الحركة الأمازيغية المغربية تقود ثورة هادئة لدمقرطة الدولة وإحقاق حقوق المجتمع

58

انغير بوبكر

أخذت الحركة الامازيغية منذ بداياتها الأولى بالمغرب على عاتقها مهمات رئيسية استلهمتها من القيم الكونية لحقوق الإنسان، ومن المنتجات الحضارية الايجابية التي راكمتها الشعوب في سبيل نضالها المعمد بالتضحيات الجسام من أجل الكرامة الانسانية، فالحركة الأمازيغية المغربية أعلنت منذ نشأتها إيمانها العميق بحقوق الإنسان بدون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي … بل إن الحركة الامازيغية ولدت وترعرعت ضدا على كل مظاهر الاقصاء والتمييز والحكرة .

من المهمات الرئيسية التي طرحت في اجندة النضال الحقوقي الأمازيغي دمقرطة المشهد الثقافي واللغوي والاجتماعي المغربي  وطالب الأمازيغ في وثائقهم الاولى بالوحدة الوطنية في ظل الاختلاف والتنوع ، حيث ان الامازيغ بالمغرب تعرضوا لحملات تعريب وتهميش واقصاء ممنهج بخلفيات ودواعي ايديولوجية وسياسية واثنية واضحة، فكان من المحرم والمجرم في زمن ما أن تتحدث عن اللغة الأمازيغية والثقافة الأمازيغية في حقبة تاريخية ليست بالبعيدة عنا إبان سيطرة فكر قومي عربي اختزل الثقافة الامازيغية في الثقافة الشعبية، واعتبر أي حديث عن التنوع والتعدد اللغوي ببلادنا دعوة للفتنة أو خدمة للأجنبي الذي يتربص بنا، أو هكذا خيل له وروج ذلك على نطاق إعلامي واسع  وصف الأمازيغ بالبربر وأطلق بعض المثقفين المغاربة دعوات لإماتة ما اسموه باللهجات البربرية، واعتبر المغرب بلدا عربيا صرفا وانتماؤه للمغرب “العربي” كما كان ذلك مكتوبا في دساتير المغرب.

بعد عقود من نضالات الحركة الامازيغية المغربية ضد التهميش والتشكيك ومصادرة الحقوق تمكنت القضية الامازيغية ومعها الحركة الأمازيغية من الصمود والتحدي المقرون بالسلمية والمدنية والعقلانية، بل تقوت أكثر وطعمت ملفها المطلبي الذي ما بات يرتكز على الحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية فقط، بل تعداها الى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث أصبحت الحركة الأمازيغية تتبنى مطالب اقتصادية عميقة، كالحق في التوزيع العادل للثروات وجبر الضرر الجماعي للمناطق الأمازيغية التي همشت تاريخيا بقرارات سياسية ظالمة، والمطالبة بإلغاء الظهائر الاستعمارية التي تستغل لنزع أراض الساكنة الأصلية الأمازيغية بدعوى التحفيظ العقاري والإجهاز على غاباتهم وخصوصا شجر الأركان الذي يعتبر موروثا إيكولوجيا عالميا حافظ عليه الأمازيغ بتقنيات ومعرفة حياتية un bon savoir faire متميزة وما شابه والمطالبة اساسا بدمقرطة الدولة والقضاء على الاحتكار السياسي للقرارات من طرف عائلات سياسية بعينها توارثت الحكومات من فجر الاستقلال بالمغرب وماتزال  .

 الحركة الامازيغية عكس الحركات اليسارية التي خفت صوتها وانكمش نفوذها الجماهيري لعوامل ذاتية وموضوعية  ، استطاعت ان تصمد وتزداد جماهيريتها و نفوذها المجتمعي والسياسي بفضل معقولية خطابها وتغلغله في كل الاوساط والشرائح الاجتماعية ، فمسيرات الحركة الامازيغية تجد فيها الشيخ إلى جانب الطفل والنساء الى جانب الرجال والفنانين إلى جانب الفلاحين، الطلبة إلى جانب المحاميين والأطباء،  خطاب الحركة الامازيغية ليسا نخبويا أو انتقائيا، لا يهم طبقة محددة بعينها أو فئة مهنية أو شريحة سياسية ، بل هو خطاب متمدد متغلغل في كل ثنايا المجتمع و وصل صداه مؤخرا بشكل ملفت الى الجسم السياسي- رغم تكلس هذا الجسم وعناده الكبير للتغيير والانفتاح على المستجدات التي تعتمل في المجتمع – فباتت الأحزاب السياسية حتى المعادية للامازيغ تاريخيا تعيد مراجعة مواقفها وتضبطها احيانا بشكل انتهازي مع ايقاع المؤسسة الملكية المتقدمة جدا بمواقفها من القضية الامازيغية.

صحيح أن مياها كثيرة جرت تحت جسر المجتمع المغربي وتغيرات كبيرة حصلت داخل أروقة الدولة المغربية من حيث أفول بعض جهابذة الاقصاء وتراجع مواقعهم السياسية المهترئة أمام رياح العولمة الثقافية والفكرية والسياسية الجارفة وأمام صمود الحركة الأمازيغية، استطعنا كحركة أمازيغية أن نربح جزء يسيرا من الاعتراف والحق في الوجود وأمامنا عمل كبير يجب القيام به ليس أقله نشر الفكر العلمي التاريخي بمشروعية نضالنا ومواجهة كل دعاوى التشكيك والتبخيس والجحود. 

