نعم.. أنا متهم في قضية عسكرية*

123

علاء الأسواني**

كان الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس صديقا مقربا لجمال عبد الناصر وعندما قام الضباط الأحرار بالانقلاب في 23 يوليو/ تموز 1952 ساندهم إحسان بكل حماس وكان مؤمنا أنهم سيصلحون المسار الديمقراطي ويعودون إلى ثكناتهم. في عام 1954 صار واضحا أن الجيش جاء ليبقى في السلطة، عندئذ كتب إحسان مقالا بعنوان “الجمعية السرية التي تحكم مصر” دافع فيه عن الديمقراطية ودعا فيه الضباط الأحرار إلى الاستقالة من الجيش والانضمام إلى الأحزاب السياسية. تم القبض على إحسان عبد القدوس وأُودع في السجن الحربي حيث تعرض لإهانات رهيبة وبعد ثلاثة شهور تم الإفراج عنه وبمجرد دخوله إلى بيته تلقى إحسان مكالمة تليفونية من عبد الناصر الذي ضحك وسأله:

–   ازيك يا إحسان .. اتأدبت ولا لسه؟

ثم دعاه عبد الناصر إلى الغداء وكأن شيئا لم يكن. هل كان عبد الناصر يكره إحسان عبد القدوس؟!

بالعكس، كان يحبه ويحترمه لكن عبد الناصر كان رجلا عسكريا يتلخص عمله في تلقي الأوامر وإصدارها ومثل أي عسكري لم يكن يفهم المعارضة السياسية ولا يتقبلها اطلاقا.

لقد استاء عبد الناصر من مقالة إحسان فوضعه في السجن ليؤدبه قليلا. كان إحسان محظوظا فهناك آلاف المعارضين لم يكونوا أصدقاء عبد الناصر فقضوا أعواما طويلة في السجن تعرضوا خلالها لتعذيب بشع. في عام 1960 أصدر عبد الناصر قرارا بتأميم الصحافة المصرية وقال بوضوح:

“نحن نبني المجتمع الاشتراكي. أمام الصحفي اختياران: إما أن يلتزم بخط الدولة أو يقعد في بيته”.

ظل هذا المفهوم السائد في الإعلام المصري باستثناء بضع سنوات سمح فيها حسني مبارك للإعلام الخاص بهامش ضئيل من الحريات مما أدى إلى تكوين رأي عام قوي أسفر في النهاية عن قيام ثورة يناير.

أثناء حكم المجلس العسكري وحكم الإخوان لم يكن ممكنا للسلطات استعادة السيطرة على الإعلام لأن الثورة كانت لا تزال  قوية ومؤثرة ثم تولى السيسي الحكم فطبق مفهوم الإعلام الناصري:

–   من ليس معنا فهو ضدنا.

في الأسبوع الأول من رئاسة السيسي تم منعي من الظهور في التليفزيون وقال لي صديقي المذيع الشهير:

–   المخابرات منزعجة جدا من ظهورك ويعتبرون أنك تؤثر سلبا على تفكير الناس.

لم أهتم بذلك المنع لأننى كنت أعتذر عن عدم قبول معظم الدعوات ولا أظهر في التليفزيون إلا مع مذيعين قليلين أثق فيهم. كنت أكتب في جريدة المصري اليوم مقالا أسبوعيا ففوجئت برئيس التحرير يخالف بنود العقد وينشر مقالي في غير موضعه وعندما اعترضت قال رئيس التحرير:

–   لست ملزما بأي عقد وسأفعل ما يحلو لي.

بالطبع لم تسمح كرامتي ككاتب بأن أقبل هذا الوضع فبعثت إليه باستقالة مسببة وتوقفت عن الكتابة. أعقب ذلك منعي من الكتابة في الجرائد المصرية وعندئذ تعاقد معي موقع دويتشه فيله على الكتابة الأسبوعية.

ثم بدأت حملة شعواء ضدي في الإعلام المصري تم اتهامي فيها في عشرات البرامج بالخيانة والعمالة تقدمت ببلاغات قذف وسب ضد معدي هذه البرامج لكن النائب العام حفظ البلاغات جميعا.

في نفس الوقت استمر نجاحي الأدبي الكبير في أنحاء العالم فقد ترجمت أعمالي الأدبية إلى 37 لغة وحصلت على 17 جائزة دولية وتقدير دولي في الأدب كان آخرها الوسام الرفيع للفنون والآداب بدرجة فارس الذي منتحتنى إياه الجمهورية الفرنسية. على أن الحرب ضدي داخل مصر ازدادت ضراوة.

كنت أنظم ندوة ثقافية أسبوعية منذ عشرين عاما فراحت جهات الأمن تهدد وتطارد كل من يستضيف الندوة وتصطنع ضده قضايا مثل ما حدث مع المهندس ممدوح حمزه والناشر محمد هاشم ثم قبضوا على الصحفي الشاب محمد اكسجين الذي كان يصور الندوة وينقلها على يوتيوب ولازال محبوسا إلى اليوم.

ثم بدأ الأمن في احتجازي في المطار ومضايقتي كلما سافرت وأخيرا امتدت المضايقات إلى أسرتي فقد تعرضت ابنتي ندى إلى حادث سير عندما خبطها شخص يقود موتوسيكل بدون رخصة لكن محضر الشرطة اختفى وظهر محضر آخر جعلها متهمة وفي المحكمة لم يستمع القاضي إلى أية أقوال أو مرافعات لكنه فقط تأكد من اسم ابنتي ثم حكم بحبسها وبكفالة مالية. قاتلنا حتى تم إلغاء الحبس في محكمة الدرجة الثانية.

انتهيت من كتابة روايتي “جمهورية كأن” التي وصفت فيها الجرائم التي ارتكبتها السلطات المصرية ضد شباب الثورة. خاف الناشرون المصريون من نشر الرواية فنشرتها دار الآداب في بيروت. تم منع الرواية في مصر وشن إعلام المخابرات حملة غير مسبوقة ضد الرواية.

كل ما حدث لي لا يقارن بالطبع بالتضحيات التي قدمها رفاق كثيرون منهم محبوسون حاليا بلا ذنب وكثيرون منهم فقدوا عيونهم أو حياتهم دفاعا عن مبادئهم.

الذي لا تفهمه السلطات المصرية أنني لم ولن أخاف ولم ولن أسكت بل سأستمر في كتابة ما أعتقده مهما تكن العواقب.

منذ يومين علمت أنه تم إحالتي إلى القضاء العسكري بتهمة إهانة رئيس الدولة والتحريض ضد النظام بسبب روايتي الأخيرة والمقالات التي أكتبها في هذا المكان (يقصد موقع دويتشيه فيله DW).

هكذا أصبحت متهما في قضية عسكرية. جريمتي الوحيدة أنني كاتب أعبر عن رأيي وأوجه النقد إلى من يستحقه حتى لو كان السيسي نفسه.

سيادة المدعي العام العسكري إذا كانت جريمتي هي التعبير بصراحة عن أفكاري فاني معترف وفخور بها. إن ما تعتبرونه جريمة أعتبره واجب الكاتب وشرفه ولسوف أستمر في ارتكاب هذه الجريمة حتى نهاية العمر.

الديمقراطية هي الحل

*عن (موقع دويتشيه فيله DW)

**كاتب مصري

draswany57@yahoo.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.