Modern technology gives us many things.

مجلس “التشَيْطين” و “التّغياز”!! 

0

نورالدين اليزيد

نورالدين اليزيد
نورالدين اليزيد

لم أستغرب من الأجواء الخبيثة (الشريرة) التي نقلتها التسجيلات التي بثها الصحافي حميد المهدوي مساء يوم الخميس، على قناته في يوتيوب، ببساطة لأني واحدٌ مِمّن لُذغ من نفس الجُحر قبل نحو أربع سنوات، وسأسرد في متن هذا المقال بعضاً من خُبثٍ وصلني في حينه، من عُقر المجلس الوطني للصحافة، بل ومِن داخل ما تسمى ظُلما وجورا وكذِبا لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية التي تشرف على “معاقبة” “غير المُؤدبين” وفق رؤيتها للآداب الصحفية! ولكن استغرابي إن كان، فإنما ينصب على هذا الحجم الهائل من المكر والحقد الذي يمكن أن يُكنه لك مَن هو مفترض أنه زميلٌ، في تجسيد فج ودنيء لمقولة “خوك في الحَرْفة عْدُوك”، حيث يُصر “الزملاء” في “اللجنة التأديبية”، على العمل على إنزال أقصى عقوبة على الزميل المهدوي حتى يتم تجريده من صفته الصحفية، ويُلقى به في متاهات المحاكم في إطار القانون الجنائي. وكل ذلك بعدما “يغيزو ليه” (أي يجعلوه مبررا ولو زوراً) الملفَ، و”بتشيطين” (بمكر وخبث) معتَبر، كما قالوا خلال جلستهم تلك الأشبه بمؤدبة لئام تُحيك المكائد ضد زميل يتحدثون عنه بِغِل وروح انتقام غير عادية!!

بدايةً، نكاد نجزم بأن الذي نشره المهدوي هو حقيقي -ويا حسرة على قبيلة الصحافيين- لأن اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة، غير المحترمة، على الأقل كما ظهر أعضاؤها في مقاطع فيديو المهدوي وهم يتلفظون بتلك الألفاظ الوضيعة، لم تستطع تكذيبَ ما سُرّب ونُشر من فظاعتها وقُبحها في جلسة محاكمة الزميل؛ حيث إن البلاغ المرتعش الساذج الصادر عنها، يوم أمس الجمعة، لم يُكذب بصراحة ما ورد في التسجيلات، واكتفى في جانب منه بكلام عمومي فضفاض مرتبك وملتبس، من قبيل أن المهدوي نشر على قناته في يوتيوب “تركيبة منتقاة من أقوال وصور لاجتماع داخلي للجنة”. وهي فعلا تركيبة منتقاة كما أكد صاحب النشر نفسه، حيث أخبر الجمهور أنه انتقى فقط المقاطع التي رأى أن فيها تحاملا عليه وتحريضا ضده، وأنه لن ينشر باقي المقاطع “رغم خطورتها”، كما قال، والتي لمّح أو صرّح بأنها تهم حديثا بطريقة أو بأخرى عن مؤسسات وأشخاص معينين. والمثير للسخرية والعجب أكثر هو اتهام البلاغ للمهدوي بـ”التشكيك” -هكذا- في الذمة المالية لأحد أعضاء الهيئة، وكأنهم بذلك يصبغون أنفسهم بصبغة التقديس والألوهية المنزهة والمعصومة من الخطإ، مع أن سواء التسجيلات الحالية أو التسريبات السابقة، وقد وصلنا كثير منها، منذ سنوات، تضع عددا من أعضاء هذه الهيئة في شبهة تهمة الفساد، وتلبسهم لبساً!!

خلاصة الحديث عن هذه الهيئة التنظيمية لقبيلة الصحافيين، التي تعرّت سوءتها اليوم وباتت مكشوفة ومفضوحة أمام الجميع، هو أن ما نشره المهدوي هو دق ناقوس خطر شديد، لا يهدد الصحافة والصحافيين فقط، بل المؤسسات والقانون وسُمعة البلاد في الداخل والخارج. ما يتطلب موقفا شجاعا من كل غيور على الوطن بالتدخل ووقف هذا الاستهتار والاستغلال السيء للقانون والمؤسسات والسلطة، من أجل مصالح شخصية منحطة ودنيئة.

