مواجهة العالم ببراءة بورجوازي صغير

154

عبد السلام بلقايد* 

بدأ يرسم بالطباشير مقلدا الرسوم في قراءة التحضيري، وعلى كارتون الأحذية رسم شارلي شابلن. باكرا عرف السينما، كانت أمه تدفع له ثمن تذكرتين واحدة له والأخرى لابن الجيران حتى لا يعتدي عليه أحد، على باب القاعات السينمائية، كان الجمهور كثيرا، كان يضطر الأمن للتدخل بالهراوات لتنظيم الصفوف.

لم يكن في بيته تلفزة، العائلات الموسرة هي التي كانت تملك التلفاز، هوى الاستماع على المذياع إلى عنتريات ويزنيات أحمد حسن الجندي ومسرحيات فريد بن مبارك أو عبد الصمد دينيا الإذاعية، كانت الجارة موهوبة في حكي قصص الأنبياء مسلسل مليء بالتشويق والعظات والوعيد أهوال القبور والجزاء والجنة والنار، كان الأطفال يبدعون لعبهم بالفطرة، النبلة، القوس، سيوانا، عربات صغيرة ذات عجلات حديدية.. والبنات يلعبن بعرائس من قصب، لعب الشاطئ القريب من الحي دورا كبير في حياته، يعتبر نفسه سمكة، والشاطئ أكواريوم الطبيعي، أمواج وانعكاس ورقص وضوء على الماء.

درس المحادثة

كان ابن جيرانهم إبراهيم يأتي بلوحات أخيه المرسومة في دفتر الرسم، كان يعيره رسوماته ليقلدها مقابل سجائر سوداء يسرقها من علبة أبيه، دخن في سن المراهقة ودفعه هذا إلى حمل مزيد من الرسوم كل مرة، كان هناك ملعب في حيه تحيط به جدران بعض البيوت المطلية بالجير، كان رفاقه يحملونه فوق أكتافهم ليرسم حارسا للمرمى يرتمي على الكرة. وفي قسم المتوسط الأول كان يطلب منه المعلم مرارا أن يرسم صورا ليعلقها في درس المحادثة. سيتعرف على صديق عمره الرسام عبد السلام السايحي الذي كان يعطيه دروسا في الرسم. تعرف أيضا على الفنان التشكيلي محمد البراق الذي أسس نادي الرسم بثانوية مولاي محمد بن عبد الله بالعرائش، كان النادي يضم ثلة من تلاميذ المدرسة الثانوية الذين يجتمعون كل جمعة ليشتغلوا بالصباغة والرسم مصاحبة بالموسيقى الكلاسيكية، أقيمت عدة معارض جماعية في الثانوية وخارجها، تلقى تشجيعا من طرف السايحي والبراق وأبديا إعجابهما به لا كرسام فقط ولكن كصباغ، وشارك في هذه المعارض الجماعية وقام كذلك بمعارض فردية.

درس بشكل مكثف تاريخ الفن ودرس بعمق الأبعاد الفكرية التي تقوم عليها كل مدرسة ابتداء من رسومات الكهوف مرورا بفن الحضارات القديمة كالحضارة الفرعونية والحضارة الأشورية ثم البابلية والحضارة الصينية والحضارة الهندية والحضارة اليونانية والحضارة الرومانية إلى فنون القرون الوسطى وفن النهضة والباروك والكلاسيكي والنيوكلاسيكي والرومانسية والنيورومانسية والرمزية وما تلاها. ثم الثورات التي حدثت مع الانطباعية والتعبيرية والمستقبلية والدادائية والسوريالية والبوب أرت، ثورات لأن الفن عرف انعطافا جذريا مستفيدا من الثورات الكبرى الثورة البيولوجية مع داروين. ثورة التحليل النفسي مع فرويد، ماركس والفلسفة مع هيجل. مع ما أتت به الثورة الصناعية الأولى والثانية وتطور العلوم، في قسم الملاحظة كان أستاذ اللغة العربية يقرأ عليهم نصوص المنفلوطي، جبران خليل جبران، أبو القاسم الشابي، أحمد عبد السلام البقالي… داخ عقله لما علم أن هذا الأخير من أصيلة، اكتشف المكتبة العامة وأصبح أرضة مكتبات، قرأ لمحمد الصباغ، عبد الكريم غلاب، عبد المجيد بن جلون، عبد الرحمان الفاسي، عبد الخالق الطريس، رفيقة الطبيعة، مبارك ربيع، عبد الله إبراهيم، محمد العربي الخطابي، أمينة اللوه، عبدالسلام البقالي، عبد الجبار السحيمي، عبد الله كنون، محمد إبراهيم، محمد حجي، المختار السوسي، اعتبر الدكتور أحمد زكي أستاذا عظيما له، قرأ له أشياء فتحت له الآفاق أمام عقله. كان أفقه ضيقا فوسعه له وفتح له ما كان مستغلقا عليه، في سبيل موسوعة علمية ومقالاته العلمية الأخرى. المجلة الأخرى التي بنى بها أفكاره وهذب بها ذوقه ووسع بها ثقافته الجمالية من خلال اللوحات العالمية هي مجلة الهلال، ثم مجلة الدوحة والفكر المعاصر التي كان يترأس تحريرها الكاتب الفيلسوف زكي نجيب محمود .

