نورالدين اليزيد
رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الذي رفع شعار “رابعة” في وقت سابق تفاعلا مع هتافات شبيبته، في أحد مؤتمراتها، سيكون في موقف لا يُحسد عليه عندما تستقبل الرباط خلال أيام رئيس مصر والجنرال السابق، عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى قصر الاتحادية على متن دبابة وبعدما داس على جثت المئات من أبناء أرض الكنانة..
إنه الموقف الذي ما كان ليحدث لإسلاميي الحُكم ببلادنا لو أنهم تخلوا عن النزعة الحزبية الضيقة المقيتة منذ مدة ووضعوا نصب أعينهم مصلحة البلاد فوق ذاك الاعتبار..فأين المشكلة؟
في العلاقات الدولية هناك مبدأ تحترمه غالبية الدول والأمم بل وتقدسه أحيانا حفاظا وضمانا لمصالح شعوبها، إنه مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ فلا يهم دولةً طبيعة النظام السياسي لدولة أخرى وما إذا كان نظاما ديمقراطيا أم ديكتاتوريا، والمهم بالنسبة لتلك الدول هو حفاظ هذا النظام على الاستقرار العام في إقليمه ومحيطه..هذه ليست دعوة مجانية للاعتراف بحكام تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، بل إنه واقع السياسة الذي يجعل أمما عريقة في الديمقراطية تقبل بالأمر الواقع لأجل الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية.
إصرار الحزب الحاكم ببلادنا على معاداة حكام القاهرة الجدد، ولو ضمنيا، وابتعاده عن نهج براغماتية مطلوبة بإلحاح في الوقت الحالي، جعل قوى إقليمية تنظر بعين الريب والشك إلى التجربة المغربية ما بعد الربيع العربي، لاسيما عندما يصدر حزب بنكيران بيانات كانت تحرج النظام، من قبيل ذاك المندد بالتدخل العسكري الفرنسي في دولة مالي لمحاربة الجماعات المسلحة، بينما كانت تقارير تتحدث عن دعم لوجيستيكي مغربي للقوات الفرنسية..
ويبدو أن إبعاد القيادي في الحزب سعد الدين العثماني عن وزارة الخارجية بل وعن الحكومة بالمرة لم يؤثر في بنكيران وحزبه ليغيروا بوصلة توجهاتهم، رغم أن ذلك الإجراء كان مليئا بالرسائل ! وبدل التقاطها من طرف رئيس الحكومة والذهاب لحضور حفل تنصيب السيسي رئيسا لمصر، ولو بتلك الطريقة الدموية التي يرفضها كل مؤمن بالتداول السلمي على السلطة، أصر على موقفه الرافض للقادمين الجدد إلى قاهرة المعز الذين أطاحوا برئيس منتخب شرعيا..هذا يعني مزيدا من التقوقع لحزب العدالة والتنمية بل والتمادي في عصبيته التي تقوم على اعتبار الآخر عدُوّا، وفي أضعف الأحوال، خصما إلى أن يثبت العكس وهو ما لن يحدث ما دام الأمر يتعلق باختلاف في الإيديولوجيا..ومقولة “إما مِنّا (معنا) أو ضدنا” لا تضمن استمرار نظام سياسي فبالأحرى أن تطيل أمد حزب في السلطة !
النتيجة هي مزيد من تضييع الوقت ومعه تضييع الفرص تلو الأخرى من طرف حزب يقود حكومة بلد يناهز سكانه 35 مليون نسمة أو يزيد، مع أنه كان بالإمكان التطبيع مع القاهرة مادام أن حزب المصباح تبرأ أولا من انتمائه للإخوان، وما دام ثانيا أن هناك مصلحة وطنية تقتضي عدم تجاهل أهمية دولة كمصر مهما اختلفنا مع نظامها السياسي..
قد يقول قائل إن القضية تتعلق بمبدأ، ووضعُ مسافة بين حزب إخوة بنكيران بمن فيهم الوزراء وبين ساسة مصر الجدد يمليه واجبُ التضامن مع حزب جماعة الإخوان الذي جاءت به هبات الربيع العربي كما جاءت بحزب العدالة والتنمية، هذا عدا عن المرجعية الدينية المشركة حتى ولو كره ذلك إسلاميونا ورفضوها عبر تصريحاتهم الدعائية ! إلا أن الجواب لا يعدمه حزب بنكيران، بحيث لطالما كانت تبريراتُ سياساتٍ شتى سنّوها وطنيا مغلفة بالمصلحة الوطنية؛ فرفعوا من الأسعار وزادوا من حجم الضرائب وتركوا الخمور تملأ المحلات التجارية مقابل الزيادة في التضريب عليها لملإ الخزينة بمزيد من السيولة، وضربوا صفحا عن مهرجانات فنية كانوا يقولون إنها تشجع على الانحلال الخلقي.. كل ذلك كان باسم المصلحة الوطنية، فماذا يضيرهم لو أنهم كانوا تبنوا هذه المصلحة الوطنية المفترى عليها ومدوا أيديهم لأيدي السيسي وحكومته؟ !
المشكلة أن إسلاميي الحكم بالمغرب يؤكدون من جديد أنهم يهتمون بالمصلحة الحزبية أكثر من المصلحة الوطنية..هذه المصلحة الأخيرة التي سيلوذون إليها مُكرهين ورغما عن أنوفهم في 21 من هذا الشهر !!