وبغض النظر عن ارتباك البلاغ وبلادته، وافتقاده لقوة حجية سبب نزوله/صدوره، وبأنه كلام إنشائي وزعْم باحترام كاذِب ومُزيف للأخلاقيات والأدبيات، المفروض أنها تؤطر عمل أعضاء لجنة الأخلاقيات وأمُّها “غير الشرعية” المسماة “اللجنة المؤقتة”، المنتهية الصلاحية والشرعية القانونية، فإن محرري هذا البلاغ لم يخبروا الرأي العام بصميم وجوهر الموضوع، وهو مدى قانونية تصوير جلسة تأديبية داخل هيئة مهنية للتنظيم الذاتي، دون إذن الزميل المهدوي. وهذا ما يقود بالنتيجة إلى التساؤل، عما إذا كان جميعُ من مرّوا من هناك من الصحافيين، بمبرر الخضوع لجلسة استماع أو تأديب، قد طالهم أيضا نفسُ ما طال زميلهم من تنمر وتحقير ومساس بحقوقه، بما في ذلك حقه في مساندة محاميه، في تحدٍّ صارخ وصفيق للقانون والمؤسسات. وهنا فإنه من الوارد أن تكون حقوق هؤلاء وخصوصيتهم الشخصية قد انتُهكت، ولذلك من حقهم أن يلجأوا إلى كل الطرق والسبل، بما في ذلك القضاء، لاستجلاء الحقيقة. وهو ما يخالج فعلا صاحب هذه السطور منذ إذاعة التسجيلات الفضيحة مساء أول أمس الخميس!

الأنكى والأخطر في ما سرّبته وفضحته مقاطع فيديو تسجيلات الصحافي حميد المهدوي، هو ما صدر عن بعض أعضاء اللجنة المؤقتة من أقوال وإيحاءات بتواصل بعضهم بشخصيات عمومية في منصب المسؤولية، وبمؤسسات دستورية حيوية ذُكرت بالاسم والصفة، إما تصريحا أو تلميحا؛ حيث ورد اسم السيد محمد عبد النباوي الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى ‏للسلطة القضائية بالبلاد، إذ أوعز أحدُهم لأحدِهم، وبطريقة توحي بوجود علاقة سالكة وميسرة بالمسؤول، بتوجيه “كلمة” (Un petit mot) -هكذا بفرنسية فصيحة- إليه، قاصدا التدخل لدى المحكمة في قضية الذي يكيدون ضده، الصحافي المهدوي. هذا وحده مساس خطير ورعونة غير مسؤولة تستدعي تدخل النيابة العامة بقوة وبحزم لفتح بحث قضائي في الموضوع تحت طائلة توقيع ما يلزم من عقوبات لمن يستحق.

ولكن وقبل ذلك ينبغي لرئيس الحكومة وللوزير الوصي على القطاع، التحلي بما يلزم من مسؤولية سياسية وأخلاقية، واتخاذ ما يلزم في حق هؤلاء الأعضاء، وهذه الهيئة، التي تحولت من إطار للتدبير والتنظيم الذاتي للصحافة والصحافيين، إلى جُحر حقير لحوْك و”تغياز” المكائد الدنيئة والتصفية المعنوية للزملاء في المهنة.

ولأنني لُذغت قبل ثلاث سنوات من نفس الجُحر الذي لُذغ منه اليوم الزميل حميد المهدوي، ولأن المناسبة شرط، فإني أُذكر هنا باقتضاب بقضيتي النّزاعية مع المجلس الوطني للصحافة، ومع لجنة الأخلاقيات هاته التي غاب عنها بعض الأعضاء وحضر آخرون، في عهد “اللجنة المؤقتة”، لكن بقيت نفس الوجوه المتحكمة في الزّمام؛ حيث في بداية صيف 2021 استدعاني المجلس للمثول أمام لجنة الأخلاقيات هاته، سيئة السمعة اليوم، على خلفية مقال لي نشرته على حساباتي في مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى جريدة “الناس” الإلكترونية، وتحدثت فيه ما اعتبرته تجاوزاتٍ وشروطاً مجحفة في منح البطاقة المهنية، مُسيقاً في الحديث اسمَي كلٍّ من يونس مجاهد وعبدالله البقالي، باعتبارهما المتحكمين في كل قرارات المجلس، بما فيها مَنح البطاقة المهنية، وهو ما بات ليس خفيا على أحد إلى يومنا هذا الذي تتفجر فيه هذه الفضيحة الكبرى المدوية. وهو المقال الذي اعتبره المجلس غير المُوقّر “تهمة نشر ادعاءات وأخبار زائفة”.

وحضرتُ المجلسَ في اليوم الموعود برفقة المحامي الأستاذ الصديق السيد إدريس بوقطب من هيئة القنيطرة، ورجعنا إليه مرة ثانية، بينما أعضاء لجنة الأخلاقيات في كل مرة كانوا متصلين بـ”الفيديو كونفرانس”، عن بُعد، في ظل تطبيق بروتوكول الحظر الصحي حينئذ بسبب وباء “كوفيد19”. وفي الجلستين معا سجّل مؤازري الأستاذ بوقطب العديدَ من الخروقات الشكلية والإجرائية في مسطرة استدعائي ومتابعتي مِن قبل اللجنة. وليس هناك أكثر فداحة ووقاحة من الخروقات أن يتحول بقدرة قادر رئيسُ لجنة البطاقة المهنية إلى أحد أعضاء لجنة الأخلاقيات، خلال مسطرة “تأديبي”، وأقصد العضو بالمجلس عبدالله البقالي، مع أنه كان من بين اثنين قصدتُهما في مقالي، موضوع الشكاية، قبل أن يتفرد يونس مجاهد بتقديم تظلّمه ضدي بصفته رئيس المجلس، ولتتم “المحاكمة” بتلك الطريقة العبثية، حيث يتحول الخصم (البقالي) إلى حكَم، في مسرحية سمجة تكشف عن كثير من الازدراء للقانون والمؤسسات، وعن منحى انتقامي لدى بعض أعضاء المجلس، جعلني لا أتردد في الكشف عنه خلال جلسة الاستماع، عندما خاطبتهم جميعا بقولي الصريح الذي لا لبس فيه: طريقة تعاملكم معي هاته السلطوية الخالية من أي اعتبار كزملاء، وعدم تقبلكم انتقادي لم أواجهها للأسف حتى من لدن السلطة، وتحديدا من قبل السي الحموشي الذين أنتقدهم صباح مساء وبأكثر قواميس النقد حدة!!

