هل تتحول “حرب” القواعد العسكرية بين المغرب والجزائر إلى مواجهة شاملة؟

687

مع القضم الترابي المتواصل لتراب المملكة بعشرات الكيلومترات كما حدث في فجيج، ارتأت المملكة تحفيظ الأراضي الحدودية لصالح القوات المسلحة الملكية، ثم قررت بعدها بناء قواعد توازي القواعد الخمس والعشرين الجزائرية على الحدود مع المغرب.

وفي تقرير مفصل نشره موقع جريدة “الأسبوع” (الأسبوعية)، بقلم الزميل عبد الحميد العوني، كتب أنه أصبح واضحا أن هذه القواعد الجزائرية التهمت، ولسنوات سابقة، مئات الكيلومترات، بسبب التداخل وعدم الترسيم الفني والتقني لهذه الحدود، فاختار المغرب الرد على هذه الاستراتيجية بخطة مثيلة تؤسس لتوازنات أخرى تكرس من جهة الحدود الموروثة دون تمدد عرفي أو وضع اليد على كيلومترات غير مأهولة أو غير مستغلة، وأصبح من الطبيعي أن تستغلها القوات المسلحة الملكية للحفاظ عليها.

ليس في نية المغرب بناء 30 قاعدة موازية للقواعد الجزائرية، وقد نشر موقع “فار” القريب من القوات المسلحة الملكية، صور 25 قاعدة عبر تقنية “غوغل إيرث”، وليس بين إحداها وبين الحدود المغربية سوى 6 كيلومترات، فيما الباقي في حدود  قصوى تصل 60 كيلومترا.

سرب من طائرات حربية مغربية

وانتقدت الجزائر بناء “قاعدة “، لأن عقدة حرب “الرمال” لا تزال سارية، ولأن الترسيم الفني سيكون على الحدود الحالية، وتؤجل الجزائر هذه العملية، كي  تزيد مطالبها.

وفعلا، لم تقبل الرباط الحدود الموروثة مع الجزائر إلا بعد تأهيل الشريط الحدودي لسنوات، ليتقرر بعدها الدخول إلى الاتحاد الإفريقي الذي يؤمن بالحدود الموروثة عن الاستعمار حدودا رسمية بين دوله، وكان المغرب في الموعد، إذ قام بما يشبه “ترسيما” من جانب واحد لكل أراضيه الحدودية، وجعلها تحت التحفيظ مترا مترا، يقول مصدر “الأسبوع”.

القواعد الجزائرية على الحدود المغربية

بعد نشر صور 25 قاعدة جزائرية لا تفصل بينها وبين الحدود المغربية سوى ما بين 6 و60 كيلومترا، أصبح مكشوفا، حسب اللائحة، وجود:

1) قاعدتين بـ 8 كيلومترات عن الحدود، واحدة منها خاصة بالمضادات الجوية.

2) قاعدة عسكرية للوجستيك لا تبعد عن الحدود إلا بـ 10 كيلومترات وأخرى تبعد فقط بـ 6 كيلومترات.

3) ثلاثة قواعد عسكرية، منهما واحدة للمشاة وأخرى للمدفعية وثالثة للمدرعات لا تبعد عن الحدود إلا بـ 35 كيلومترا.

4) قاعدة للمدرعات واثنتان تبعدان عن الحدود بـ 40 كيلومترا (واحدة للتنصت وأخرى رادارية).

5) قاعدة للتموين على بعد 8 كيلومترات من الحدود.

6) قاعدة عسكرية كبرى على بعد 35 كلم من الحدود.

7) قاعدة للمدرعات على بعد 23 كلم وأخرى 26 كلم على الحدود.

8) قاعدة تبعد بـ 30 كيلومترا وأخرى بـ 45 كلم.

وفي الجرد التقني للإحداثيات التي أوردها الموقع، ونقلته عنه “ميديا 24″(1)، فإن كل القواعد هي في حدود 25 قاعدة وليس 30 قاعدة، وأيضا فإن 70 كيلومترا بين الحدود، سيزيد عددها عن الثلاثين.

أما بالنسبة للمغرب، فإن قاعدة “جرادة” هي في حدود 38 كيلومترا من الحدود، وفي نفس هذه الخانة، هناك ما يقرب من 17 قاعدة.

