نورالدين اليزيد
دلف عبد الإله إلى داخل البيت وهو يترقب هرولة أحد أحفاده إليه ليعانقه، كالعادة، لكن استغراقه في حديثٍ إلى مرافقه الذي لم يكن غير عبد الله، جعله لا يُعير كبيرَ اهتمام إلى الحفيد الذي سرعان ما التصق بإحدى ساقيه ينتظر انحناءة عطف وقبلة جدّ حنون..كما لم يثر انتباهَه الصخب غير المعهود الآتي من صحن بيته..
أم الأبناء والأبناء والبنات يخوضون في أحاديث حول المهرجان، تتخللها ضحكات الرضا، على ما يبدو، وقد تكون قهقهات سخرية من الذي ظهر قبل قليل على الشاشة يلبس سروالا قصيرا إلى الركبتين وهو يؤدي واحدة من روائعه التي هزت أحاسيس الآلاف المؤلفة من أبناء وبنات مدينتهم..بينما اسم “محمد عبده” الذي نطق به أحدهم جعل عبد الإله ينقطع عن الحديث إلى المرافق الدائم ويصيخ السمع..ظنه في البدء محمد عبده صاحب “العروة الوثقى” وفقيه الدين الذي عمل طوال حياته على العمل على التجديد في الفقه الإسلامي..لكن بسرعة تأكد عبد الإله أن الأمر يتعلق بصاحب “ليلة خميس” و”أبعاد” و”بنت النور” وغيرها من الروائع، فنان العرب محمد عبده..
بعدما قطّب حاجبيه في إشارة معروفة من أهل البيت تنم عن غضبة ربّ هذا البيت.. وبسرعة فائقة وحتى قبل أن ينبس ببنت شفة خفضت إحداهن من صوت التلفاز الذي تأكد لعبد الإله أنه كان يبث سهرةً فنية حيةً كغير العادة !
آش هاد لمسخ.. !!تساءل عبد الإله وهو على تلك الشاكلة التي يعرفه بها ليس فقط أهلُ بيته ولكن حتى كلّ أهل وطنه..وأردف..طفِي عْليا (..)..طفي هادْ لحرام !!
إنه مهرجان موازين آسي عبد الإله..أجابت إحداهن بجرأة غير معهودة ! ولوْ…ردّ عليها بغير قليل من الصرامة..قبل أن يضيف: مزيان..قال ليك موازين !!! ووضع يده على عضد عبد الله ودخلا إلى غرفة اعتاد الجلوس بها مع ضيوفه..
نظرتِ البنت إلى والدتها قبل أن تبادرها باستنكار..ألم يغضوا الطرف عن المهرجان؟..إذن لماذا يجعلونه حلالا على أبناء الشعب وحراما على أبنائهم..ألسنا أبناء هذا الشعب !! (هذا تصوُّر افتراضي).
والحقيقة التي يجاهد السيد عبد الإله و”إخوانه” النفس في البحث عن مصوغات وتبريرات لمحوها من ذاكرة المغاربة، هي وقفاتُهم الاحتجاجية الكثيرة التي لطالما رفضت مهرجان “موازين” الثقافي والفني العالمي، الذي بات –بالرغم من كل تحفظاتنا عليه- يستقطب أبرز النجوم العالميين، لأنه ببساطة أصبح من العشر الأوائل في العالم فيما يخص مهرجانات الغناء العالمية..ولكن حزب عبد الإله اليوم وباستثناء مناوشات هنا وهناك من بعض المنتسبين إليه، فإننا اليوم لا نسمع له تلك “الجذبات” التي كان رئيس الحكومة الحالي وإخوانه كلما اقترب شهر ماي، وهو موعد المهرجان، إلا واحتشد مريدوه وأتباعه رافعين اللافتات، منددين بما يسمونه، أو لنقل، بما كانوا يسمونه “المنكر الذي يدخل العادات الذميمة إلى الشعب، والذي يلهي أبناء هذا الشعب على الاستعداد الجيد لامتحاناتهم المتوازية مع تاريخ المهرجان !
وسبحان مُبدّل الأحوال الذي قال في محكم كتابه “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”.. فالمهرجان بقي هو هو، وأنت يا أخي عبد الإله، تبدلت وغيرت حتّى لغتك اتجاه هذا المهرجان، وبعدما كنت تهاجمه وتهاجم باقي المهرجانات الأخرى، وتصفها بأفظع النعوت وأحطها، ها أنت اليوم تعلل نكوصك عن “الدعوة” و”الوعظ” وتقلّبك من حال إلى حال، بكون المواطن في حاجة إلى معالجة ملفات أخرى اجتماعية ذات الأهمية القصوى كالتعليم والصحة والمعيشة وغيرها..لكن هيهات كان ذلك حقيقتك ودأبك وأنت على الكرسي الوثير والسيارة الفارهة !
