محاولةُ فهْم ما يجري بين واشنطن وإيران!

356

تحليل إخباري

نورالدين اليزيد

وصف لعبة القط والفأر أو #طوم و #جيري تنطبق كثيرا على العلاقات الأمريكية الإيرانية؛ فهي حتى ولو اتخذت أحيانا طابع التصعيد وقُرعت طبول الحرب فإن في شدة العاصفة في الأجواء تنشط قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران، ولعل هذا ما يتكرر اليوم بعد مقتل قاسم سليماني الرجل الأقوى في الشرق الأوسط كما وصفه مراقبون أو الشهيد الحي، كما يطلق عليه مرشد الجمهورية الإسلامية !

لنتابع الحكاية من البداية.. تعود أولى الاتصالات بين طهران وواشنطن إلى أواسط القرن التاسع عشر، وتحديدا في العام 1856 عندما أوفد شاه بلاد فارس حينها مبعوثا له إلى واشنطن، وردت الأخيرة بمبعوث لها في العام 1883، لكن لم تقم علاقات دبلوماسية بين البلدين رسميا إلا عند مشارف منتصف القرن العشرين (1944)، أي مع وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها !

أوّل تدخل..

بعد تسع سنوات بعد ذلك، وفي خضم تدخل أمريكا في عدد من دول العالم، في إطار بداية صراعها مع الاتحاد السوفياتي والتسابق لكسب عواصم مؤيدة لمعسكرها الغربي، أقدمت واشنطن على الإطاحة بحكومة مصدق الإيرانية، وذلك في 1953، وهو الحادث الذي يعتبر حجر الزاوية في بداية ظهور معسكر إيراني يكن العداء لأمريكا، رغم مجيء حكومات إيرانية لاحقا تناغمت مع السياسات الأمريكية الخارجية ولاسيما تلك التي تهم المنطقة..

في هذا الإطار ومع إنشاء الكيان الصهيوني في العام 1948، كانت حاجة أمريكا ومعها الغرب كبيرة إلى دول في المنطقة تدعم هذا الاختراق للعرب والمسلمين، ومن بين حكام المنطقة الذين أعلنوا علانية وصراحة دعمهم للكيان الصهيوني حُكم الشاه الذي تبادل السفراء مع إسرائيل وفتح سفارة في عاصمة الفُرس طهران، ليعكس ذلك قمة تماهي السياسة الإيرانية مع نظيرتها الغربية والأمريكية تحديدا، لكن دون أن يعني ذلك اختفاء معسكر إيراني محافظ ظل يُكن الحقد للأمريكيين ويعتبرهم مسؤولين عن التدخل في شأنهم الداخلي منذ العام 1953..

الهجوم على السفارة الأمريكية في طهران أثناء قيام الثورة الإسلامية في 1979

قيام الثورة الإسلامية

ومع قيام الثورة الإسلامية في 1979 واحتجاز رهائن في السفارة الأمريكية بطهران عبّر هذا المعسكر الرافض للتدخل الأمريكي عن هويته.. إنهم “الثوار الإسلاميون”، الذين سيدشنون مرحلة جديدة من التوتر في العلاقات بين البلدين وهم يؤسسون نظاما إيرانيا جديدا بات فيه المرشد الأعلى الحاكم الفعلي الذي يقود البلاد، وقتها رفع آية الله الخميني شعار شيطنة أمريكا وإسرائيل التي أغلقوا سفارتها التي استقبلها نظام الشاه، وبدأ الثوار الإيرانيون سياسة اليد الممدودة لنشر الثورة في المنطقة العربية المجاورة، وذلك انطلاقا من دعم بعض فصائل المقاومة الفلسطينية، ثم اللبنانية خاصة مع الحرب الأهلية في لبنان حيث أسفر تدخلهم في الشأن اللبناني عن تأسيس حزب الله في العام 1985، ليصبح لاحقا يتوفر على جيش يضاهي الجيش اللبناني وليحق فيه القول “دولة داخل الدولة”، وذلك لم يكن ليحدث لولا الدعم الإيراني..

حرب الخليج !

