Modern technology gives us many things.

إذا لمْ تستحيِ يا أُوزّين..

0

نورالدين اليزيد

قدرةٌ عجيبةٌ وغريبةٌ يتوفر عليها المسؤولون في هذه البلاد غير السعيدة بِهم، عندما يتورطون في جرائم تتعلق بهدر المال العام، فتراهم يظهرون مهارات قلّت نظيراتها في التهرب من المسؤولية وإلباسها لأشخاص غيرهم، وإذا لم يجدوا من يُورطونهم بَدلا عنهم، فإن الملاذ يكون هو تبني نظرية المؤامرة، وحتى إذا لم يكن هناك عدوٌّ مفترض، فإن لا حرج لديهم لاتهام الطبيعة والقدر وأشياء أخرى كشفت عن سوءات عوراتهم !

الوزير المنتمي لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، هو واحد من هذا الصنف العجيب من المسؤولين، الذي بالرغم من كونه -رُبما- يمثل شريحة الشباب بهذا الوطن إلى جانب آخرين وأخريات، داخل الحكومة الحالية، إلا أنه أظهر في أكثر من مناسبة أن عقله غير شابٍّ بتاتا ويدخل في مصاف العقليات المتحجرة التي طالها الهِرم ونخرتها الديدان وتنتظر فقط ساعة نعيها ومعانقة الثرى لدفنها..

ويبدو أن درس “الإيبُولا”، المرض الوباءُ الذي كان سببا في انتزاع شرف تنظيم كأس إفريقيا للأمم مِن بلادنا، لم يُفِدْ هذا الوزير الذي يجيد أكثر من أي شيء آخر سياسةَ الهروب إلى الأمام، في أن يكون مسؤولا يحترم ذكاء الذين يتقاضى أجرَه مِن عرقِهم، ويعترف بأخطائه التي كثُرت وما عاد إخراجُ وإبراز بؤبُؤتَي العينين كافيا لمداراتها. وكما كان مترددا وغير حاسم ومرتبِكا في تدبير ملف احتضان الـ”كَانْ”، بحيث كان يعطي التصريحات هنا، ليكذبها هناك، أعاد الوزير أوزين نفس الأخطاء الساذجة، عندما سارع بمجرد ما تفجرّت فضيحة عُشب المركب الرياضي، ليؤكد أنه ذو جودة عالية ويُضاهي عُشب ملعب “سانتياغو بيرنابيو” الذي يحتضن مباريات الفريق العالمي ريال مدريد، قبل أن يعود “سيادته” ويتراجع عن تلك التصريحات ويتهم بـ”التضليل” التقارير التي قُدمت إليه !

ولعل المرء يستغرب أيّما استغرابٍ مِن بقاء وزير قطاع معين في منصبه يحاجج ويبرر فضيحة مدوية نقلتها أزيد من 60 قناة تلفزيونية عالمية، وتابعتها ملايين الجماهير مباشرة ومن قلب عاصمة المملكة، في حين كان عليه أن يتحلّى بشجاعة الرجال ويقدم استقالته لرئيس حكومته ويغادر بناية حي الرياض الزجاجية (الوزارة)، بل كان سيكون امرؤا شهما وشابا مِقداما يُحتذى به، لو أنه أرفق تلك الاستقالة “المفترضة” بكلمة أو تصريح موجز، يُخبر فيه الرأي العام بأنه رهن إشارة أي تحقيق مهما كان إداريا أو قضائيا احتراما لهذا الرأي العام واحتراما للقسَم الذي أدّاه بين يدي المَلك رئيسِ الدولة..لكنه لم يفعل أي شيء من هذا وذاك، وفي محاولة يائسة وبائسة، حاول تغطية الشمس بالغربال فأوقف مسؤولَين بوزارته وصبّ جامّ غضبه على الشركة التي تكلفت بزرع ذاك العُشب الذي لم يكن ليُغطي أرضية ملعب مركب الأمير مولاي عبد الله –على ما يبدو- بقدر ما كان يُغطي على ملفات فساد وتلاعبات بالمال العام، قبل أن تتدخل قدرةُ القادِر عز وجل وتفضح العُشب والعشّابين والذين ألِفوا الإعتشابَ مِن مالية الشعب، ولا يريدون الرحيل رغم أخطائهم الكارثية في تدبير الشأن العام !

وإذا كان المغاربة قد تفهموا قبل أيام فقط، وعلى مضض، مبررات وزيرهم المسؤول عن الرياضة، وابتلعوا بعُسر خرجاته الإعلامية غير المقنعة، حول “اختطاف” تنظيم كأس إفريقيا من بلادهم في آخر لحظة، وهم الذين كانوا يمنون النفس بأن تكون المناسبة سانحة لإعادة بعضٍ من بريقٍ مفقودٍ لكُرتنا ولرياضتنا، فإن الذي سيصعب تضميده هو هذا الجرح الموغِر الذي تركته صورُ بِركِ الماء التي امتلأت بها أرضية ملعب الرباط، بسبب سوء ورداءة العشب؛ ولاسيما أن خصوما لنا كانوا شكّكوا في مبرراتنا لطلب تأجيل تنظيم الكأس الإفريقية، بل منهم من قالها صراحة، بأن المغرب “غير مستعد” للتظاهرة. والمصيبة أن قناة تلفزيونية عالمية مختصة مثل “أوروسبورت” نحت هذا المنحى على لسان معلّقيها وهم يتابعون بتهكّم المباراة التي جرت على أرضية ملعب تحولت لما يشبه المسبح !    

وليس وحدُه الوزير أوزين مَن لا يتخذ من الدروس عِبرا، فكذلك رئيسُه في الحكومة، وقبله أمين عام حزب الحركة الشعبية، الوزير امحند العَنصر، بحيث إذا كُنا قد تابعنا بتذمر فصول “فضيحة الشوكولاته”، التي فجّرها الوزير الحركي، عبد العظيم الكروج، قبل أشهُر، والموقف المُخجل والمتواطئ الذي أبان عنه السيد عبد الإله بنكيران، حفاظا على تحالفه الحكومي الهش، وهو المتشدق دوما بمحاربة الفساد والمفسدين، فإن السيد العَنصر هو الآخر لم يحرك ساكنا، سواء بخصوص فضيحة الشوكولاته أو فضيحة العُشب، وكأن إهدار المال العام بهذه الطرق المرفوضة قانونيا وسياسيا وأخلاقيا، باتت سُنةً محمودة لا تدخل في صُلب القسَم الذي أداه هؤلاء للإخلاص للدين والوطن والملك وتأدية المسؤولية بأمانة !   

هذا يعني أن كل هؤلاء قبل أن يكونوا يفترون على المواطن دافع الضرائب، فهُم يفترون ويكذبون أوّلا على الملك الذي ردّدوا أمامه وبين يديه قسَم تحمل المسؤولية..

وأدام الله علينا نعمةَ المطر التي تفضحهم !

[email protected]               

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.