو عملية تشغيل العقل في أمر ما، بغرض الوصول إلى أمر جديد غير موجود، وهو أساس السلوك ومحور المشاعر والأحاسيس والنتائج، بوصفه السباق لكل شيء قولا وفعلا، بحيث إن كل فكرة من الأفكار تؤدي بنا إلى الفهم، ثم إلى القرار لتنتهي بالمواقف والسلوكات.

اليوم تتشكل أفكارنا من خلاصة ما قمنا باكتسابه ونهله، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من التربية والتعليم أو من القراءة والإعلام، وكذا عن طريق التطبع الذي يولد نتيجة الاحتكاك بالمحيط الاجتماعي، كما يرتبط فكرنا كذلك بمخلفات اكتسبناها من الخرافات والحكايات والروايات الاجتماعية، ومن رواسب ما نسميه في علم الاجتماع بالخلفيات الإيديولوجية والمعتقدات؛ ذلك أنه أيا كان ما تؤمن به بإخلاص وتباث من أفكار تروج في ذهنك، سواء كانت سلبية أو إيجابية، فسوف تصبح واقعا ماديا حقيقيا في مستقبلك.

وفي هذا السياق أستحضر مقولة أثارت انتباهي وهي للمؤلف (ريتشارد باش) في كتابه أوهام (illusions)، وهي قوله: “لو أخدت تدافع عن أوجه قصورك وتبررها، لا شك أنها ستتحول إلى حقائق مؤكدة”.

عندما نلقي بنظرة تحليلية حول ما نحن عليه اليوم، سنجد أن معظمنا برمج بطريقة لا إرادية على معتقدات سلبية، تجعل الواحد منا إمعة مستهلكا لكل ما هو جاهز دون أية مناقشة أو اعتراض. وهنا لا بد من التساؤل المتكرر: كيف خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم يتم تغليف فكره وحجبه عن الإبداع، هل الأمر خاضع لمنطق الإنسان أم لمنطق غيره؟ هل التفكير خيار إرادي أم لابد للإنسان من مفكر يأخذ عنه ما يفعله؟ لماذا نحن اليوم في دوامة لا تتقدم على غرار من نسبت إليهم الحضارة؟

هذا ما سنقوم بتحليله انطلاقا من المقولة الشهيرة للمفكر (روبرت كولير): “ما من شيء على وجه البسيطة إلا ويمكنك أن تملكه بفكرك… بمجرد أن تؤمن بحقيقة أنك تستطيع ذلك”.

إن كل إحساس أو سلوك ينطلق قبل بزوغه من فكرة معينة، قد تكون إيجابية أو سلبية، والتي يكون لها تأثير كبير في حالة المفكر النفسية والعضوية والمادية، وعلى الصور الذهنية التي ينشئها الفرد حول ذاته، وعلى التقدير الذاتي والثقة بالنفس..

بمعنى أن كل ما يفكر فيه الإنسان يعمل إما لصالحه أو ضده؛ وذلك هو ما يسميه علماء البرمجة اللغوية العصبية بالاستراتيجية الذهنية. هذه الأخيرة  التي هي بمثابة مجموعة من الأفكار المتتابعة، وتصورات داخلية وخارجية لتجارب معينة تؤدي بالإنسان إلى نتيجة معينة.

فالإنسان عندما يشعر بصداع نصفي مثلا يكون ذلك نتيجة تركيز عقله الباطني على تحليل فكرة ما لساعات طويلة متتالية، ويمكن القول إن الاستراتيجية الذهنية هي ذلك الموج من الأفكار المتتالية والمحددة التي يربطها الإنسان بزمان أو مكان معين.

فأنت عزيزي القارئ عندما تركز على الخوف من الفشل، فأنت هنا بطريقة لا إرادية تربطه بالخرافات والمعتقدات التي قيلت لك في صغرك أو في مراحل عمرك السابقة، بحيث تحاول التركيز عليها حتى يتحول الفشل إلى اعتقاد تؤمن به، وتجعله بذلك يسري وينمو في سلوكياتك وتصرفاتك ليتحول بعد ذلك مباشرة إلى واقعك.

وذلك ما يحدث لغالبية الناس التي  نجد معها حساسية في العلاقات الاجتماعية وضعفا في الذكاء الاجتماعي، فبعد تعرضهم لخيانة من أحد الأصدقاء أو استقبال عقولهم لمصطلحات الغدر والخيانة وعدم وجود الصدق، يسلمون بذلك ويصبح واقعا لهم، بحيث بمجرد ما يركزون عليها تأخذ منهم كل الطاقة وتحجب عنهم التفكير في ما سوى ذلك من أفكار.

وفي مثل هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه (لا تَمارضوا فتمرضوا)، أي: لا تسلموا أذهانكم لأفكار لا وجود لها، حتى تصبح حقيقة تعيشونها، ومعظم أفكارنا كما قلت سلفا تأتينا من برمجات سلبية تؤثر على خطوط حياتنا بشكل سلبي، وأبرز مثال أعطيه في هذا هو قولهم:  “أمة اقرأ لا تقرأ”، حيث أصبح الكل يردد هذا الشعار المزيف للواقع، حتى أصبح حالنا اليوم في أسفل المراتب في معدلات القراءة.