خلال عقد الثمانينيات وبينما كانت الثورة الخمينية تثبت أقدامها داخليا وعبر بعض مناطق النفوذ، لاسيما في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، اندلعت حرب الخليج بين إيران والجار العراق، بسبب التنازع حول مناطق حدودية مياه شط العرب التي استولى عليها العراق واعتبرها مياهه كاملة لتنطلق حرب بلا هوادة في سنة 1980 بين البلدين، اعتبرت أعنف وأخطر وأكبر حرب في القرن العشرين بالنظر إلى طول أمدها وفداحة خسائرها ماديا وبشريا، حيث استمرت ثمان سنوات (انتهت رسميا في 1988 وخلفت مليون قتيل نصفهم من الجنود من جيشي البلدين والنصف الآخر من المدنيين وخسائر تقدر بـ400 مليار دولار)، وهي الحرب التي انتهت بلا غالب بل حتى بلا أي إنجاز على الأرض، حيث عاد الطرفان واحتكما إلى اتفاق الجزائر الموقع بينهما في 1975 والذي يحدد الحدود فانسحبت كل من العراق وإيران من الأراضي التي دخلتها قبيل وأثناء الحرب الضروس..

أثناء هذه الحرب الطاحنة كان العالم ذو الثنائية القطبية (المعسكر الغربي بقيادة أمريكا والشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي) يتجه إلى التحول، بسبب الأزمات الداخلية التي أصبح يعيشها الاتحاد السوفياتي خلال منتصف عقد ثمانينيات القرن الماضي على إثر سياسة إعادة الهيكلة (البريسترويكا) التي جاء بها الرئيس ميخائيل غورباتشوف لإعادة تنظيم وسائل ومؤسسات الإنتاج، فأعفاها من التبعية البيروقراطية للدولة المركزية وحرر وسائل الإنتاج والاستيراد أكثر وسمح للاستثمار الأجنبي، وخلال ثلاث سنوات فقط من تطبيق هذه السياسة (1987/1990)، وجد الاتحاد السوفياتي نفسه في جملة مشاكل منها فقدان الدولة لعديد من الموارد لاسيما الضريبية، وخاصة في ظل تزايد وتنامي النزعة المحلية والقومية لدى الجمهوريات وأقاليم الحكم الذاتي التابعة للاتحاد التي رفضت مواصلة أداء الضرائب للإدارة المركزية، فتفاقمت الأزمة وتزايد الشعور اللامركزي لدى مكونات الاتحاد وفي العام 1991 أُعلن رسميا عن تفكك هذا الاتحاد وحصلت عديد من دوله على استقلالها !

صدام حسين في حرب الخليج ضد إيران

تدخل أمريكي في الحرب !

خلال هذه الفترة استغلت أمريكا انشغال الاتحاد السوفياتي الذي كان يحافظ على توازن القِوى في التنافس على مناطق النفوذ، ووجدت إيران التي كانت تميل للمعسكر الشرقي ظهرها عاريا وهي تخوض حربها المستعرة ضد العراق، الذي كان يحظى بدعم واشنطن ولو ضمنيا أو بالوكالة من خلال حلفاء واشنطن العرب الذين كانوا يرون في نظام صدام حسين الواقي من تمدد الثورة الإسلامية إلى بلدانهم.. لكن في العام 1988 سيتأكد فعليا لطهران دعم واشنطن لغريمها العراق، وذلك من خلال قصف مباشر لمنشآت بترولية إيرانية بالتزامن من إسقاط طائرة ركاب مدنية إيرانية ذهب ضحيتها 290 إيرانيا.. هذا التدخل كان إيذانا لطهران بتوقيف الحرب مع أنها كانت آخذة في أخذ زمام الأمور، لكنها فهمت الرسالة الأمريكية التي كانت لا تريد أن تتخذ سوق النفط الدولية منحنيات أخرى تؤثر على اقتصادها، وكذلك عندما تأكدت واشنطن أن موسكو ما عادت تشكل لها عائقا كبيرا أمام تدخلاتها في المنطقة..

العدو البديل !

خلال عقد التسعينيات وبعد انهيار “العدو” السوفياتي، كان لا بد لصناع القرار في البيت الأبيض أن يبحثوا لهم عن “عدو” ليحرك السياسة والاقتصاد، ولم يكن هذا العدو الجديد غير إيران التي اتهمتها واشنطن علانية برمز “الأصولية الإسلامية”، ومع أن بداية التسعينيات ظهرت واشنطن كأنها تُكِن العداء لكل من إيران والعراق، علما أنها دعمت بغداد في حربها ضد طهران، قبل أن تنقلب عليه وتشكل تحالفا دوليا لإخراجه من الكويت التي احتلها في العام 1991، إلا أن العداء كان أكبر اتجاه إيران، لا سميا بعدما استطاعت واشنطن وبمعية مجلس الأمن الدولي أن تخضع عراق صدام حسين لعقوبات قاسية ولمراقبة أممية شديدة على مستوى سلاحه (غير التقليدي تحديدا) وعلى موارده النفطية (النفط مقابل الغذاء).. بالمقابل وتحت ضغط اللوبي اليهودي في واشنطن أصدرت الأخيرة قانون “داماتو” على الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران وفرضت حصارا على الاقتصاد الإيراني في ظل تزايد تحذيرات إسرائيل من تحول إيران إلى قوة تشكل خطرا على وجودها، ولاسيما مع تصاعد حدة خطاب الساسة الإيرانيين إزاء تل أبيب الداعين إلى زوالها..