وقبل إصدار الحُكم ضدي -وهنا أكشف عن بعضٍ من الأجواء غير الأخلاقية التي تسود، فيما بين أعضاء المجلس، تماما كما أظهرتْ مقاطع فيديو المهدوي بعضاً من خبث هؤلاء بينهم- عمد أحد أعضاء لجنة الأخلاقيات إلى التواصل معي بالهاتف، حيث بعدما أبدى إعجابه بكتاباتي، اقترح علي ما يشبه الصلح مع “مُجاهد”، وذلك بتقديم اعتذار مكتوب وسحب المقال موضوع الشكاية، و”مريضنا مامشى معه باس”. ولكني رفضتُ هذا الصلح المزعوم، لأنه بلا موضوع في الأصل، ولا أعتبر ما كتبتُ يرقى إلى مستوى خصام أو اتهام لأحد، وإنما هي طريقة كتابتي التي قد يعتبر البعض صلابتَها سبّا أو تهجّما. وقبل أن يودعني العضو المكلف بتقديم عرض التهدئة، تبادل معي كثيرا من كلام ودي، وأخبرني أنه سيعاود الاتصال بي. وبعد أيام قليلة فَعلَ، وقبل أن يخبرني بالحُكم الذي قرروه ضدي، خاض في أمور كثيرة ومتشعبة، شخصيا ومهنيا وعلى مستوى سير العمل داخل هيئة المجلس، قبل أن يكشف لي أن لجنة الأخلاقيات كانت بصدد الاكتفاء بتوبيخ بسيط ضدي، ولكن العضو الطارئ عليها والنقيب السابق للصحافيين -يا حسرتاه- عبدالله البقالي أصرّ إصراراً عجيبا على معاقبتي بسحب البطاقة لفترة ستة أشهر، قبل أن يقنعوه بثلاثة أشهر فقط وهو ما تم فعلا.

وعوض أن يصدر عني ما يمكن أن يُعتبر أمراً طبيعيا كردٍّ غاضب ضد هذا “البقّالي”، تكلف زميلنا من لجنة الأخلاقيات بالأمر، ولعنَه لعْنا بذيئا استغربه مسمَعي وخاطري، وكأنه أكثرُ مني ضرراً من زميله في المجلس! ونُفذ الحُكم ضدي وأودَعْت بطاقتي المهنية لديهم ثلاثة أشهر، علما أنها كالعادة تبقى بمحفظة أوراقي طيلة سنة دون مساس، ولا أستعملها بالمرة كما لا أستعمل حتى بطاقة مجانية التجول بالقطار إلا مرات جد محدودة في السنة ولا تتعدى عدد الأصابع في يد.

خلاصة الحديث عن هذه الهيئة التنظيمية لقبيلة الصحافيين، التي تعرّت سوءتها اليوم وباتت مكشوفة ومفضوحة أمام الجميع، هو أن ما نشره المهدوي هو دق ناقوس خطر شديد، لا يهدد الصحافة والصحافيين فقط، بل المؤسسات والقانون وسُمعة البلاد في الداخل والخارج. ما يتطلب موقفا شجاعا من كل غيور على الوطن بالتدخل ووقف هذا الاستهتار والاستغلال السيء للقانون والمؤسسات والسلطة، من أجل مصالح شخصية منحطة ودنيئة.

وأما بالنسبة لأولئك الذين ظهروا في المشهد الأرعن المهين، فبدل أن يفضلوا سياسة الهروب إلى الأمام بالتهديد بالقضاء، فالأولى لهم أن يرضوا بقضائهم وقدرهم اللعين هذا الذي وضعوا أنفسهم فيه، بهذا الغباء البيّن، وينسحبوا في هدوء، ليس فقط من هذه الهيئة التنظيمية التي حوّلوها إلى هيئة رخيصة ومنحطة بتصرفاتهم غير المحسوبة، بل من مهنة الصحافة ككُل إن كان بقيَت في وجوههم حُمرةٌ من خجل!

والسلام

[email protected]

ملحوظة: هذه المقالة نشرها كاتبها على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وإكس على شكل تدوينة مطولة                                                        

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.