شعرية الومضة.. الرمز والتكثيف: حياة النص أو موته!

قراءة في منجز الشاعرة الزهرة الطليكي نموذجا

174

إنجاز: الميلودي الوريدي

مدخل:

كُثْرٌ همُ الشعراء الذين يُؤمنون إيمانا يقينيا بأنَّ التجديدَ والحداثةَ لا يستقيمان إلا إذا قارب شعرُهم مستجدات ومستحدثاتِ الطفرةِ الحضارية المعاصرة، وأن لغتهم تصبح عقيمة ما لم تقتحمْ عوالم اللفظ المتداولِ المألوف إلى درجة الإسفاف والابتذال.وأنهم إن لم يصيبوا وعي قارئهم بسهام الرمز المُعاضل، والتكثيف السَّديمي المُسْتغلَقِ حتى تضيق عليه سماوات الدلالة بما رحُبت؛ فلن يكون لشعرهم عندها في رياض الشعرية مقامٌ ، ولا لقصيدهم في حياض النظم ذكر… وهم بذلك، لا يقيمون وزنا إلا للذوات الموصوفة ، بينما يتجاهلون أساليب الوصف، وأنماط تشكيل الصور، وأشكال بناء علاقات المجاورة والمشابهة بين الوصف والموصوف، والدال والمدلول… وهي في رأينا أسباب بدونها لا يستطيع الشاعر أن يبلغ بمعانيه مقام التجريد، ولا أن ينتقل بمحسوساته إلى مدارج التمثيل، والتخييل، والتغريب …فأسمى معاني التجديد تكمن ببساطة في أن يقول الشاعر شعرا حينما يجد في نفسه شعرا، يلقيه على الصفة التي تجدر بالشعر؛ كونه خطابا ينماز عن مألوف الكلام… وهو – الشعر – إن لم يكن كذلك لما احتجنا إلى تدبيج واختلاق اسمه أصلا ، ولا كنا نسبناه إلى الإبداع، ولا جعلنا له كليات تعنى بدراسته، وتأريخه، وتحقيق مدوناته، وترجمة كونياته … ولَكُنّا اكتفينا غانمين بنسبته إلى عموم الكلام ومعتاد القول.

الناقد الميلودي الوريدي

فالنص من منظور علم التلقي نسق من العلامات الدالة، وفق نظام داخلي ينتج سيرورة دلالية … وتبعا لذلك، يكون نصا؛ كل خطاب تتحكم في إنتاجه قصدية خاصة تحيل على ممارسة تدليلية تستند في تشكيلها على منظومة مرجعية، تنبني على أكوان دلالية تحكمها المواضعات والتوافقات المرتبطة ارتباطا وثيقا بمرجعيات العالم الواقعي واختياراته الجمالية…  وليس معنى ذلك أن النص الأدبي لا سلطة له، فسلطته تكمن في أنه يقيم علاقة خاصة مع اللغة المعجمية أو القاموسية، فينحي بها من سياقاتها التداولية الجذرية، ليطوح بها إلى بناءات تركيبية ودلالية جديدة مستمدة من قاعدة أن الإبداع لعبة واعية باللغة، وتشكيل هادف للدلالات…  ووفق هذا التصوُّر، يُنظر إلى النص باعتباره شبكة من العلاقات الدالة التي تتعالق فيما بينها استناداً إلى سنن بنيوي خاص يُعتبر الوعي المسبق به من طرف المتلقي  مطلباً حيويا لتجلية المعاني التي يحيل عليها. فهو وحدة دلاليَّة، ميزته الرئيسة أنَّه لا يستطيع أن يكون متتالية من الجمل لا رابط بينها فقط، بل هو بناء قصدي خاص ومتفرد، الكلمة فيه مرهونة ومرتبطة بتمثيلات قارَّة في الذاكرة الدلاليَّة الجمعية التي يندرج ضمنها منتج الخطاب ومتلقيه …لكنّ لغة النص الاستبدالية تنسج دلالاتها استناداً إلى تطوُّر توزيعي ترتكز مادَّته على ما يتحقّق ضمن السياق المفترض للنَّص، لا استناداً إلى الذاكرة البعيدة للكلمات والألفاظ …مع الإشارة إلى أن اللفظ المقصود هنا يشمل اللفظ العادي ( العلامة ) كما يشمل اللفظ الذي تستعيره اللغة المثقفة والقادر على تمثيل دلالة مغايرة بمقتضى علاقة التماثل (الرمز)، من حيث كونه ” نظاما مسترسلا من الألفاظ يمثل كل واحد منها عنصرا من نظام آخر. ” معجم لالاند للمصطلحات الفلسفية . أو كونه لعبة إحالية تنقل الملموس إلى المجرد، و تطيح بالدلالة العلاماتية المخصوصة؛ مقابل إنتاج المحمول الكنائي الغامض إلى حد مقاربة الإرباك… بسبب الغياب الواضح والمقصود لأي اتفاق تأويلي مسبق بين المنتج والمؤول.