مسرح اسبانيا وأبيندا

سنة 1976 عثر على لقيا غيرت مساره الفني برمته كتاب من أهم الكتب التي قرأها في علم الجمال كتاب فلسفة الفن في الفكر المعاصر للدكتور زكريا إبراهيم الذي يعتبره الأب الروحي. في فترة لم يكتف بكتابة القصة القصيرة بل فكر في إبداع أنساق فكرية وفلسفية لها علاقة وطيدة بالفن وعلم الجمال.

ومنذ ذلك الوقت وهو يطور تجربته أملا في أن يصير مفكرا جماليا، لماذا هذا الاختيار؟ لأنه يمارس الرسم والصباغة، ولأنه أفرد وقتا غير قليل في البحث والتنقيب في تاريخ الفن وتذوقه، ولأنه اعتقد أن كتابة القصة القصيرة وحدها ستجعل منه كاتبا محدودا بدون أبعاد فكرية عميقة. شارك في التمثيل المسرحي في أواسط السبعينات، واعتلى خشبتي مسرح اسبانيا وأبيندا، وفي مراكش شارك في المسرح الوطني للهواة سنة 1979 بمسرحية الرهج تأليف وإخراج عبد المالك البزار .

الربيع يناديني

سنة 1982 حصل على البكالوريا وقضى فصل الصيف في المخيم يتمرن على الرسم ويدرس الفن ليتقدم للامتحان في المركز التربوي الجهوي ليصبح أستاذا لمادة الرسم، لكن المرض النفسي حال دون تحقيق هذه الأمنية. قضى به 25 سنة من العمل، هو الآن متقاعد متفرغ للقراءة والكتابة والإبداع.

ذات يوم أطل من نافذة القسم وقال للتلاميذ إن الإبداع يناديه.. كما فعل يوما جورج سانتيانا حين ترك الجامعة ليتفرغ للتأليف قائلا لتلاميذه إن الربيع يناديني، له رواية أفاعي ميدوزا منتهية. قبلها رواية دموع بورجوازي صغير وهي رواية لم تتم عن تجربة انهياره العصبي سنة 1988، له رواية بيجماليون معاصر مفككة مثل قميص يحتاج إلى الفتق والرتق والخياطة. أليست الكتابة ضربا من الخياطة كما قال كليطو؟ أليست الكتابة ضربا من الصلاة كما قال كافكا؟ في تجربته الشعرية عاش تصوفه العميق تضوع وذوبان وصلاة في محراب الشعر، كان ينشر نصوصه مصحوبة برسوم صديقيه عبد السلام السايحي ومحمد البراق، وأحيانا مصحوبة برسوماته الخاصة. بعد 34سنة من كتابة الشعر فاز بالجائزة الثانية في المهرجان الدولي للشعر والزجل المنظم بالبيضاء بتاريخ 28 آيار مايو 2011، من بين ألف شاعر وشاعرة .

قضية ومواقف

مرجعيته الفكرية والفنية تتجلى في الإيمان بالإنسان كقوة وطاقة بالغة الأهمية يمكن للإنسان أن يتمزق أشلاء لكنه لن يغلب ويستسلم، L’homme peut tre d truit mais pas vaincu ، كما عند هيمينغواي في رائعته الشيخ والبحر، لا يؤمن بالكتابة من أجل المتعة فقط بل إن دور الفنان والكاتب هو أن يكون له قضية ومواقف يدافع عنها. نظريته في الفن في كلمة واحدة هي ما قاله دوستويفسكي الفن سينقد العالم، لوحاته وكتاباته ورسوماته الكاريكاتورية ساخرة، قاسية، ملتزمة، آملة في تغيير أوضاع المهمشين والمظلومين، شخوصه دائما من القاع، مهمشون ينتصر لهم، يجعلهم يرفضون يتمردون ويغيرون. أساتذته سقراط، برنارد شو، الحطيئة، شارلي شابلن، مارسيل مارسو، عبد الحميد الديب.. سخروا حتى من أنفسهم.

وفي جانب آخر في إبداعه لجا إلى الأسطورة ليوظفها في شعره وقصصه ورواياته ورسوماته معتبرا أن الإنسانية وهي طفل يحبو اكتشفت اكتشافا خطيرا هو الأسطورة. تفتق خيال الإنسان على أفكاره وسيعة لازالت تأثر إلى يومنا هذا على الفكر الإنساني. كما رصد تطورا خطيرا يشهده الفن هو الرجوع إلى توظيف الأسطورة للحديث عن مشاكل الإنسان المعاصر. كما يوظف شخصيات من التاريخ أبو العلاء المعري، كليوباترا، أبو حيان التوحيدي.. ليجعلها تعيش في هذا العصر.

قال عنه صديقاه محمد حجي ومحمد بنعبود إنه كمبدع وكاتب طاله الحيف والتهميش ونتمنى أن يفك عنه هذا الإقصاء.. ونختم بكلمة قالها غي حقه المبدع وصديقه وصديقنا احمد النعمان أن بلقايد هو الكاتب الذي يواجه العالم ببراءته… جلسنا أنا وعبد السلام بلقايد فكانت هذه الكلمات.

*كاتب وشاعر يقيم بمدريد- إسبانيا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.