قائد أركان الجيش الجزائري سعيد شنقريحة المعرفو بعدائه للمغرب

وما يلاحظه المراقب، أن الحدود الجزائرية ـ المغربية قنبلة موقوتة، من مؤشرين:

1) خلاف المسافة بين القواعد والحدود لدى الطرفين، وقد سببت هذه الفجوة في أزمة صامتة، فالقوات المغربية تصرح أن قاعدة “جرادة” بينها وبين الحدود الجزائرية 38 كيلومترا، فيما ترى الجزائر وبعض إعلامها الرسمي، أنها في حدود 6 كيلومترات (وهناك من قال كيلومترا واحدا)، أي أننا أمام خلاف حول 32 كيلومترا عرضا على طول 1739 إلى 1900 كلم ستبلغ معه الأراضي التي تشكل قنبلة صامتة 60 ألفا و800 كيلومتر.

2) أن الخلاف الحدودي لا يزال مفتوحا، رغم قبول المغرب بالحدود الموروثة عن الاستعمار، وتسليمه الجزائر كل الصحراء الشرقية التي نادى بها علال الفاسي وحزب الاستقلال.

وإن كان الخلاف مع حزب الاستقلال على جزء كبير من الصحراء شرقا، والمتواصل إلى اليوم في الصحراء غربا، فإن الترسيم النهائي يضع إشكالا مسكوتا عنه في حدود 60 ألف كلم، وهو جزء واسع من التراب المغربي.

وحسب “ألجيري باتريوتيك”(2)، فإن ما نشر تحت اسم “غوغل إيرث” هو من عمل القمر الصناعي ولدى المملكة قمرين واحد منهما للتجسس العسكري.

وشكل نشر صور 25 قاعدة جزائرية، صدمة “حقيقية” لدى الأوساط العسكرية، بعدما أكد الجيش الجزائري أن ما حدث من تصوير، هو رسالة موجهة إلى جنرالاته، وبالتالي، فإن وحدة الموقف بين الرئاسة والجيش أخذت بعدا آخر، على اعتبار أن ما حدث في جرادة لا يدخل في إطار السيادة، بل هو إشارة إلى احتمال تفسيره كعمل عدائي.

ويأتي انتشار القوات العسكرية الجزائرية على الحدود المغربية بمبرر ما حدث في حرب “الرمال”، فيما المغرب ليس له نفس الحق، لأن القواعد “هجومية” وهو ما كان في سنة 1963، على الأقل من وجهة النظر الجزائرية.

تقول “ألجيري باتريوتيك”: إن المغرب يستفز الجزائر بنشر أقماره الصناعية لصور القواعد الجزائرية، وبذلك لم يعد ممكنا:

1) الحديث عن حماية جوية للقواعد الجزائرية، لأنها فقدت عنصر المفاجأة.

2) الوصول إلى أهداف قتالية في العمق المغربي.

3) إبداء هامش المناورة الضروري لكلا القوتين.

4) استقصاء القدرة القتالية من خلال تصوير الأهداف واستهدافها.

وجاء الرد قاسيا، إن كان المغرب قد استفز الجزائر بقاعدة واحدة في جرادة، فإن الجزائر بنت 25 قاعدة قبلها، وفي مقابلها، وبالتالي، فإن “الرؤية العسكرية للحرب بين البلدين لا تزال كلاسيكية”، وهناك خطوات مفروضة على الجانبين للمزيد من التسليح.

الجزائر تريد وقف مسلسل بناء القواعد المغربية، كي لا تقوم هذه القواعد بتحييد القواعد الجزائرية، وتنتهي التوازنات التي بنى عليها الجيش الجزائري عقيدته الدفاعية

اليوم، كل القواعد الجزائرية تحت مراقبة القمر الصناعي المغربي بتفاصيل محجوبة عن النشر، رغم أن هذه القواعد ستكون تحت نيران المدفعية الأرضية، وأيضا تحت نيران “الأباتشي”.

مقاتلات إف-16 إحدى ركائز سلاح الجو المغربي

ويأخذ تعدد مصادر النيران في هذه الحالة، ترتيبا له أولوية:

أ) القدرة على دمج القوات المهاجمة لتدمير قاعدة أو الهجوم عليها.

ب) قدرة النيران الصاروخية عبر طائرات بدون طيار، وتمكين عزل القواعد الجزائرية الخمس والعشرين.

ت) القصف المدفعي المركز.