ثمة أمور أصبحت اليوم مكسبا مهما حققته الحركة الثقافية الامازيغية في سبيل نضالها من اجل دمقرطة الدولة والمجتمع ،اولها كسب رهان كون الحركة الامازيغية في عمومها حركة عقلانية منفتحة ضد كل انوع الانغلاق والتطرف والاحتكار بكل اشكاله ، بل يمكن ان نقول بان الحركة الامازيغية صمام أمان أمام انتشار الفكر الداعشي والإسلاموي المتطرف، لأن مرجعية الحركة الامازيغية تأبه الصنميات والزعامات و كل منابع التطرف والتزمت واغلب حركي التنظيمات الامازيغية علمانيون منفتحون متشبعون بالقيم الكونية. ثمة عدد من العناصر المشجعة والمساهمة في تقدم الخطاب الأمازيغي  -رغم سيطرة الجناح السياسي المحافظ اليوم على السياسة المغربية وسعيه الدؤوب نحو تقزيم المطالب الامازيغية وتأخير إنصافها- علينا تقوية واستثمار هذه المكتسبات والفتوحات النضالية الكبرى ، من بين هذه العناصر الاساسية والحاسمة في تليين بل تغيير  العقلية السياسية المتحجرة للفاعل السياسي ببلادنا ، الارادة الملكية الصادقة والمتنورة التي أمنت بالحقوق الامازيغية وتجاوزت الأطروحات الحزبية المغربية بل وأحرجتها  وترجمت تلك الارادة الملكية عن طريق عدد من الخطابات الملكية التي دعت الى انصاف الامازيغية ببلادنا و اعادة لاعتبار للثقافة واللغة الامازيغية ، امام هذه الارادة الملكية نحو التغيير والتنوير والاعتراف بالهوية الامازيغية للمغرب  هناك قوى وجيوب مقاومة للمطلب الامازيغي في مختلف المستويات والاصعدة مما يبرر التلكؤ الواضح في اخراج القوانين التنظيمية الامازيغية في ظل حكومتين “اسلاميتين”  حاولتا بكل وضوح الاجهاز على المكتسبات الامازيغية في التعليم والاعلام وكل مناحي الحياة.

العنصر الثاني في نجاح الحركة الأمازيغية هو صمود المناضلين و صعود اجيال جديدة خلفت الاجيال السابقة في تناغم و تراكم نضالي رفيع مكن من تلاقح خبرات القدامى مع عطاءات المناضلين الجدد،  لذلك فضرع الامازيغية لم يجف كما حصل مع حركات اخرى ماتت بموت الزعماء المخلدين الذين ارتبطت بهم القضية ارتباط وجود لا ارتباط مبادئ وقيم .

وهناك عنصر ثالث هو المعطى الإقليمي والدولي المشجع  الذي اقتنع بان محاصرة المد الاسلامي و الارهاب المتنقل عبر الساحل والصحراء وفي كل مكان لا يمكن مواجهته الا بفتح المجال امام القوى المجتمعية ومنها الحركة الامازيغية التي تؤمن بالمشروعية الديموقراطية من جهة و تسعى من جهة اخرى لنشر قيم التنوير والتحديث والدمقرطة، لذلك نرى الدور الهام الذي يلعبه الأمازيغ في المصالحة الوطنية في ليبيا واستنجاد الغرب بهم  للمساهمة في حل الأزمة الليبية والحراك الأمازيغي الكبير الذي يعتمل داخل الجزائر مطالبا اساسا بالدمقرطة والحقوق والحريات والذي توج باعتراف النظام الجزئري بالأمازيغية كلغة رسمية وبراس السنة الامازيغية كعيد رسمي  وتنامي الوعي الامازيغي لدى امازيغ تونس رغم استمرار حصارهم من قبل مؤسسات الاخوان المسلمين والتواجد النوعي للحركة الأمازيغية المغربية في قلب كل المعارك الديموقراطية بالمغرب وليس اخرها حركة عشرين فبراير التي كان للأمازيغ تواجد نوعي ومميز في حراكها الشبابي الديموقراطي والذي صادر الاسلاميون للأسف الشديد نفسه الديموقراطي .

الحركة الامازيغية المغربية ماضية في نضالها التاريخي من اجل  المساهمة في دمقرطة الدولة المغربية و تغيير العقلية السلبية لدى النخب المغربية التي تجاوز الزمن بعضها ولكن رهانها الحقيقي هو حول إقناع المجتمع المغربي والمغاربي والدولي بعدالة القضية الامازيغية وبانها قضية شعب مقهور تاريخيا مضطهد سياسيا و مقصي فكريا من قبل ايديولوجيات اقصائية سعت الى التحكم في رقاب المواطنين والمواطنات باستغلال الدين واساءت للقضية الامازيغية بنفس اساءتها للدين نفسه، فالأمازيغ شعب يحترم كل اللغات والاديان والثقافات ويسعى فقط للعيش المشترك الانساني في ظل مناخ الحقوق والحريات المكفولة والمصونة للكرامة الانسانية و في كنف الديموقراطية الحقيقية التي تحترم حقوق الشعوب في العيش الكريم والمساهمة الفعالة في السلم العالمي.

*المنسق الوطني للعصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان، وباحث في التاريخ وقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.