Modern technology gives us many things.

الليلي انفصالي… يا ويلي

0

أحمد الجلالي

استيقظنا ذات يوم وأردنا أن نصل الرحم البصري مع أمنا “الأولى ” فلم نجده.قال قائلون إنه في عطلة. ثم طالت الأيام والأسابيع فسمعنا أن له معهم أو لهم معه مشكلة.لا أتذكر جيدا.ثم مر حبل الأيام سريعا فلم نعد نراه إلا في مظاهرة أو في لقاء تضامني أو في شريط فيديو جديد فاضحا ومهاجما ومنددا.

وبعد قرابة سنة ونصف، وبدل أن يجيب من طردوه من عمله عن أسئلة محرجة، صار عليه هو أن يثبت أنه “مغربي كامل” وأنه ليس “انفصاليا”، بالتالي.

وقبل أن يوسم بالانفصال صار الرجل وقضيته تيارا كهربائيا عاليا هرب من خطره زعماء الأحزاب والوزراء والوجهاء والزملاء على حد سواء.

هذا تمرين أدبي لكيفية كتابة قصة قصيرة جدا.

دعونا من حديث الأدب في زمن قلة العقل والأدب. ربما صدق الوزير لحسن الداودي الذي اراد حذف شعب الأدب، لعلمه أن أهل الأدب غابوا فعلا.

هل عرفتموه؟ إنه الزميل محمد راضي الليلي، ذلك الصوت العربي الفصيح بلكنة أهل الصحراء المغربية الذي فرض نفسه بجدارة على شاشة المغاربة في تلفزيونهم الوطني. لكن بين ليلة بلا نجوم وضحى غائم عصفت به “البارودي” بطلقة كادت تصيبه في مقتل وطوحت به من نجومية الشاشة إلى ساحات الاحتجاج.

اتصل كثير من الزملاء في بداية القصة بفاطمة مستوضحين، وعبثا حاول آخرون مع كبير القطب العمومي العائم تحت الاحتباس الإبداعي، فكان رجع الصدى صمتا في صمت في صمت..وكان البحث عن وجهة نظر الطرف الأغر، عفوا الطرف الآخر مثل البحث عن هوية جنين في بحر به ظلمات ثلاث. الحقيقة أن لدينا في هذه البلاد رسميين لهم احتياطي يفوق كميات فوسفاط الجرف الأصفر من مخزون “زمان الفم”..والعرايشي فيصل صار سيدا في هذا الباب.

وبينما ضربت فاطمة وفيصل الطم في قضية مبررات طرد الليلي، كان للأخير ما يكفي من القدرة على الحديث والتحرك وحشد الدعم والتعاطف لقضيته حتى صارت قضية رأي عام طيلة أربعة عشر شهرا، تمخضت عن واحد وخمسين لقاء، كان آخرها بالخميسات.

تحدث يا فيصل، قولي شيئا يا فاطمة؟؟

السكااااااااااااااااااااااااات.

مالكم زامين فامكم؟

حنا هاكا دايرين.

سبحانك ربي سبحانك.

وليست البارودي ومديرها فقط من صاما عن الكلام، بل حتى الصحف الورقية فقدت فجأة حماسها لأخبار الليلي وتخلى الزملاء تباعا عن الرجل، وتفرقت حال الألسن بين قائل لا غالب إلا الله ما لقينا لو جهد، ومتشف إلى آخر لا مبال، إلى أناني يقول لأعماقه: ونا مالي؟

ونحن على أبواب عيد الأضحى وفي حمأة الدخول المدرسي، هل تساءلنا نحن محترفي مهنة المتاعب والقوالب، هل تساءلنا هل اشترى زميلنا كبش العيد، هو الذي قطع رزقه قرابة عام ونصف العام، وهو الأب الذي له طفلان يدرسان يكادان يحرمان من حقهما الطبيعي في التعلم.هل تساءلنا؟ يقينا، قليلا منا من فعل.

ليس الليلي حالة اجتماعية كي أتحدث عنه بلغة استدرار العطف، بل لأن هذا هو الواقع وهذه هي المفردات التي ينبغي استعمالها.ومن الرباط أفتح قوسين على تطوان والبيضاء ثم أعود للراضي: في تطوان زميلنا العزوزي قيد الإضراب والقهر الاجتماعي، وفي البيضاء رضوان حفياني مازال منذ أربع سنوات كرة تتقاذفها المحاكم عسى ولعله ينال بعض حقه من مؤسسة إيكوميديا، صاحبة جريدة “الصباح” التي أهانته وطردته بعد أكثر من عقد من العرق والمخاطرة والإقامة في الصفحة الأولى، وفي الحالات الثلاثة معا لاحظوا أن الأمر يتعلق بأرباب أسر وآباء وأنهم جميعا نجوم في الصحافة المكتوبة والتلفزيون والإذاعة…معناه أن الإعلام المغربي بكل قطاعاته يفترس أبناءه، وبالمقابل يمهد ـ هنا أبنيها للمجهول ـ يمهد الطريق سالكا لوجوه كسيفة لن تكون نجوما مشعة مهما زينوا قبحها بمساحيقهم.