ث) الهجوم الجوي على قواعد المدرعات أولا قبل المشاة.

ويكون “الاستهداف” المتوقع ناتجا من مصدرين للنيران على الأقل.

ويبقى السؤال المطروح: لماذا أطلق المغرب قاعدة جديدة وهو قادر على تحييد 25 قاعدة بنيرانه؟ والجواب، أنه “يفضل وضع نفسه في نفس الخارطة التي ستتعامل معها الجزائر”، ولذلك، وصل الوضع إلى:

1) توازن عملياتي لوجيستي، انطلاقا من العمق المغربي وليس على الحدود فقط.

وحاليا، يمكن تحييد القدرة الجزائرية من خلال الجو، ويرتكز رد الجزائريين على المقنبلات والطائرات الاستراتيجية.

2) توازن جديد جزائري – مغربي عبر المقنبلات الاستراتيجية “ف 16” و”سوخوي 35″، وسيدفع هذا الوضع إلى تحييد أهمية القواعد في الخارطة القتالية بين البلدين، وبالتالي، فإن قدرة الطرفين على تسجيل خسائر كبيرة، حالة واردة.

وببناء المغرب لقاعدة مهمة في جرادة على بعد كيلومتر واحد من الحدود، حسب الجيش والصحافة الجزائريين، سيكون مهما بالنسبة إليه النظر إلى:

ـ المراقبة الأرضية للحدود المغلقة منذ سنة 1994، وتستثمر الجزائر العاصمة والرباط في هذه “الحدود التي أصبحت عسكرية مائة بالمائة”.

ـ نزع الملكية الذي حدث لـ 33 هكتارا لبناء قاعدة “جرادة”، والمنشور في الجريدة الرسمية لـ 21 ماي 2020، هو دليل على شفافية المخطط العسكري المذكور.

وتعد هذه الخطوة الأهم في تاريخ الحروب مع الجزائر، آخرها حرب “الرمال” سنة 1963، لأن المهم ليس بناء قواعد، كما في الحالة الجزائرية، بل بناء قاعدة استراتيجية، وهو منظور مغربي له أبعاده العسكرية، وهو ما لوحظ في تعبير الرئيس الجزائري وفريقه العسكري، فالجنرال شنقريحة لا يعارض بناء المغرب لقواعد في مقابل القواعد العسكرية الجزائرية على سائر الحدود، بل يتوجس جنرالات الجزائر من قاعدة استراتيجية ستحسم أوراقا عديدة تجعل قاعدة “جرادة” في وضع “المقابل القتالي” لقاعدة وهران البحرية، وفعلا، تحقق التوازن بين قاعدتين استراتيجيتين على جانبي الحدود الجزائرية ـ المغربية.

ومثل هذا التطور، قد يؤدي إلى “المواجهة” بفعل تنافس قدرتين وقوتين متقاربتين في التكتيك الحربي والوضع القتالي على حد سواء.

الجدار الرملي العسكري المغربي الذي شيده الجيش المغربي لمنع تسلل عناصر البوليساريو

لقد أنجز المغرب خطوة هامة ظهر وقعها في الجزائر، وعبرت كل مؤسسات الدولة الجزائرية على رفضها للخطوة المغربية، فيما ردت العاصمة الرباط بطريقة مباشرة على 25 قاعدة بقاعدة استراتيجية، على الأقل عند أنصار المقاربة المغربية:

أولا: لأن القاعدة في قلب غابة “بن علي” في جماعة لعوينات.

ثانيا: لأن رئيس الحكومة وقع على مرسوم ينقل جزء من الغابة إلى ملك الدولة الخاص، ليكون في الأخير قاعدة استراتيجية لجرادة.

تسليح وعسكرة القواعد العسكرية على الحدود المغربية ـ الجزائرية، سيدفع بهذه الاستراتيجية المعتمدة إلى الاتصال بالجدار الدفاعي شاملا معه تندوف، وسيضم الخط الحدودي الواحد، كل الحدود المشتركة بين البلدين، بما يلغي البوليساريو في الحسابات المستقبلية.

وصف الجزائريين وبعض الأمريكيين لقاعدة “جرادة” بالقاعدة الاستراتيجية، يفيد أن العاصمة الرباط انتقلت إلى جيل متقدم من التكنولوجيا والقواعد

إعلان البعض أن “جرادة” قاعدة استراتيجية قد تضم سلاحا استراتيجيا، هو إنذار بالتحول.