إن كل ما نستقبله من أفكار تؤثر علينا سلبا أو ايجابا دون إرادة منا، وهو يصير  معه الإنسان مستهلكا لا يبحث عن ماهية الشيء الذي يقدم له ولا حتى التفكير فيما بعد الموجود، وهو الإبداع الفكري وهو الشيء الذي نكاد نقول إنه منعدم في حياتنا..

أجل إن الإبداع هو إنشاء أفكار جديدة مغايرة للذي يقدم لنا؛ فالمفكر ليس الذي يأتينا بخلاصة ما قدم له مسبقا، وإنما الذي ينطلق من الجاهز ليأتينا بشيء جديد مغاير لما هو موجود مسبقا. والقدرة على ذلك متوفرة لدى أي شخص كيفما كان وأينما حل وارتحل.

فالعقل الإنساني يعمل على اتجاهين: الأول سلبي، والثاني إيجابي، بمعنى أنك أنت سيد أفكارك، فأي فكرة تدخلها لذهنك، يأخذها العقل ويمضي بها في الاتجاه المناسب لها، بحيث يبحث في مخزون الذاكرة عن كل الملفات التي تساعده وتدعمه في ذلك الاتجاه إلى أن تصبح الفكرة اعتقادا يقينيا لدى الفرد، وتتجلى له في واقعه من صور وأحداث، وبالموازاة مع ذلك يقوم بإلغاء كل الملفات التي لا تمت للفكرة بصلة، ليساعد بذلك الشخص المفكر على التركيز على الفكرة الأصلية فقط، نظرا لكون العقل البشري  لا يستطيع التفكير والتركيز إلا على فكرة واحدة في وقت معين؛ فلو فكرت مثلا في فكرة أنك وحيد في هذا العالم، وهي فكرة سلبية، سينفي عقلك كل الأفكار التي لا تشبه تلك الفكرة ويركز على ما يدعمها مما هو موجود في مخازن الذاكرة مثل: (الكآبة، اليأس، الحزن، الفشل..)، ولا يكاد المفكر بهذه الطريقة السلبية يشعر، حتى يصل إلى مرحلة الانتحار أو ما شابه؛ لأن الأفكار تؤثر بشكل سريع ومتواز على العقل الذي يؤثر على الأحاسيس التي  بدورها تؤثر على الجسد الذي ينتج عنه السلوك أو ردة الفعل.

خد معي مثالا آخر، فكرة بسيطة ضعها في دماغك، تصور أنك نجحت في أمر ما، ركز على الفكرة جيدا وحاول أن تتخيل فعليا لحظة نجاحك مستعملا في ذلك الكثافة الحسية والتعايش مع الوضع كأنه حقيقة، هنا سيحاول عقلك الباطن أن يفتح لك كل الملفات التي لها علاقة بالنجاح مثل: (البهجة، الفرحة، السرور..) لحين وصولك للمرحلة الجوهرية التي هي (being)ا لاندماج مع الذات، حينها سيؤثر فكرك على سلوكياتك وأفعالك، فتكون هادئة، ويمكن أن تكون مشتعلة حسب نوع الفكرة التي وضعتها في دماغك، وعليه فإن كل النتائج التي نحن عليها اليوم هي حصاد لأفكارنا، نقول نفس الشيء ونفعل نفس ما نقول، وهذا ما سماه الفيلسوف الإغريقي (سقراط) بقانون السببية.

عزيزي القارئ لقد أصبحنا اليوم في حرب لا تنتهي، ليس مع مرض السرطان أو فيروسات الإيدز؛ وإنما في مواجهة لا محدودة مع فيروسات الأفكار السامة التي تهدم حياتنا وأسرنا، وتجعلنا أمام وضع لا نحسد عليه. فكل شيء يدور حولنا، يحاول أن يبرمجنا بطريقة أو بأخرى (المدرسة، والإعلام والصحة والاسرة والهواتف والسينما.. وكل سيء آخر سواها)، وما على المفكر إلا أن يركز على أفكار إيجابية تدخل الإميونات لذواتنا لتقويتها بدل الفيروسات، وذلك كله يبدأ بقرار شخصي فردي مستقل، ألا وهو التغير من الداخل إلى الخارج، حيث يقول ربنا جل وعلا (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (سورة الرعد: الآية11).

وفي ذات السياق أستحضر مقولة شهيرة للمؤلفة (نورمان فينيست بييل) التي تقول: “إذا رسمت في عقلك صورة لآمال مشرقة وسعيدة، فإنك بهذا تهيئ نفسك وتساعدها على بلوغ أهدافك؛ الجميل في الأمر أن لكل واحد منا السيطرة على شيء واحد في هذا العالم ألا وهو الفكر، بحيث يمكنك أن تقرر ما تفكر فيه  وتحسم كذلك في مصدري الأفكار إليك، بمعنى أن تختار كذلك من تسمع منهم وتحاورهم، لكي تتمكن من بلوغ فكر تحليلي منطقي إيجابي، يمكنك من صناعة الذات القوية وخلق الجديد والابتكار كذلك، عوض الرضوخ للمسلمات الخرافية التي تصدرها إلينا العقول التي من صالحها أن نظل سجناء المؤبد في سراديب الفكر النمطي المغلق. انتهى.

*كوتش

coachsoukaina@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.