*د.محمد غاني
لا يذهبن الظن إلى أن الأحجار الكريمة عبارة عن ذهب وفضة وحسب، و إنما من المجوهرات العديد من أنواع تبهرنا بألوانها وصلابتها كالياقوت والزمرد والياقوت والمرجان، وكلها أحجار رائعة الجمال فالأحجار الكريمة هي أصناف متعددة من المعادن المتبلمرة مركبة من عنصرين أو أكثر، وتتكون أساساً من مادة السليكا مع وجود بعض الشوائب المعدنية, ويختلف نوع الحجر الكريم باختلاف المادة المكونة بالإضافة إلى السليكا، فالأحجار الكريمة موجودة في أعماق باطن الأرض وتظهر نتيجة البراكين أو الزلازل 1.
لا شك أن الناس أيضا يختلفون في طباعهم وأفضليتهم كاختلاف معادن الأرض و لذلك عبر الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم عن هذا المعنى في حديث شريف أخرجه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقِهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه».
جاء في كتاب فيض القدير للمناوي نقلًا عن الرافعي قوله: “وجه الشبه أن اختلاف الناس في الغرائز والطبائع كاختلاف المعادن في الجواهر، وأن رسوخ الاختلاف في النفوس كرسوخ عروق المعادن فيها”
و يذكرني هذا السياق أيضا بالحديث المتفق عليه عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إنما الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة “.
بمعنى أن الإبل كثر لكن قلة منها ما يصلح للسفر وكذلك ما يصلح منها للسفر تختلف درجات قوته علوا و دنوا.
و انطلاقا من مبدأ التفاضل هذا، يختلف الناس في الأرزاق، يقول الله عز و جل (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) 2: يذكر الطباطبائي في الميزان: قوله تعالى: فضل بعض الناس على بعض في الرزق، وهو ما تبقى به الحياة، ربما كان من جهة الكمية، كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير، وربما كان من جهة الكيفية، كأن يشتغل بالتصرف فيه بعضهم ويتولى أمر الآخرين، مثل ما يستغل المولى الحر بملك ما في يده، والتصرف فيه، بخلاف عبده الذي ليس له أن يتصرف في شيء، إلا بإذنه، وكذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم، والأنعام والمواشي بالنسبة إلى مالكها3 .
و الرزق لا يقتصر في نظرنا على الجانب المادي بل منه أيضا المعنوي ، فمقدار التوحيد في قلوب العباد يختلف بين هذا و ذاك، و في هذا الصدد ساق الإمام الترمذي حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله”4 و فيه إشارة واضحة لتباين مقدار الإيمان في القلوب و كذا أنه قابل للتزكية و الترقي و النماء عبر تحسين أفعال الجوارح لينعكس ذلك على الجنان.
و لا شك أن التاج الموضوع على رأس جسد البشرية جمعاء مكون من أحجار كريمة من لؤلؤ و زبرجد و مرجان متمثلة في الأنبياء أجمعين يزينون هذا التاج بلمعانهم و يجملونه بإشعاعاتهم الروحية نفحاتهم الإيمانية و يحسنونه ببريق النبوة و يعطرونه بريح مسك الصلاح، و لكن تبقى ماسة هذا التاج وجوهرته الثمينة التي تزيده نورا على نور و قيمة على قيمة وبهاء على بهاء هي شمس النبوة وخاتم المرسلين سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
* أكاديمي وباحث مغربي
الهوامش
1، انظر أنواع الأحجار الكريمة من حولنا وامكانية استخدامها للعلاج، موسوعة ثقف نفسك، بتصرف.
2، النحل 71
3، الطباطبائي، تفسير الميزان ج 12 ص 294
4، الحديث 2612.