انفراج

لكن مع مجيء محمد خاتمي وفوزه بالانتخابات الرئاسية في 1997 وبأغلبية 70% في انتخابات حرة ونزيهة أحرجت الغرب ومنهم أمريكا، وبعد صدور إشارات من خاتمي على طي صفحة الخلافات مع واشنطن، ولاسيما بين الشعبين حيث خاطبهم عبر قناة تلفزيونية أمريكية، خفف البيت الأبيض لهجته اتجاه طهران كما غض الطرف عن تنفيذ القرارات السابقة القاضية بخنق الاقتصاد الإيراني..

ومع تفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي استهدفت برجي التجارة العالميين بنيويورك ومؤسسات أمريكية في واشنطن في الولايات المتحدة، وخروج الرئيس الأمريكي وقتها جورج بوش بتصريحاتها الشهيرة بأن العالم منقسم إلى قسمين؛ إما مع الإرهاب أو ضده، سارعت إيران إلى تبرئة نفسها ونددت بأشد العبارات بتلك الهجمات واصفة إياها بـ”العمل الإرهابي”، ومن ذاك ما جاء على لسان مرشد الثورة خامنئي في أصفهان في 30 أكتوبر 2001 حين قال “إننا نشجب الإرهاب بكل أشكاله”، وكان لافتا أن يجتمع الساسة الإيرانيون إصلاحيون ومحافظون على كلمة سواء إزاء تلك الهجمات، وهو شيء نادرا ما يحصل، ولعل ذلك جاء من إحساس الحكام في طهران من خطورة الموقف ومن ضرورة إيصال رسالة قوية إلى واشنطن بأنها ليست ضمن محور الشر (الإرهاب الدولي) الذي لطالما اتهمتها به واشنطن.

إيرانيون يحرقون العلم الأمريكي داخل البرلمان

براغماتية..

لكن كان لا بد لطهران أن تبدي حسن نية وتعاونا أكبر من حيث الفعل لا القول، حيث بمجرد بدء الولايات المتحدة حربها على ما سمتها منذ حينه بـ”الإرهاب” في أفغانستان، حتى هرعت إيران إلى تقديم المساعدة إلى الجيش الأمريكي، وقبل ذلك نشطت القنوات الدبلوماسية بين العاصمتين طهران وواشنطن عبر لندن، لتشكل اوجه التعاون الأمني والاستخباراتي في تلك الأثناء أبرز صور التعاون في العلاقات بين البلدين، وهو التعاون الذي سيتبلور واقعا في البداية على الساحة الأفغانية،.. المفارقة العجيبة والغريبة أن طهران كانت إعلاميا تسوق للعالم أنها ضد الغزو الأمريكي لأفغانستان، والمرشد الأعلى خامنئي الذي شجب هجمات 11 سبتمبر عاد ليؤكد بنفس النبرة قوله “نشجب الإرهاب بكل أشكاله ونعارض الحملة الأمريكية على أفغانستان ونرفض الدخول في أي تحالف تقوده أمريكا”، ورغم أنه انتقد من يدعون إلى حتى مجرد محادثات معها إلا أن إيران قامت بتقديم الدعم الميداني للولايات المتحدة في حربها ضد “طالبان” و”تنظيم القاعدة”، في أفغانستان ووافقت في أكتوبر 2001 على المساهمة في إنقاذ أي قوات أمريكية تتعرض لمشاكل في المنطقة، كما سمحت للولايات المتحدة باستخدام أحد موانئها لشحن القمح إلى مناطق الحرب في أفغانستان، وشاركت في الدعم العسكري لقوات التحالف الشمالي حتى سيطرت على كابول.

