نورالدين اليزيد
لا يسع كاتب هذه السطور إلا أن يهنئ “الزعيم” عبد الإله بنكيران أمين عام حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية، على فوزه –رغما عن أنف المغاربة- في الانتخابات الجماعية والجهوية التي جرت يوم 4 شتنبر الماضي !
وبعيدا عن أي تحامُل كما يتهمنا بذلك أتباع السيد بنكيران، وبعدما نعلنها من جديد وبالصوت الجهور لمن يهمه الأمر بأن لا انتماء لنا إلا لهذا الوطن، فإننا لا يمكننا أن نعبر إلى التالي على الاستحقاقات الأخيرة دون أن ندلي بدلونا في نتائجها وفي المعطيات التي أفرزتها..
لاشك أن الغالب والمنتصر الأكبر في تلك الانتخابات هو بلدنا المغرب الذي أكد من جديد أنه فعلا نموذج يُحتذى في منطقة تعصف بها الحروب والقلاقل والإقصاء السياسي للخصوم، بحيث أبانت الدولة عن قدرة هائلة وغير مسبوقة لـ”اللعب النظيف” في ممارسة ديمقراطية الاقتراع، ولم يتم استنفار أجهزة الإدارة لقلب الموازين في الساعات الأخيرة كما تعود المغاربة في عديد من الاستحقاقات الماضية، وإن كانت لدينا بعض المؤاخذات والملاحظات على هذه الإدارة في تعاطيها مع هذه الانتخابات، ليس ها هنا سياقها ! وإذن فإن لا تعليق لنا على النتائج في حد ذاتها غير كونها تعكس واقع الحال وتترجم حقيقة الأصوات المعبر عنها، في انتظار كشف النتائج والمعطيات النهائية الأخيرة لهذا الاستحقاق التي لا ريب أنها ستحمل أرقاما غليظة من الأصوات الملغاة، وهي وحدها عامل مساعد كبير للحزب الحاكم بأن يكون الحزب المتفوق والأول عدديا من حيث الأصوات.
بيد أن الرابح الأكبر من بين الفاعلين السياسيين هو الحزب الحاكم الذي يَعُد نفسه حزبا “إسلاميا” (بغض النظر عن ذاك النقاش البيزنطي الذي أطلقه أمينه العام حول المرجعية الدينية وهو يحاول التبرئة من الانتماء للإخوان المسلمين)، بل إن المنتصر الأول والأخير في هذه الانتخابات هو زعيم الحزب ورئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الذي كان يراهن بقوة على كسب الرهان في هذا الاستحقاق ليوهم الناس ونفسه وحزبه أولا أن كل الإجراءات التقشفية التي باشرها منذ مجيئه إلى الحكم، من رفع أسعار العديد من المواد وإقفال باب التوظيف على حاملي الشواهد العليا وغيرها من الإجراءات المغلفة بدثار الإصلاح والتي همت بالأساس الطبقات المتوسطة والفقيرة، تلقى (هذه الإجراءات) الترحيب والتأييد من لدن مواطنيه؛ ولقد كان له ما أراد واحتل حزبه الصدارة بل وأطاح شر وأذل إطاحة ببعض خصومه السياسيين، الذين لم يكونوا في مستوى مجابهته ندا للند بكل تأكيد، بل الأنكى والأمَر أنهم لم يكونوا إلا عوامل أخرى مساعدة للسيد بنكيران ليحقق ما حققه من مكاسب ومغانم، وذلك بعدما أرغموا شريحة واسعة من الناخبين من خارج دائرة مؤيدي ومناضلي حزب “المصباح” بأن يصوتوا عقابيا ضدهم سواء بمنح البعض منهم –نكاية في هؤلاء الزعماء- صوتهم للعدالة والتنمية أو رميه في عداد الملغى من الأصوات.
ويمكن القول أن كل عوامل ثلاثة مرافقة وموازية للعملية الانتخابية الأخيرة كانت مواتية للـ”بيجيدي” ليتزعم الصدارة فيها؛
العامل الأول والأساسي والحاسم الذي يميز الحزب عن باقي الأحزاب الأخرى بما فيها تلك التي ما تزال تسمى “الوطنية” تجاوُزا ورفْعا للحرج في ظل وجود قيادات تاريخية بها بين ظهرانينا (أطال الله في عمرها)؛ ألا وهو عنصر الانضباط الصارم الذي يميز أعضاء الحزب ومناضليه، والذي يجعل هؤلاء مرتبطين بالقيادة تماما كما يُشبِّه البعض ارتباطهم ذاك بعلاقة المريد بالشيخ في الزاوية الصوفية، حيث يخضع المريد (التابع) للشيخ (المتبوع) لأوامره مهما كانت انطلاقا من اعتقاد الأول بأن الثاني هو طريقه إلى الله ! كما يفسر ذلك العارفون بخبايا الصوفية تلك العلاقة.