ويتخوف الجزائريون من وجود “ف 16″، وهي طائرة أمريكية مطورة واستراتيجية في قاعدة استراتيجية، وتحت قمر صناعي لإدارة الأهداف، ولذلك، فالتخوف الجزائري لدى العسكريين من مثل هذا المشروع، له مبرراته.

ويتطرق متدخلون دوليون لخفض التوتر في المنطقة، لكن سلاحا استراتيجيا في قاعدة استراتيجية يشكل رادعا قويا، فيما يعتبره الجيش الجزائري إعلانا:

1) لتحويل قواعد عسكرية على الحدود مع المغرب إلى قاعدتين أو ثلاثة قواعد استراتيجية، للرد على الخطوة المغربية.

2) العمل على التجسس الفضائي مستقبلا، فالتميز على صعيد الأقمار الصناعية جعل الرئيس تبون يوقع على خطة لتجاوز الفجوة مع المغرب.

3) أن الجيش المغربي ناور في وجدة وتافيلالت، وفي أكثر من منطقة حدودية مع الجزائر، قبل أن يقرر إطلاق قاعدة استراتيجية بمواصفات معيارية، وهو ما يجعل السباق المغربي الجزائري محموما و”خطيرا” في أكثر من جانب.

4) أن الاحتياط القتالي للدولتين لم يعد هو العامل المركزي في المعركة الحالية، وبالتالي، فإن قدرات الدولتين موجهة إلى المزيد من “التسليح الاستراتيجي”.

مجرد أن تكون قاعدة “جرادة” استراتيجية على الحدود مع الجزائر بسلاح “إف 16″ الاستراتيجي والرد على هذه الخطوة بـ”سوخوي 35” وبقاعدة مثيلة، هو تصعيد خطير على الأمنين القوميين المغربي والجزائري، باسم حمايته.

يصعب حاليا التنبؤ بالخطوة “التصعيدية” القادمة بين المغرب والجزائر، بعد دخول البلدين المرحلة الأخيرة في نشر أسلحة استراتيجية في قواعد استراتيجية على الحدود.

ولم ترغب العاصمة الرباط، في وقت سابق، في مثل هذه الخطوة نتيجة عقدة حرب “الرمال”، لكن بترسيم الحدود الذي أقره المغرب، بعدم تحفظه على الحدود الموروثة، تحرر مسؤولو المملكة، وقاموا بخطوات جذرية في صالح أمن دولتهم، وعلى ذلك، فإن الجزائر حاليا لن تكون معتمدة على التقدم الفضائي على الحدود بقدر ما ستواصل اعتمادها على المدرعات والمشاة والميكانيكيين، وبالتالي، فإن استهداف العمق المغربي لم يعد ممكنا، فالحرب تحولت إلى الحدود، وهكذا لن يكون استهداف العمق عبر الطائرات المقنبلة هو الجزء الواسع من الانتصار، بل سيكون الاقتحام على الحدود قويا بمجرد اندلاع الحرب، وسيركز القصف على الحدود عوض العمق، وبالتالي، سيؤثر الوضع الجديد على الخطط التي عمل عليها الجيشان: المغربي والجزائري، منذ استقلال بلديهما.

المغرب أطلق في الفضاء قمرا صناعيا عسكريا ذا طابع تجسسي بات يقظ مضجع النظام الجزائري

بناء القواعد جزء من القرارات العسكرية على طرفي الحدود

في المجلس الوزاري الأخير، مرر المغرب 3 مشاريع عسكرية، حسب “أوبسيرف ألجيري”، ولم تكن القاعدة العسكرية في جرادة في جدول الأعمال، لكن المغرب اتخذ قرارات، منها الإطار القانوني لتعزيز الأنظمة المعلوماتية والرقمية في المؤسسات العمومية، وصناعة وتجارة “توريد وتصدير” المواد الدفاعية أو العسكرية، وحماية واجب التحفظ في المجال العسكري أو تعزيز الانضباط العسكري(4)، وهو ما يعني أن بناء قاعدة “جرادة” ليست الأهم في الأجندة الرسمية، بل هناك صناعة بنيات عسكرية جديدة تأخذ بعين الاعتبار إعادة تجديد القدرة المغربية في الدفاع الجوي، ولذلك، فبناء القواعد ليس خطوة معزولة، بل قرارا ضمن استراتيجية متكاملة، وتدخل خطوة قاعدة “جرادة” ضمن استراتيجية يحاول الجزائريون تفكيكها.