وهنا يجب أن نتفق أولا بأن :

– الغموض لا يعني انعدام الدلالة.

– الإرباك لا يعني تعطيل الإدراك.

– غياب الاتفاق التأويلي المسبق تعوضه قواعد تداعي الأفكار العامة، وإستراتيجيات تأويل الخطاب المرموز، وإعادة بناء دلالاته الغير مباشرة …

– النص تتنازعه لغتان:

① اللغة الإدراكية ←دلالية ← دلالة المطابقة ←مردها إلى الإدراك←تحظى بقيمة دلالية

② اللغة الانفعالية ← خارج الدلالة ← دلالة الإيحاء ← مردها إلى التأويل ← تحظى بقيمة إحالية بعيدة الدلالة .

وعلى هذا الأساس يتضح جليا أن اللغة الانفعالية لها آليات إجرائية لجعل دلالتها ذات أبعاد إحالية متمنعة عن الإدراك -إلا عن طريق تأويل مستوياته الإيحائية- وعلى رأسها ( التكثيف والرمز) … ومرد الجمع بينهما في هذه الدراسة ما لمسناه من تقارب وتشابه في مفهومهما عند العرب. فالرمز عند النقاد العرب القدامى يرد في الكثير من تصنيفاتهم بمعنى الإشارة … وهو عند قدامة بن جعفر : ( أن يكون اللفظ القليل مشتملا على معان كثيرة بإيماء إليها ، أو لمحة تدل عليها ..) . وبتتبعنا لمفهوم ” اللمحة الدالة ” نجده يتناظر مع ما ورد عند بعض العرب في تعريف البلاغة نفسها بأنها :” لمحة دالة ” فيما سبق أن أورده قدامة في تعريف الإشارة = الرمز … واتبعه ابن رشيق في عمدته بكثير من التفصيل بقوله:( من غرائب الشعر ومُلحه،وبلاغة عجيبة، تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة واختصار وتلويح؛ يعرف مجملا، ومعناه بعيد عن ظاهر لفظه ..) … ومن هذين التعريفين نستخلص أن :

الإشارة = الرمز =  بلاغة عجيبة ← لمحة دالة

آلياتها :(التلميح، الإيجاز، التكثيف، التلويح، التلميح، والمفارقة)

غاياتها :(الحذق، والمهارة، والتغريب،التمليح ، وبعد المرمى)

وما يهمنا في التصنيف السابق، هو أن الرمز بآلياته وغاياته لا يمكن إلا أن يكون بقصدية التبليغ وبلوغ المعنى ، وليس موردا لموارد لإثقال والإغماض وضياع الدلالة. وأن النص الإحالي  دالٌّ بقرائنه الفاتحة للتأويل ومفاتيح رمزيته الأسلوبية… ومقروئيتُه  متوقفة على انفتاحه على دلالات مخصوصة تحدها القرائن وتحجم من جموحها المفاتيح القرائية… ونؤكد هنا على المقروئية لأنها حياة النص ووجوده . وأن نصا مثقلا مغمضا ضائع الدلالة، هو نص لا قارئ له ولا مؤول، وطبيعي أن يولد ميتا…

وعلى هذا الأساس، سنحاول الوقوف على تمظهرات الرمز في الومضة الشعرية؛ لدى الشاعرة الزهرة الطليكي، وبيان آلياته -الرمز – ومسارات تأليفه في نصوصها، وملاحقة مدى تحقق إبلاغ وبلوغ دلالاته في ديوانيها : ” مراسيَّ شاردة” و”فورة السكون”…

نظام العتبات:

فورة السكون : والفورة اسم مرة من فار، ومعناها : حدة الشيء، وشدته. وفورة الجبل ما علا منه وظهر. ومن النهار أوله . وفورة العشاء؛ ما بعد العتمة… وأما السكون: فالهدوء، والصمت، والخفوت، والكمون… ومن مجازاته الموت وانقطاع الحركة …

والقول مجملا في الظاهر منه؛ مركب إضافي لفظي اعتبارا لإمكانية حلول الفعل محل المضاف ( فارَ السكون). والجمع بين حدي الإضافة كان بغاية تحقيق الفائدة والإسناد إلى محذوف (مسند إليه )… والسؤال البديهي الأول الذي يتبادر إلى ذهن المؤول لتقدير المحذوف هو : ما الذي احتد، واشتد، وظهر، بعد صمت، وخفوت، وهدأة، وكمون لدى الشاعرة ؟.