وإذا اعتبرنا أن عدد مناضلي الحزب هو 250 ألفا فإن وحده هذا الرقم كفيلٌ بأن يضمن ما لا يقل عن 750 ألف صوتٍ في أضعف الحالات إذا اعتبرنا أن لكل فرد من الـ 250 ألفا يعيش ضمن أسرة تتكون منه ومن والديه فقط دون إخوة وأخوات، ويرتفع الرقم كلما كثُر عدد أفراد الأسرة المنتمي أحد أعضائها للحزب. وكلنا طبعا يعلم مدى التضامن والتعاون والصدق والمصداقية التي تطبع أفراد الأسر المنتمية لطيف الأحزاب ذات المرجعية الدينية فيما بينهم، انطلاقا من إيمانهم بكون خدمة “الإخوة” في الكيان الحزبي هي من أساسيات العقيدة بل ومن أسباب رضا الخالق أيضا. إنه نفس عنصر الانضباط المؤطر من القيادة هو ما يجعل أعضاء الحزب يعملون على استقطاب مؤيدين ومتعاطفين آخرين يقدر عددهم بالآلاف؛ ويكفي النظر إلى الحملات الانتخابية للحزب التي يديرها ويقوم بها مناضلو الحزب وأقرباؤهم بدءا من تنظيم الندوات والمهرجانات الخطابية إلى توزيع المناشير بل هم أنفسهم لا سواهم من يقوم بمراقبة مكاتب الاقتراع أيضا، ليتضح جليا مدى أهمية هذا العامل الحاسم في “المعركة الانتخابية”، بل يمكن القول أنه يصبح جيشا متأهبا يجعل القيادة مطمئنة حتى قبل خوض المواجهة؛ ولعمري هو ذاك ما كان قادة حزب المصباح يرددونه طوال الأشهر الأخيرة تارة تلميحا ومرات عديدة تصريحا.
العنصر أو العامل الثاني هو عنصر الدين، وبالرغم من كون القانون يحرم استعمال الدين في الدعاية الانتخابية وبالرغم أيضا من كون الحزب نفسه ذهب أبعد ما أمكنه من “التبرؤ” من مرجعيته، في محاولة متهافتة على تبرئة الذمة وإظهار حسن النية للدولة، بالنظر للخطر الذي أحس به وقد زج بـ”إخوان” مصر في السجون بل وتم اعتبار تنظيم “الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية في أكثر من بلد عربي، فإن قادة الحزب ولاسيما رئيسه ورئيس الحكومة لم يترددوا ولم يتركوا مناسبة تمر، حتى من داخل المؤسسات الدستورية، دون انتقاء مصطلحات وعبارات دينية بعناية دقيقة بغية دغدغة مشاعر المغاربة ومخاطبة الجانب المنير في أفئدتهم والذي يهم الجانب العقائدي؛ ولا أدل على ذلك من إصرار السيد بنكيران على ترديد “الشهادة” و”الجهاد” أكثر من مرة في خطبه، بل إنه عشية الاقتراع أقسم بأغلظ الأيمان بأنه مستعد ليموت شهيدا في سبيل الوطن، كما قال، بعدما أخبر الآلاف من المناصرين أنه يشعر بخطر داهم على حياته ! هذا يجعل المتلقي البسيط لا يتردد في إبداء التعاطف مع مثل هذا السياسي “الورع” و”المتقي” الذي يضع الدنيا خلف ظهره وهو لا يحكم إلا ابتغاء وجه الله، كما يزعم !
العامل الثالث والأخير ويبدو أنه لا يقل أهمية وخطورة على العنصرين السابقين، وهو هوان ووهن ما يسمى “الأحزاب الوطنية” وخاصة حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في ظل قياداتها الحالية، التي جعلت من الحزبين أصولا تجارية يتم منحها للفاسدين وذوي السوابق لخوض الانتخابات بعدما كان وحده الانتماء لهذين الحزبين يكسب صاحبه الكثير من التقدير والتبجيل والاحترام لدى عامة الناس. ويظهر من خلال ردود أفعال هذه القيادات بعد إعلان النتائج أنها قيادات ليست عاجزة فقط على مواجهة حزب منظم كحزب المصباح ولكنها قيادات أبانت عن كثير من الإفلاس في الخطاب السياسي وحتى في القناعات الشخصية، بحيث كيف لِمن يضع الفخاخ لنفس أعضاء حزبه لإقصائهم منه والتفرد بالسيطرة عليه أن يكون أهلا لمواجهة غيره من قادة باقي الأحزاب؟ ! إنها الأحزاب التي ما عادت تقنع إلا قليلين للتصويت عليها.
لم أشأ أن أتحدث عن حزب الأصالة والمعاصرة المتزعم الآخر في هذه الانتخابات انطلاقا من إيماني القوي والراسخ بكونه حزبا كان محظوظ الولادة والنشأ والرعاية، ولا ندخل في التفاصيل التي يعرفها الجميع، ولذلك فإن الفرصة كانت مواتية له ليكسب بعضا من المشروعية الشعبية الطامح لها قادتُه منذ التأسيس.
في كلمة وجيزة يمكن اعتبار انتصار بنكيران كان على حساب المواطنين المتذمرين من سياساته غير الشعبية التي تخدم التوازنات الكبرى على حساب الفقراء، وهي إشارة كبرى إلى إمكانية تكرار هذا الانتصار ما لم يتم إعادة النظر في الأحزاب الوطنية ويرحل عنها قادتها الحاليون المستبدون الذين على وشك أن يحولوها إلى مومياوات توضع في المتاحف !