وحسب نفس الجريدة، فإن كل قاعدة مغربية، في مذهب شنقريحة، ستقابلها قاعدتان عسكريتان جزائريتان، ولا تتعلق المسألة بتوازن بين القواعد المغربية والجزائرية على الحدود، أو بالتركيز على مضاعفتها، وعلى المغرب، في هذه العقيدة، أن يبني 12 قاعدة لتوازن 25 قاعدة جزائرية، لكن الرباط تفضل بناء “ميغا – قواعد” أو “قدرات مهنية”، إذ التوازن الكمي بين القواعد الجزائرية والمغربية ليس مقولة مهمة، بقدر ما سيكون الأهم هو “بناء قدرة عسكرية في التصنيع”.

وتعتقد الجارة الشرقية أن بناء قواعد تصنيع على الحدود، يشكل فجوة حقيقية مع الجزائر، لأن الرهان على التقنية العسكرية يشمل الأقمار الصناعية والأنظمة المعلوماتية وصناعة وتجارة المواد الدفاعية.

ومن المهم القول إن قدرة المغرب في هذه الحقول بلغت نسبا متقدمة على بعض القطاعات المدنية، من خلال:

1) القدرة على دعم رهان “الرقمنة” أو “المغرب الرقمي” الذي يراقب الجيش المغربي، وهو الذي يقود الحماية الشاملة للبنية المعلوماتية للمملكة.

2) جعل المؤسسة العسكرية جزءاً من التصنيع، فقبل إطلاق المغرب لقمره للتجسس العسكري، كانت له صناعة فرنسية للطيران، وأخرى فضائية على أراضيه، وحاليا، سيكون السعي إلى “الرقمنة العالية” جزء مما يراقبه الجزائريون.

وتبعا للمعطيات المقررة في ارتباط الأمن الرقمي والصناعي والتأطير القانوني لهما في المجال العسكري، فإن قدرة المملكة على بناء قواعد استراتيجية تتجاوز معامل “قاعدة عسكرية مغربية في مقابل ثلاثة قواعد جزائرية تقابلها عند الجنرال شنقريحة قاعدتان جزائريتان مقابل قاعدة مغربية”.

وسيكون هذا السباق التنافسي متواترا إلى حد قد يتحول أو ينتقل معه:

1) الانتشار العسكري للبلدين: الجزائر والمغرب، من عمقهما الترابي إلى الحدود، وهو ما حصل لأسابيع قبل حرب “الرمال”، ولذلك، فعقدة حرب “الرمال” تهيمن على التفكير العسكري لجنرالات المملكة والجزائر.

2) أن حرب العصابات التي مارسها جيشا البلدين في حرب الصحراء، تذهب إلى إعادة تدويرها، خوفا من حرب إقليمية، لذلك، فحالة الاشتباك العسكري المباشر أو غير المباشر دامت طيلة تاريخ الاستقلال من المواجهة المباشرة لحرب “الرمال” إلى المواجهة غير المباشرة عبر البوليساريو في حرب انتهت بوقف إطلاق النار بداية تسعينات القرن الماضي.

التكتيك المغربي قد يذهب إلى خطوة ذكية تبدأ من قاعدة “جرادة”، مرورا بقواعد على الحدود، وصولا إلى الجدار الدفاعي في الصحراء، وسينتهي الجدار إلى صعوبات إضافية وبنيوية لا تسمح باندلاع حرب مباشرة أو بالوكالة في المستقبل

إن المونتاج الاستراتيجي القاضي بلقاء الجدار الدفاعي أو تمدده إلى خارج الصحراء، وعبر باقي الحدود مع الجزائر إلى وجدة، يفيد أمرين:

– أن عسكرة الحدود مع الجار الجزائري قد يعزز إمكانيات الطرفين في شريط تسليحي واحد يفرض بناء جدار دفاعي حدودي مع الجزائر يشمل معه الصحراء، وبالتالي، يحاصر شرق الجدار الدفاعي في وجه البوليساريو، بحكم الكثافة المتوقعة للجنود المغاربة والجزائريين على كل الحدود.