أعود إلى قضية الليلي وأطرح سؤالا صار متجاوزا لدى الغالبية، لكنه هو الجوهر:لماذا طرد العرايشي والبارودي محمد راضي الليلي؟

يقول العرافون والمنجمون إنه ارتكب خطأ مهنيا. طيب يا أهل الزناتي، للخطأ المهني قواعد معالجتة القانونية والمسطرية والإدارية.

يقول الراسخون في التأويل: إن حوله شبهات انفصالية، طيب يا أهل الدمياطي نورونا بأدتكم الدامغة، وهاتوا برهانكم.

لا شيء غير تناسل الإشاعات.

جوابي الشخصي: الراضي كفاءة في التقديم التلفزيوني،والكفاءة ـ خصوصا إن لم تكن مسنودة بشي ركيزة صحيحة لا تعمر طويلا، لأن من طبيعة الكفاءة أن تخلق لذاتها أعداء تلقائيا، ولأن الكفاءة في بلادنا ليست بعد معيارا للمسؤولية، فإن أغلب المسؤولين فاشلون، والفاشلون لا يثقون إلا في الفاشلين، وعلى الراضي وأمثاله الرحيل بأي سيناريو حتى لو كان قمة في البؤس، دع عنك الإخراج والإبداع في صنع الحبكة.

تعالوا نتدرب سوية قليلا على لعبة المنطق، بغير قليل من التفلسف.

الراضي الليلي ليس انفصاليا” يقتضي أن هناك سببا آخر لطرده وتشريده، فما هو؟

“الراضي الليلي انفصالي” طرح يقتضي تقديم برهان ودليل قطعي.لا شيء.

“الراضي الليلي ليس انفصاليا ولم يرتكب خطأ مهنيا” يستلزم تبريرا منطقيا لما وقع..والو.

“الراضي الليلي انفصالي كبقية انفصاليي الداخل” يفرض معاملتهم بالطريقة نفسها:قطع الأجر والطرد.ما رأيكم؟

“الليلي فعلا ارتكب خطأ مهنيا فادحا”، السؤال: ماذا لو كان غيره من البيضاء أو طنجة ارتكبه، هل كنتم ستطردونه، ثم تشردونه ثم تجعلون منه خائنا في خمسة أشهر..وبلا معلم؟

لقد اتسعت رقعة الغموض والعبث ليس بطرح الأسئلة، إنما لغياب الأجوبة من مؤسسة العرايشي.والصمت هنا ليس علامة للرضى بل دليل ضعف وقلة حيلة.

إن ما يروج له من تشكيك في مغربية رجل لا يذكر اسم الملك إلا مقترنا بصاحب الجلالة لهو البرهان الكبير على الوهدة السحيقة التي نزل إليها تدبير أمورنا في المغرب. إنه العبث الذي صار عنوان كل شيء في الزمان والمكان. إنه الاسترخاء التام للمسؤولين على كراسيهم وكأن لا ملكا للبلاد خطب ولا ربيعا عربيا هب ولا دستورا صوت عليه شعب، وكأن لا يوم حساب دنيوي قادما ولا قيامة آتية لا ريب فيها.أفيقوا لا رحمكم الله.

وبما أني أدري هنا أني أكسر الجرة بالجرة فدعنا نستجيب للضمير الضاغط ونطرح أسئلة يقضض دونها غيرنا عصلا في أنيابها الردي عاجزا عن طرحها:

ما الذي سيتغير في كون الله ودنيا الوطن إن استفقنا غدا ووجدنا المغرب بلا عرايشي مديرا للقطب العمومي ولا بارودي تتبورد كما تشاء في دار البريهي؟

هل ستخسف الأرض من تحت الدار البيضاء إن أقال وزير الاتصال سميرة سيطايل بقرار لا رجعة فيه؟

هل لم تنجب أرحام المغربيات غير هذه الوجوه وهؤلاء الأشخاص الذين لم يأتوا بشيء سوى تراكم الخيبات و إدمان الفشل وتنمية العبث والتخلف الإعلامي؟

ماذا لو صوت البرلمان على مشروع قرار يفضل إداريا وقانونيا وماليا بين قطبين للإعلام: الأول عمومي يقدم خدمة عمومية حقيقية ونصرف عليه من جيوبنا، والثاني إعلام الدولة يكون رسميا جدا وله ميزانيته الخاصة يكون على رأسه لعرايشي والبارودي وسيطايل وبوطبسيل ومن يحب أن يسير في ركابهم ويشتغل معهم ويفهم عبقريتهم، لكن لن ندفع لهم سنتيما واحدا من قوتنا. أليس حلا ديموقراطيا؟

أصعب شيء أن تصير مؤسسات البلاد الحيوية في يد أشخاص غير أكفاء، لا بل تصبح مقدرات الأمة في خدمة مصالح أشخاص ضيقي الرؤيا، بدل أن تخدم الصالح العام.