ومن الممكنات التأويلية -ما دام الأمر متعلقا بالذات الشاعرة- :

( الشعر، الديوان الشعري، القصيدة، الومضة الشعرية ) … وكلها منفتحة على تأويل المحذوف بحيث تتضح الصورة الدلالية، لتصبح العتبة تركيبا إسناديا مجازيا يدرك عقلا:

_الشعر فورة السكون./ _ديواني الشعري فورة سكون./ _ القصيدة فورة السكون./ _ الومضة الشعرية فورة السكون.

ومفتاح تأويل الرمز المكثف في العتبة تمنحه مجاورتها ( العتبة ) للمؤشر النوعي أسفل اسم الشاعرة، اعتبارا للتكامل، واتساق الدلالة، و التفاعل بين المتعاليات النصية، حتى وإن قرئ على تراتبية هذه المناصات : فورة السكون ديوان شعري.

مراسيَّ شاردة :

وأول ما يواجهنا فيه لفظة ” مراسيّ” جمع مرساة التي تحيل في معناها على ثقل يمسك السفينة أن تجري… واللفظ مضاف إلى ياء المتكلم للتخصيص أن المراسي هي للذات الشاعرة .. وهي رمز مغرق في القدم ، ومحمل بحمولات دينية وتاريخية إنسانية عديدة ومتعددة . فهو معرفيا يرمز إلى الدعم في الأوقات الحرجة ، وإلى الثبات ، والقدرة على التحمل ، والصلابة ، والقدرة على تخليق حياة جديدة آمنة ،والحماية من الموت في البحر دون جدوى،وعودة المغترب ، والملاذ الآمن… و كلها إحالات إيجابية تمنح أمنا داخليا كافيا لاستمرارية الحياة …وتأتي بعد هذا الزخم الإشاري الذي يحمله الرمز صفة ” شاردة ” المفارقة للموصوف الذي تصفه والناقضة لكل الحمولة الرمزية التي يتيحها. فتنتصب  كقرينة تؤول الرمز على غير ما يشير إليه فتتحول دلالته إلى : اليأس، وانعدام الثبات، والضعف، والوحدة،  والعجز، والملاذ غير الآمن،والهشاشة، والانكسار … وينضاف إلى مفارقتها التي ذكرناها، ما تختزله اللفظة من معاني دالة. فالشارد خارج عن الطاعة ومستعص على صاحبه، وسائر في البلاد على غير هدى، وطريد تحامته العشيرة أو الوطن .. وهنا نلمس قصدية  الشاعرة الواضحة في تأزيم الصورة الشعرية الدالة على الاغتراب النفسي، والمكاني، والوجودي… بشكل مستجد للإنحاء ( الإزاحة) يتجاوز إنحاء اللفظ إلى تجسيد إنحاءِ الرمز ومدلوله عن طريق المعالجة الأسلوبية وتضمين القرائن الفاتحة لقراءة الإنحاء وتأويله وتصوره على المعنى المقصود…

هذا بخصوص رمزية العتبات باعتبارها المحيطة بالنص، والمقتحمة لأغواره وفضاءاته الرمزية والدلالية … وهي(العتبات) لا تغنينا عن مطاردة رمزية الرمز في عموم المتن الشعري للشاعرة… لكنها تساهم حتما في تأسيس مفهومنا للرموز على أنها معادلات موضوعية لمخزونات وجدانية متعلقة بالذات الشاعرة، ومتعالقة معها… تؤولها اللغة الواصفة، وتنفتح مؤولاتها على السياقات تبعا للأنساق الأسلوبية القائمة على المجاورة والمشابهة والتضاد والمخالفة… وبذلك يتحرر المتخيل من قمقمه المعرفي الضابط، ويستقيم ككائن زئبقي مُتخلق في رحم الذات الشاعرة، يستعير اللغة ليعيد بواسطتها توليد قيمة جمالية  للأسطورة والخرافة والحلم والكوابيس وجدلية الحياة والموت… ولعلنا إذ نُخضع الومضة التالية لاستشراف قرائي تأويلي؛ نستطيع فتح الرموز على المولدات الدلالية التالية :

الأمل..

قطرات حزن دفينة

تقودنا إلى الرصيف

الآخر.