ـ انتشار القواعد على طول الحدود، هو ترسيم واقعي أو ترسيم “الأمر الواقع” الحدودي بين البلدين، وهو ما سيدمج أو يبعد مطالب البوليساريو، لأن المغرب مرن جدا، بعد أن خاض حربا لأجل الصحراء الشرقية تنازل عنها، ويمكن له أن يواصل نفس المرونة لإقرار حدود ثنائية آمنة ودائمة بينه وبين الجزائر.

ولذلك، فالسياسة الحدودية للمملكة، لها بعد استراتيجي “غير مسبوق”، لأن ما قال عنه بوتفليقة “تقسيما للصحراء الغربية” كحل، انتهى في المغرب إلى تقسيم آخر بتنازل قانوني ونهائي عن الصحراء الشرقية.

وبمتابعة ترسيم الحدود مع الجزائر في تندوف، تنتهي قضية “الصحراء الغربية”، وبهذا، سيكون المغرب مستفيدا في “الصحراء الغربية”، وسيكون مرنا في متابعة ترسيمه لـ”الصحراء الشرقية” وعلى رأسها تندوف.

الجنرال شنقريحة يتفقد قوات جزائرية

وتبعا لرسم الخرائط المتوقعة، سيكون مهما جدا:

1) إجهاض خطة “جهنم”، بفتح قاعدة جزائرية في بئر لحلو على أراضي عضو مؤسس في الاتحاد الإفريقي الذي لحق به المغرب، لأن الجزائر عوض أن تفتح قاعدة في شرق الجدار، ستضطر إلى الرد على قاعدة “جرادة” وما بعدها، وعلى سائر الحدود، وبهذا الإجراء، سينشغل الجزائريون عن خطة “جهنم”، وربما باقي أهدافهم في الصحراء.

2) العمل مع الجزائريين على ترسيم الحدود، وبمرونة تضمن منع “حرب رمال ثانية”، وبالتالي، “حرب الصحراء الثانية”.

وبإبعاد أي سيناريو مثيل لحرب “الرمال”، ستكون أمام العسكري الجزائري تحديات أقل، فالغزو غير ممكن بضمانات معلنة، وكذلك الأمر مع العمق الجزائري، وبالتالي، سيكون من الطبيعي بفعل هذه التطورات، الوصول إلى تفاهمات حدودية حول درجة الانتشار وإدارة العمليات الممكنة على الحدود.

وعلى هذا الأساس، لابد من التذكير بأن الجيش الجزائري كان قد ضغط بقوة على الرئيس بومديان للوصول إلى تفاهم حدودي مع المملكة، رغم الخلاف الإيديولوجي الذي لا يسمح باتفاق الرئيس الاشتراكي الجزائري والملك المغربي.

واختار الجانبان تغليب مصلحة بلديهما، من موقعه وزير دفاع الجزائر قبل أن يكون رئيسا، وأيضا من الجهة المغربية، فقد أدار الحسن الثاني وزارة الدفاع، بعد الانقلابات.

قد يكون مهما، أن نؤكد على أن “اتفاق إفران” بين بومديان والحسن الثاني كان اتفاقا بين وزيري الدفاع ورئيسي الأركان، المغربي والجزائري، ومحاولة البناء على نفس الخطة، فيه جزء من الذكاء الاستراتيجي الذي يحاول المغرب العمل عليه بدل التدويل.

يقود الوزير الجزائري بوقادوم عبر كل الدول، ضغوطات دبلوماسية من أجل إبعاد التوتر عن الشريط الحدودي المغربي ـ الجزائري، لأن استراتيجية نشر القواعد على طول الحدود المشتركة، سيؤدي إلى أزمة تسليح، بعد دخول الجانبين في عقيدة الردع الاستراتيجي عبر تكثيف القواعد.

قاعدة “جرادة” لها أهمية استراتيجية، لأنها مقابل “مشوش ومعرقل” لعمليات المملكة انطلاقا من قواعد “وهران” تتقدمها القاعدة البحرية

ما تتخوف منه الجزائر هو الوصول إلى توازن يقوم بتحييد قاعدتها البحرية المتقدمة في وهران، عبر قاعدة “جرادة”، وبالتالي، فإن ما يحدث قد ينجم عنه “تحول استراتيجي” قد يعزل الجزائر (المتوسطية) عن غرب المتوسط وجبل طارق، كما فعلت تماما الرباط في عزل سبتة ومليلية.

