ما أراه الأقوى في خطاب العرش !

184

نورالدين اليزيد

قال الملك في خطاب العرش: “إنني في الحقيقة، لا أميل شخصيا لإحداث اللجان الخاصة؛ لأنها أحسن طريقة لدى البعض، لدفن الملفات والمشاكل. ولكننا بادرنا لإحداثها في بعض القضايا، ذات البعد الوطني، كالجهوية والدستور، ومدونة الأسرة، وهيأة الإنصاف والمصالحة، وحرصنا شخصيا، على متابعة أشغالها؛ فكانت نتائجها إيجابية وبناءة. وفي هذا الإطار، قررنا إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التي سنقوم في الدخول المقبل، إن شاء الله، بتنصيبها”.

نورالدين اليزيد

هذه الفقرة هي أقوى ما قرأت وتابعتُ شخصيا في الخطاب الملكي، وذلك للأسباب التالية:

  • رئيس الدولة يقر بأن خلق اللجان يعتبر على الأقل من طرف البعض وسيلة لدفن الملفات والقضايا؛ وليس هنا مجال لسرد العديد منها سواء التي شكلها الملك وشارك في تشكيلها الوزراء وبعض الهيئات الدستورية والمنظمات السياسية والنقابية والحقوقية، أو تلك اللجان التي أنشأتها المؤسسة البرلمانية، والتي في الغالب تكتفي في أحسن الأحوال برصد المشاكل وتعيينها دون القدرة على تقديم الوصفة العلاجية لها؛
  • الملك ذكر بعض اللجان تحديدا التي أثمرت نتائج ملموسة وخلاصات ذات مصداقية، بيد أن تلك النتائج والخلاصات مُست بمصداقيتها لاحقا عندما تم التراجع عن ما دعت وأوصت به، كلجنة الإنصاف والمصالحة التي أصبحت لدى البعض عنوان مرحلة فقط لتلميع صورة السلطة، خاصة عندما تم تسجيل مجموعة من انتهاكات حقوق الإنسان والاعتقالات المشكوك في قانونيتها لاسيما أثناء الاحتجاجات الأخيرة في كل من منطقتي الريف وجرادة؛ وهناك أيضا لجنة الجهوية، التي بعدما توصلت إلى تقسيم المملكة إلى 12 جهة، بقيت التوصيات مجرد حبر على ورق، في ظل احتفاظ العاصمة بسلطات المركزية والتمركزية، مما أثر سلبا على عديد من المجالات الاستثمارية والاجتماعية وغيرها، دعك من اللجنة الدستورية التي قدمت دستورا مثاليا، لكن دون تنزيل على أرض الواقع أمام تغول السلطة ومحاولة جانب منها بالرجوع لما قبل احتجاجات 20 فبراير !
  • ما آلت إليه خلاصات هذه اللجان وما طرحته لاحقا من إشكالات حول تنفيذ توصياتها يعتبر إما تقصيرا من الجهات الوصية على عدم مواكبتها، أو ضعفا في آليات إنشائها، بحيث تروم إرضاء خواطر المشارب السياسية وغيرها على حساب تغييب الكفاءات، ما يؤثر بالنتيجة على طبيعة تركيبتها البشرية والقانونية ويفقدها أية قدرة على تضمين خلاصاتها وتوصياتها الأدوات والآليات اللازمة لمواكبة تنزيلها على أرض الواقع بشكل دائم وناجع، وليس لفترات محددة ومؤطرة بظروف طارئة محليا أو إقليميا !
  • وحدها خطوة خلق مِثل هذه اللجان لا تبعث على التفاؤل لدى شريحة مهمة من المواطنين، بالنظر للتجارب السابقة –كما أشرنا- رغم بعض الجوانب المضيئة لتلك التجارب، وهي بالنسبة لهذه الشريحة تعني مزيدا من الانتظار والتأجيل لإيجاد الحلول لمختلف المشاكل العالقة، ولاسيما منها الملحة كالاجتماعية والتوزيع العادل للثروة !
  • خلق مثل هذه اللجان سيكرس مسألة مناصب الريع التي تأتي بها، ولا شك أن أول من تفاعل إيجابيا مع هذه الدعوة الملكية في الخطاب بكون الدخول المقبل (الخريف المقبل) سيحل وقت تعيين اللجنة، هم فئة من السياسيين والنقابيين والحقوقيين الذين يتربصون بمثل هذه الفرص لزرع زبانيتهم وأتباعهم بها، حيث جرت العادة أن تتحرك الهواتف والاتصالات بمجرد تسريب خبر من القصر بإمكانية خلق لجنة أو مؤسسة، بالأحرى أن تأتي الدعوة في خطاب ملكي مباشر؛ ومثل هذه الأجواء تجعل الرأي العام الوطني لا يقتنع بجدوى خلق مزيد من اللجان !
  • هذا يحيل على أن الوضعية المالية للمغرب الهشة كانت تقتضي الاكتفاء بخلق لجان (بين-قطاعية) تضم أطرا من وزارات مختلفة يتقاضون أجورهم الوظيفية، ويعتبر عملهم ضمن مثل هذه اللجان من صميم عملهم، ويكفي إصدار مذكرة إرشادية وتوجيهية من القصر، وربما جاءت النتائج أفضل من أن تشكل لجان من أشخاص عينوا في الغالب فقط إرضاء لهم أو للجهات التي ينتمون إليها !

أخيرا ومن خلال تفاعل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وهي عينة مجتمعية ذات اعتبار، كان لمصارحة الملك وحديثه بموضوعية في خطاب الذكرى العشرين، أن تكون مكتملة وذات وقع كبير ومؤثر إذا كانت مرفوقة برجة سياسية كأن يقر بضرورة إعادة النظر في تركيب الحكومات المقبلة والبرلمان على أن لا يتجاوز عدد وزراء حكومة 2021  عشرين وزيرا مثلا، والبرلمان بغرفتيه عددا محدودا (250 برلمانيا مثلا بكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين)، حينها كان المواطن ربما سيتهيأ سيكولوجيا ليكون متفائلا للمستقبل !

و #خليونا_ساكتين

nourelyazid@gmail.com

https://www.facebook.com/nourelyazid

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.