فالأمل، ولادة جديدة متجددة. والحياة، قطرات حزن دفينة. والرصيف الآخر، حياة موازية قد تكون هي الموت، كما قد تكون هي الخلاص، أو الأمل في الفرح المفتقد في الرصيف الأول…

هكذا يؤسس المبنى الشعري دلالته المُقصية لعرفانية المنطقي/ المتعارف عليه، عبر جدلية استبدالية قائمة على الحدس والاستبصار..

وفي الومضة التالية، تُسائلُ الشاعرة المفاهيم الوجودية الكبرى المستعصية على الإحاطة إلا رمزا، كانتقال ارتدادي ينطلق من اللايقيني في اتجاه اللايقيني، وليس من اليقيني في اتجاه اللايقيني، أو العكس:

بين العدم و العراء

خيط وصال ينسجه العزاء.

فالعدم؛ من حيث هو انتفاء للوجود الفعلي؛ لا معادل له تخيلا إلا العراء الصرف… عراء من كل شيء، حتى من الحياة .. عراء كالعدم؛ لا مكان، ولا زمان، ولا ملامح، ولا حدود له… لكنه وجود لا يختلف عن العدم إلا بالعزاء… وأقرب مجازات ” العزاء ” الصبر والجلد، أو الرجاء في تخفيف من ألم المصاب. ونحن نستعين بالمجازات في تحديد الدلالة الرمزية استنادا إلى أن الرمز هو كل حدٍّ في سلسلة المجازات، يمثّل حداً مقابلاً في سلسلة الحقائق…

ومن واقع ما سبق، نستطيع الخلوص إلى اتجاهات أن إنتاج الرمز لدى الشاعرة ” الزهرة الطليكي” يتم عبر اشتغالات رؤيوية على صور إيحائية تنازل المنطق بالتجريد، وكأن اللغة الشعرية عندها لا تُدْرِكُ إلا بالرموز، ولا تُعَبِّرُ إلا بالمجاز والاستعارة والتمثيل …

لذلك تتجلى الرموز في عموم منجزها الشعري سواء على شكل رموز اصطلاحية أقرب إلى الاستعارات التعاقدية التي ننتجها في منطوقنا اليومي، أو نصادفها سائرة على ألسن طبقات خاصة ( كمتخيلات شعرية يتيحها التزامن أو الاسترجاع ).وقد تنحي نحو الرمز العرضي كرموز ناسخة لدلالة الرموز الاصطلاحية و تقع منها موقع التضاد أحيانا والتجاوز أحيانا أخرى .. أو على شكل رموز جامعة نرتبط معها بصلات وجدانية جوانية قابلة للاستحضار عند كل مواجهة .

ولعل الشاعرة بطموحها الجمالي تعمد أحيانا إلى نظْمٍ يجمع نوعين أو أكثر من أنواع الرموز التي ذكرناها كما فعلت في الومضة التالية :

أيها البحر

أمامك لا شيء يحجب رؤيتي…

أنا الآن خارج الحيطان.

فالرمز الجامع ” البحر ” برمزيته المحيلة على التحرر، والانعتاق، واتساع الأفق، والامتداد، ليس إلا مفتاحا تأويليا يفتح الرمز الاصطلاحي بعده ” الحيطان” ويحد من جموحه مقصيا كل إمكانيات التأويل عدا دلالة السجن التي تناقض محسوس الشاعرة الانفعالي أمام البحر المنفتح الرحب…

وبما أن الشعر كائن جمالي بالدرجة الأولى فقد عمدت الشاعرة إلى تأثيث ومضاتها بنوع خاص من الرموز لا يتأتى إلا لمن أدرك كنه الشعر والشعرية ، ونقصد ” الرمز الجمالي ” الذي يضاهي الشعراء فيه الفنانين التشكيليين في رسم لوحات فنية جمالية تغيب في تشكيلها الحقائق الملموسة والمحسوسة، وتتولد في رحابها معاني غير واقعية، لكنها معاني مجازية تحمل معها مفاتيح التأويل القائم على المجاورة أو المشابهة ، كوصف القلب بالفصاحة ، والسؤال بالجرأة ، أو الرغبات التي ترسلها الشاعرة على صهوة الريح … والأمثلة في هذا المقام شتى لا نملك حصرها وتعدادها …

إلى هنا نكون قد استوفينا مطاردة الرمز وتجلياته كآلية للتكثيف، والإيجاز، والوصف الوظيفي/ الجمالي … وكمطلب قد يجنح بالنص نحو فضاءات الاستحسان، محققا لتداوليته التي تمنحه الحياة ، كما قد يطوح به إلى غياهب الاستغلاق والعقم الدلالي..وهي أسباب تقتل النص وأدا قبل الولادة…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.