وأمام هذه التقديرات المخيفة بالنسبة للجيش الجزائري، فإن قاعدة “جرادة” ستكون مؤثرة على الغرب الجزائري ومستقبل البحرية الجزائرية، ولذلك، فإن رفض الجزائر وجود قاعدة في جرادة “استثنائي”، لأن هناك قواعد في بوعرفة والراشيدية، وقاعدة “جرادة” مؤثرة، وفي مقابل قاعدة “وهران” تماما كما اختار المغرب قاعدة “القصر الصغير” في مقابل القاعدة الأمريكية “روتا” في إسبانيا.

وتبعا لاستراتيجية التحييد التي يمارسها المغرب (قاعدة بقاعدة)، فإن قاعدة “جرادة” ستكون مؤثرة و”عملا حربيا” إن تقرر أن تكون القاعدة استراتيجية ومجهزة بأعلى تكنولوجيا، كما هو مرتقب.

وإن استطاع المغرب التأثير على قاعدة “المرسى الكبير”، ونعرف مدى أهميتها  وأهمية قاعدة “وهران” منذ سنة 1505 مع احتلال رامون دي كاردونا منذ حملات شمال إفريقيا، فإنه يضع “تحييدا لها” انطلاقا من “جرادة”، ومن خلال قاعدة استراتيجية معيارية.

العاهل المغربي الملك محمد السادس القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية

ويدرك الطبوغرافيون، أن محور وجدة ـ جرادة هو في مقابل محور “المرسى الكبير” أو “عين الترك” وهران(5)، ونعرف أن “معركة المحاور” بين البلدين، أخذت أدوارا واسعة من عدة ملاحظات:

1) كسر هذا الرابط التاريخي بين إسبانيا ومحور وهران(6) (عين الترك)، ومحاصرة أي أثر لهذا المحور من طرف المغرب، هو نجاح له في حربه وحصاره على سبتة ومليلية، لجعل احتلالهما ليس مريحا.

2) نقل الثقل الاستراتيجي من محور وهران – المرسى الكبير (المعروف تاريخيا بحسم صراعات دولية(7) وأخرى جيوسياسية، بما فيها تحرير فرنسا من الاحتلال، وغيرها من الحسابات الأخرى) إلى محور وجدة.

ويطمح المغرب إلى خلق توازنات تضمن الوصول إلى أهدافه في سبتة ومليلية دون حرب، مع إدارة الظروف بما يناسب المصالح العليا للمملكة، فيما الجزائر تدافع عن قاعدتها “المرسى الكبير”، لثقلها الواسع.

وبالتالي، سيكون من البديهي للجزائريين عدم الاهتمام بفتح المغرب لقواعد عسكرية أخرى، إذ أن إغلاق قاعدة “جرادة” هو الجزء الرئيسي في هذه الاستراتيجية التي ينتهجها الجنرال شنقريحة.

الجنرال شنقريحة اختار معركته مع المغرب خوفا من بناء ردع في قاعدة “جرادة” يقزم استراتيجيا قاعدة بلاده البحرية في “المرسى الكبير”

إن بناء ردع جوي ضد السفن الجزائرية عبر قاعدة “جرادة”، سيعزل الجزائر بحريا، وهذه الرغبة الفرنسية القديمة لم تتمكن منها باريس لعقود، ويمكن أن يحققها المغرب، وبالتالي، فإن رؤية المغرب لمنطقة غرب المتوسط تختلف، بل يمكن القول أنها جديدة.

وتتميز هذه القدرة بالعمل على ثلاث توجهات:

1) الوصول إلى توافق حدودي، جزائري مغربي، يساعد فنيا وتقنيا على الوصول إلى تكريس أمن جهوي وإقليمي مشترك.

2) إعادة بناء القدرة البحرية الجزائرية في “المرسى الكبير”، والجوية في قاعدة “جرادة”، بما يناسب “الدفاع المشترك” وليس “التحييد”.

3) إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية للجانبين: الجزائري والمغربي.

وتبعا للخطط الموضوعة، فإن الجزائر والمغرب دخلا في رهان معقد يشمل:

أ) عقيدة بناء قاعدتين جزائريتين مقابل قاعدة مغربية، وبناء قاعدة جوية جديدة في وهران لتحييد الردع الجوي لقاعدة “جرادة” وأخرى للدعم، يفيد من جهة ثانية، أن القدرة الجزائرية قد تخرج عن أهدافها مقابل تبادل الردع مع المغرب.