وعلى ذكر المؤسسات الوطنية، يجب ألا نترك فرصة هذا الحديث الحر وغير العابئ بترضية فلان أو علان، تمر دون أن نشرح ونملح في ما يستتبع موضوع زميلنا الراضي الليلي، ولا شيء أنفع من طرح السؤال الذي يكون أحيانا أهم من الجواب نفسه.

عشرات اللقاءات التي قام بها الليلي في المغرب وخارجه فتحت شهية بعضهم ليتساءلوا عن “الأموال التي يتلقاها من جهات خارجية”. وهذا كلام خطير ومهين لأجهزة الاستخبارات المغربية التي تعد من أقوى الأجهزة في العالم العربي بشهادة الأمريكان والعرب.

بالعربية تاعرابت: هذا كلام يريد أصحابه أن يفهمونا أن الليلي يغترف كما يشاء وتصله الحوالات السمينة بالليل والنهار ويوهمنا أن عبد اللطيف الحموشي ورجاله في سبات عميق.هذا كلام يفضح جهل أصحابه واستسهالهم ترويج الشائعات دون تقدير عواقبها.

هذه خزعبلات من ينتحل صفة دور مؤسسة الأمن المغربي، المخولة والقادرة لوحدها على تتبع ملفات الجماعات والأفراد.

هذا كلام من يريد بأي ثمن أن يصنع منك انفصاليا “صحة”.هذا كلام نطلب من الواقفين على أمر ترويجه أن يمدونا بالدليل في هذا الموقع وسنقوم بواجب النشر فورا. باقي شي كثر من هادشي؟ ها العار يلا ما سدو فامكم راه القضية الوطنية أكبر من عقولكم والإحساس الوطني الصادق يقتضي سكب حليب المحبة من أجل لحمة وطنية لم ولن تدركوا معناها لأنكم قصر العقول وقاصرو الفهم وقصار القامة في تامغرابيت.

ليست مشكلة الراضي الليلي مشكلة خبز فهو ابن الصحراء القادر على العيش تحت خيمة حرا طليقا قانعا.وليست قضيته قضية عمل ووظيفة فهو قادر بفعل مواهبه وتجربته أن يحلق عاليا في سماء الفضائيات لو شاء، قضيته قضية كرامة رجل إعلام مع بهارات حارة لأنفة الصحراوي الحقيقي الذي إما أن تعامله بصدق وتكسب قلبه إلى الأبد أو “تتكلبن” معه فيحتقرك إلى يوم الدين، ولو كان سيفك على عنقه.

قطع الأعناق كما يقال أهون من قطع الأرزاق، والليلي قطعوا رزقه وطعنوه بالصمت والكلام في أنفته ووطنيته، وهو مقبل على رفع سقف النضال والتحدي عاليا.وهو ماض في معركته التي أدارها لحد الآن بنجاح.ماض فيها إلى منتهاها.

اليوم إن لم يتغلب العقل على الصبيانيات فاستعدوا لتحمل مسؤولياتكم ودفع ثمنها وحدكم، و غدا إن تطايرت شظايا قضيته في وجوهكم من خارج الحدود فلا تسموه ابنا عاقا ولا تلوموه، بل لوموا براقش التي على نفسها جنت.

فلا تغرنكم الكراسي والسلط الوهمية العابرة وتظنون أنكم الغالبون، فلا غالب في شرع المغاربة إلا الله في عليائه فالوطن في امتداده ثم الملك قائدا لبلاده منصفا للمظلومين الواقفين على بابه.

ملحوظة إلى الضالعين في فن “التأويل” وعلوم “الحصار”:

كل تشابه في الأوصاف أو الوقائع فهو حقيقي ويلزمني وأنا أقصده فعلا، وكل من لم يعجبه رأيي فلينطح أقرب حائط أو ليعب من أوسع قادوس، وكل من بحث عني يجدني، فليست كل الديكة مخصية..حاصروا حصاركم ورا ما عندكم لأني فلاح ابن فلاح قادر على العيش بفلح التراب دونما حاجة لمؤسساتكم ولا لأجوركم ولا لصحافتكم ولا لإعلاناتكم، لكن قلمي سيظل بوم شؤم فوق رؤوسكم وصوتي بوقا لفضحكم..ما دامت في الأنامل قدرة على الكتابة، وفي “أنترنت أحيزون” قدرة على الربط.

[email protected]

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.