معادلة الذكاء العاطفي في منظومة الزواج

373

سكينة هايمون*

تعددت الدراسات السوسيولوجية والطبية التي تشير إلى أن هناك أناسا يتمتعون بذكاء عقلي مرتفع ومتقدم، لكنهم يفتقرون إلى مهارة التعبير العاطفي والسيطرة على المشاعر، وضبط الانفعلات والدوافع الجامحة، مما يجعلهم يعانون من عسر في بناء العلاقات مع بقية الأطراف في المجتمع؛ إذ نجد لديهم غياب التوافق والتفاهم سواء مع ذواتهم أو مع الآخرين.

ويحدث ذلك خصوصا في مؤسسة الزواج التي تعد العاطفة والليونة والمشاعر هي الترموستات المنظمة لصيرورتها ودوامها. والسبب في ذلك راجع إلى افتقار كل من الزوجين لمهارة ضبط الانفعالات أو ما يصطلح عليه حاليا بالذكاء العاطفي أو الانفعالي.

يعرف الذكاء العاطفي حسب (دانييل غولدمان)، في كتابه الشهير (الذكاء العاطفي)، بكونه قدرة الشخص على التعرف على شعوره الشخصي وشعور الآخرين الذي يتجلى في قدرته على تحفيز النفس وتقوية الإرادة في التحكم في المشاعر بشكل فعال في أغلب علاقاته مع الناس.

وفي ذات السياق جاء تعريف الذكاء العاطفي للكاتب (لبير جون)، بحيث اعتبره القدرة على مراقبة مشاعر المرء ومشاعر الآخرين والتمييز بينهما واستخدام هذه المعلومات لتوجيه تفكير المرء وأفعاله.

ووفق منظور سوسيولوجي أرى أن الذكاء الانفعالي أو العاطفي هو مدى إمكانية الفرد التعرف على مثيرات مشاعره وأحاسيسه، سواء كانت جيدة أو سلبية، والتمكن من ضبط تلك الأحاسيس بطريقة مناسبة للمقام والزمان اللذين يتواجد فيهما، وربط تلك المعارف الذاتية بمعرفة الآخر.

وهذا الأمر نجده نادرا في مؤسسات الزواج المغربية، بحيث يلاحظ اليوم  ارتفاع نسب الطلاق الصامت بين الأزواج، مع انعدام التوافق والنفور، حتى تحولت الحياة إلى حلقات من الصراعات الدائمة أو المؤقتة، وأقصد هنا الطلاق الصامت، تلك الحياة التي ينفر فيها الأزواج عن بعضهم البعض ويتقوقعون في ذواتهم، حيث يسود الجمود العاطفي والعزلة الجنسية ولا يربط بينهما سوى عقد ورقي مكتوب لا غير.

ينضاف إلى ذلك أن الزوجين اليوم يعيشون في دوامة النقد القاسي والهدام لبعضهم البعض الذي يصطلح عليه بـ(النكير)، وهو النقد الموجه للشخص بحد ذاته وليس لسلوكياته مرفوقا بالتهجم المحمل بالاحتقار والإشمئزاز، حيث يطلق الشخص العنان لانفعالاته مع إصدار أحكام جامدة، حتى يحجب هذا الانفعال هنا مزايا الآخر ويضخم من سلبياته.

ومن ذلك عدم الوعي بمعنى الخصوصية الفردية بين الزوجين، حيث يحاول كل منهما إلباس الآخر الرداء الذي يريده هو، وأن يجعل منه كتابا مفتوحا.

إن أغلبية الأزواج لا يؤمنون بمعنى الخصوصية الفردية داخل مؤسسة الزواج، أي أن لكل شخص أمور يحتفظ بها لنفسه فقط، قد يشكل إبداؤها إحراجا له أمام الآخر، وعدم احترام هذه الخطوط يدفع بالطرف الثاني للإحساس أنه ممتلك ومسلوب، مما يولد لديه النفور من الآخر والرغبة في الإفلات منه.

ويسبب غياب مهارة الذكاء العاطفي كذلك ضمن مؤسسة الزواج التراكم الانفعالي أو طفح الكيل، بحيث تنفجر ردود فعل انفعالية عصبية في حالة حدوث هذا الانفجار والتي تؤدي بالطرف المنفعل إلى فقدان السيطرة على ضبط العقل، وإلى سلوكات هدامة للعلاقة بين الطرفين.

وكان لزاما ونحن نتحدث عن رواسب غياب الضبط الانفعالي لمشاعرنا أن نستحضر أهم مقومات الذكاء العاطفي، والتي تعد محور استمرارية العلاقة الناجحة و السعيدة  بين زوجين، وهما معرفة الذات والوعي بها، ثم معرفة الآخر أو ما يسمى بالوعي الاجتماعي.

ليس من الضروري لإنجاح العلاقة بين الأزواج أن يكون هناك توافق فكري مسبق، باعتبار أن الاختلاف بين الطرفين على مستوى  الفكر أو الجنس أو العرق، هو بحد ذاته ميزة تجعل كلا الطرفين يكتشف أمورا قد يجهلها ولم يكن له سابق علم بها؛ إذ المهم والضروري أن يكون كل واحد منهما متمكنا من مهارة الوعي بالذات، بمعنى أن يعرف نقاط قوته ونقاط ضعفه؛ وليس هذا فقط بل أن يعرف سبب الأحاسيس التي يشعر بها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، مع القدرة على ضبط تلك المشاعر، وهنا أستحضر قوله تعالى (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) سورة الأنعام-الآية 134، أي: أن الإنسان له قدرة عالية على إخفاء أحاسيسه السلبية التي قد تؤذي الآخر أو تتسبب في كسر الروابط والوشائج  معه.

إن الوعي الاجتماعي يعني معرفة الآخرين انطلاقا من معرفتك لذاتك، بحيث تقرأ كل المشاعر التي يبديها الآخر بها كالإحباط والحاجة للعزلة والصمت والسكون. فأنت هنا أيها الزوج أو أيتها الزوجة تكون مدركا من نبرة صوت شريكك أنه بحاجة إلى أن يخلو بنفسه قليلا، أو عليه ضغوط. إن إدراك هذه المقومات يساعد على ارتفاع نسبة التلاؤم  والرومانسية بين الزوجين، كما يمكننا الذكاء العاطفي من معرفة أن كل واحد داخل منظومة الزواج بحاجة إلى نسبة محددة من العاطفة والتقدير والحنان،  فمن ذواتنا ننطلق لفهم الآخر متجنبين في ذلك السقوط في حالة طلاق صامت أو تصحر وجمود عاطفي، حيث يسود الشح والبخل في الكلام الطيب، واللين وتصبح العلاقة الجنسية ميكانيكية لا غير.

coachsoukaina@gmail.com

*كوتش

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.