شخصيا لا أحضّك، ها هنا، على تغيير “منكر” لم يوجد يوما إلا في قواميس “جماعتك” وأذهان مريديها، لكن فقط هي ذكرى لعل الذكرى تنفع من أراد ذلك، وفقط لأن مهرجان “موازين” ذكرني بـ”الموازين القسط” وما أدراك ما هي ! ولن أكون أبرع ولا أنبه مِن أضعف عضو في جناحكم الدعوي “التوحيد والإصلاح”، لأقول لكم إذا سألتموني عن المعنى الذي تحبل به العبارة القرآنية، بأنها تعني العدل والعدالة، التي ظننا أنها ستتحقق على الأقل في بعض تجلياتها، عندما جئتم إلى الحكم، ولاسيما فيما يتعلق بما بات شعارا وأصلا تجاريا مُربحا لكم ولغيركم ألا وهو العدالة الاجتماعية.
ويبدو أن لا أحد من مريديكم ولا من فقهائكم وقياداتكم الدعوية والحزبية، على شاكلة “الفقيه” و”المفكر الإسلامي” المقرئ أبو زيد الذي خاطب هذا الأسبوع بالبرلمان، وزير الاتصال و”أخاه” في التنظيم الدعوي مصطفى الخلفي، متحدثا عما سماها “المعاناة التي تعيشها الأسر المغربية من التسطيح والغثاثة فيما يعرض من برامج في القنوات العمومية في رمضان”، ليرد عليه الوزير، بأنه “عيب وعار أن يتحول المغرب إلى ماخور مِكسيكي”..لا أحد مِن مثل هؤلاء الجهابذة كانت له الجرأة ليقول لك بأن “المعاناة” و”العيب” و”العار” هو عدم القدرة أو هو الخوف -بصراحة- من الاقتراب من مجرد مديرة أخبار بإحدى القنوات التلفزية في الوقت الذي تديرون القطاع بل وتديرون الحُكم !
لا أحد من هؤلاء، الأخ عبد الإله، هداك إلى أن الاقتطاع من جيوب الفقراء لأجل ملإ صندوق المقاصة، ثم بعدها تنفقون منه على أبناء الفقراء الدارسين في الجامعات في شكل منح جامعية، وهي حق كان أولى أن يُقتطع من الضرائب لا من الزيادة في أسعار العديد من المواد الحيوية، فتعتبرون ذلك “إنجازا تاريخيا” بينما الله وحده يعلم أن استهداف أزيد من 230 ألف طالب أي 230 ألف أسرة مغربية، مع افتراض أن كل طالب هو ثالث ثلاثة، على الأقل، ما يعني أن الرقم يصبح 690 ألف مواطن، ما يمثل أكثر من ثلثي الأصوات التي أوصلتكم إلى الحُكم..هذا يجعل المرء يشك في أنّ هناك “إِنّ” في “القضية” وأنها “موزونة” ! ومع ذلك لا أحد منكم قال أن مِثل هذه الأفعال “عيب”، وأن الشعب ليس على هذه الدرجة من البلادة والغباء.
سنغلق القوس ها هنا في الحديث عن الواقع في انتظار فتحه لاحقا، ونعود فنسترسل مع “التصور الافتراضي..”.عندما أخذ الأخ عبد الإله مكانه بالقرب من عبد الله وقبل أن تأتي الصينية المحملة بالشاي، كان الاثنان قد بدءا في تبادل أطراف الحديث.. لم يكن حول الحكم والملفات التي تم تداولها في ذاك النهار، وإنما حول “محمد عبده” و”محمد عبده”..الرجلان تبادلا نظرات ذات مغزى قبل أن يُقِرا معا أن الذهاب بعيدا في إرغام الناس على التوجه إلى قنوات “إقرأ” الدينية و”الشروق” السودانية التي تقدم فقرات وسهرات الدف والابتهال، و”غيرها” من القنوات التي تحمل من الكآبة والحزن أكثر مما تحمل إلى مشاهديها من الفرح والأمل والفرجة، هو ضرب من العبث..وكان أجدر بنا –قال أحدهم وهو يتنهد- أن نصارح الشعب من البداية بأننا لن نمارس الدعوى عندما نصل إلى الحكم، ولكن سنكون حزبا سياسيا وكفى ! بينما ردد الآخر قوله عز وجل في سورة الأعراف: “والوزنُ يومئِذ الحَقُّ فمَنْ ثقُلت موازينُه فأولَائك همُ المفلحونَ، ومن خفّت موازينُه فأوْلائِك الّذِين خسِروا أنفسَهم بمَا كانوا بآياتِنا يَظلِمُون”..فتبسّم الأول وقال..على الأقل هذه مزية وحسنة لمهرجان “موازين”..يذكرنا بخير الذِّكر.
وكل موازين وأنتَ بخير آخاي عبدُه !