التعاون الإيراني الأمريكي استمر في تلك الفترة ليتخذ بعدا آخر من التحالف الظرفي الذي يعكس براغماتية كل من أمريكا وإيران، لكن جاء بعد اتهام واشنطن من جديد لإيران بأنه تشكل إلى جانب كل من العراق وكوريا الشمالية “محور الشر” واعتبارها دولا مارقة يجب على العالم الحر أن يتصدى لها؛ طهران فهمت الرسالة من جديد وعلى الرغم من أن التوتر بينها وبين واشنطن كان يتخذ منحى تصاعديا على خلفية استمرار دعم طهران للمقاومة في لبنان وفلسطين، إلا أنها وجدتها سانحة تلك الفرصة التي بادرت إليها واشنطن عشية غزوها للعراق في العام 2003 وطلبت من طهران المساعدة من جديد على غرار الحرب في أفغانستان. في هذا الصدد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في سنة 2016 عن اتفاق سري وقعته كل من واشنطن وطهران سبق الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين، وبحسب الصحيفة فإن بموجب الاتفاق تعهدت إيران لأمريكا بعدم التعرض للطائرات الأمريكية في حال دخلت الأجواء الإيرانية وهي تقصف العراق، ونقلت الصحيفة “زلماي خليل زاده”، السفير الأمريكي السابق في العراق، فإن اجتماعات عقدت في جنيف بين السفير الإيراني بالأمم المتحدة آنذاك محمد جواد ظريف (وزير الخارجية الحالي) ومسؤولين أمريكيين بينهم زاده، الاتفاق واللقاء تطرقا أيضا حتى لفترة ما بعد سقوط حزب “البعث” ورحيل نظام صدام حسين، بل حتى على مستوى تمثيلية الغالبية الشيعية في المشهد العراقي لماب بعد صدام، وهو ما نرى معالمه حاليا..

نلاحظ هنا أن ساسة واشنطن وهم يلتقون سرا مع الساسة الإيرانيين ويبرمون الاتفاقات، فإنهم علنا ظلوا يتبادلون الاتهامات في ما بينهم، بحيث لم تتردد واشنطن في اتهام طهران في إيواء عناصر من تنظيم “القاعدة” وهو التنظيم الذي دعمت طهران واشنطن للإطاحة به رفقة “طالبان” من أفغانستان، ودعمها لـ”حزب الله” اللبناني والمقاومة الفسلطينية، في مقابل اتهام طهران لواشنطن بمواصلة دعمها للاحتلال الإسرائيلي وتوسيع نفوذها في دول الخليج العربي !!

قاسم سليماني رفقة مرشد الثورة

محل سلمياني من الإعراب !

في خضم هذه التطورات في العلاقات بين البلدين لم يكن الجنرال قاسم سليماني بعيدا عن المشهد، فلقد كان هذا العسكري الذي جمع بين حمل السلاح وقوة التفاوض حاضرا بقوة خلال مختلف العمليات العسكرية التي كان تخوضها إيران بدء بدعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية، فحرب الخليج الأولى، ثم مع دعمه للأكراد في حربهم ضد نظام صدام حسين طيلة فرض الحصار على العراق، ثم وصولا عند لعبه دورا هاما في تأطير الميليشيات العراقية الشيعية بعد الإطاحة بصدام حسين ولاسيما “الحشد الشعبي”، إلى قيادة هذه الميليشيات والقوات العراقية في حربها ضد “داعش”، ثم دوره الحاسم في دعم قوات بشار الأسد التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة أمام الثوار قبل أن يتدخل سليماني في 2012 ويحسم المعركة، وأخيرا وليس آخرا دعم الحوثيين في اليمن والذين هزموا بسبب الدعم الإيراني التحالف العربي !

أخيرا يعتبر من نافل القول إن كل هذه الأحداث تبرز إلى أي مدى هي إيران قادرة على أن تكون براغماتية، ورغم كل التهديدات ولغة الوعيد الصادرة عن طهران إزاء مقتل رجلها القوي، ومع الإشارات التي ترسلها واشنطن والموزعة بين التهديد والوعيد، مع حديث عن تحرك القنوات الدبلوماسية بين العاصمتين، قد تتراجع إيران عن كل ذلك بمجرد إما بصدور قرار عن البيت الأبيض يقضي بعودة واشنطن إلى الاتفاق الدولي النووي مع إيران بل ومنحها امتيازات إضافية، أو إعلان واشنطن انسحابها من العراق وتسليمه لإيران مقابل اتفاق سري يضمن مصالح أمريكا وتعويض قواتها بقوات إيران بحيث تكون بمثابة “كلب حراسة”، لتسوق للعالم أنها استطاعت طرد أمريكا من بلاد الرافدين هي والميليشيات التابعة لها، وعلى أن ذلك انتصار جاء على جثمان قاسم سليماني.

و #خليونا_ساكتين

ملحوظة: تم الاستعانة بعدة مراجع في التقرير      

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.