ب) عقيدة الضغط الدبلوماسي لخفض سقوف الردع المغربية في قاعدة “جرادة”، لأن المهم هو منسوب الردع المتوفر في القاعدة، وليس قاعدة “جرادة” بحد ذاتها.

وإرسال الرئيس تبون وشنقريحة، وأكثر من مسؤول جزائري، لرسائل وإشارات إلى المغرب، لم يعد خافيا على الدوائر الدولية، وبالتالي فإن خرائط القاعدتين الجزائريتين مقابل قاعدة “جرادة”، لها أبعاد عملياتية إلى حد بعيد، وقد تذهب الأمور بشكل آخر إلى تقويم العلاقة الجزائرية ـ المغربية لحل كل الأمور العالقة.

وتتخوف الجزائر من ثلاث نقط:

1) اعتبار قضية الصحراء، في آخر المطاف، قضية حدودية، تنتهي بتسوية في ترسيم حدود تندوف، وتسهيلات يراها الجانب الجزائري في إطار التعاون، وهو ما يؤسس لفرص أخرى.

2) بناء ردع جوي من قاعدة “جرادة” في مواجهة القاعدة البحرية “المرسى الكبير”.

3) بناء قدرة هجومية على الحدود عن طريق انتشار القواعد على جانبي الحدود المغربية ـ الجزائرية.

وبناء عليه، فإن نقاش رؤية ثنائية جديدة، هو الحل، لأن كلا البلدين لهما خططهما الخاصة والبعيدة عن الأمريكيين والفرنسيين.

والبدء في حوار استراتيجي بلا طابوهات أو خطوط حمراء، اقتراح مغربي، لكنه أتى في مناسبة ترتبط بضم الصحراء (عيد المسيرة)، وبالنسبة للجزائر، فإنها تريد اعتذارا عن اتهام الجزائر في عملية إرهابية تعود إلى سنة 1994 عرفتها مدينة مراكش، وعلى إثرها أقفلت الحدود البرية بين البلدين إلى اليوم.

ولأن إدارة “تبّون” لا تركز على الاعتذار، فإن الحوار بدأ بدعوته إلى المبادرة في القضية الليبية، ثم بالحوار عن طريق عرض الاقتراحات التي يمكن للجزائر  تعديل بعضها.

ويبدأ الحوار العملي، وليس المطلوب حوارا يكون جزء منه تسجيلا للنقط، خصوصا وأن الجزائر تحضر جولات جنيف حول الصحراء إلى جانب المغرب، لذلك، فإن قدرة المغرب والجزائر قابلة للتحقق على بناء “ردع” و”ردع مضاد” على جانبي الحدود الجزائرية ـ المغربية، وبالتالي، فإن نشر قدرات هجومية عبر جانبي الحدود قد يؤثر على الأمن الإقليمي.

ويفضل الجزائريون والمغاربة العمل بأعلى درجات الاستعداد الهجومي مع إيمانهم بعدم الوصول إلى حرب، فقد تتكرر المناوشات بشكل قاس، على أن تكون الأمور في حدود الحرب القتالية بالوكالة، وباقي الحروب الأخرى منحصرة في الدبلوماسية.

واليوم، لن تتحول “حرب القواعد” إلى سيناريو “الحرب الشاملة”، وهذا الخيار أصبح جزءا من قناعة الدولتين، إذ أن الخطوط الحمراء التقليدية لا تزال سارية إلى الآن.

هوامش:

25 bases militaires algériennes prés des frontières marocaines (FAR Maroc).

Provocation: les satellites marocaines épient les bases algériennes, Algérie patriotique. 14/7/2020.

Le Maroc construit une base militaire prés de la frontière avec l’Algérie, Observ’Algérie. 24/5/2020.

Le Maroc renonce – t – il a la construction de sa base militaire à la frontière avec l’Algérie? Observ’Algérie. 10/7/2020.

Axe Oran –ainturk: le projet de confortement; le quotidien d’Oran; 23/09/2019.

Oran au XVIIe siècle: revue algérienne d’anthropologie et de sciences sociales; n° 23 – 24, 30 juin 2004 ; p:197.

Rudy cantel, l’attentat de mers el kebir, paris 1941.

الناس/عن موقع جريدة “الأسبوع”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.