ماكرون من الجزائر: على البلدين تجاوز تاريخهما المشترك المؤلم والتطلع إلى المستقبل

0 102

قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارة إلى الجزائر إنه يتعين على البلدين تجاوز تاريخهما المشترك المؤلم والتطلع إلى المستقبل.

كما أعلن ماكرون أنه سيتم تشكيل لجنة فرنسية جزائرية مشتركة من المؤرخين لدراسة المحفوظات حول الحكم الاستعماري الفرنسي في الجزائر.

وسيشمل ذلك الحرب المريرة التي استمرت ثماني سنوات والتي أدت إلى استقلال الجزائر قبل ستين عاماً.

وتعتبر العلاقات بين البلدين مشحونة منذ عقود.

وفي وقت لاحق، زار الزعيم الفرنسي نصباً تذكارياً لشهداء حرب الجزائر من أجل الاستقلال، ووضع إكليلاً من الزهور في الموقع ووقف دقيقة صمت.

وفي مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الجزائري عبد المجيد تبون قال ماكرون “لدينا ماضٍ مشترك معقد ومؤلم. وقد منعنا في بعض الأحيان من النظر إلى المستقبل”.

وأضاف “لم نختر الماضي، بل ورثناه”.

وقال ماكرون: “يجب أن ننظر إليه ونعترف به، لكن علينا مسؤولية بناء مستقبلنا لأنفسنا ولشبابنا”.

من جهته، أشاد تبون بـ”الديناميكية الإيجابية” في العلاقات بين البلدين، قائلاً إن هناك “آفاقاً واعدة لتحسين الشراكة الخاصة التي تربطنا”.

وأضاف “نأمل أن تفتح الزيارة آفاقاً جديدة للشراكة والتعاون مع فرنسا”.

وتأتي زيارة ماكرون، بصحبة وفد من 90 شخصا من الوزراء وكبار رجال الأعمال والشخصيات الرياضية، بعد فترة طويلة من التوتر بشأن ذكريات متضاربة لحرب الاستقلال الدامية في الجزائر.

واستدعت الجزائر سفيرها لدى باريس أواخر العام الماضي لهذا السبب.

لكن البلدين أبديا منذ ذلك الحين رغبتهما في إعادة العلاقات إلى مسارها.

وازداد التوتر الدبلوماسي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عندما اتهم الرئيس الفرنسي “النظام السياسي العسكري الموجود في السلطة في الجزائر باستغلال الذكريات” عن الحرب لتبرير وجوده.

وكانت فرنسا، قبل ذلك بشهر، قد أغضبت الجزائر – وكذلك المغرب – بخفض عدد تأشيرات السفر التي تصدرها بشكل حاد.

وجاء ذلك ردا على ادعاءات بأن كلا البلدين في شمال أفريقيا كانا يعرقلان إعادة رعاياهم الموجودين في فرنسا بشكل غير قانوني.

وسيلتقي ماكرون خلال الزيارة برواد أعمال شباب في العاصمة الجزائر.

ويزور الجمعة في مدينة وهران الغربية متجر أسطوانات شهيرا، يعد مركزا لموسيقى الراي الجزائرية التقليدية، ويشاهد عرضا لرقص البريك دانس.

ويقول محللون إن الهدف الرئيسي للزيارة تهيئة الظروف لتوثيق التعاون في القضايا الاقتصادية والأمنية الملحة.

ويقول حسني عبيدي، مدير مركز جنيف لأبحاث العالم العربي والبحر الأبيض المتوسط: “لا يصحب الرئيس مثل هذا الوفد الكبير – ومن بينه وزراء الخارجية والدفاع والاقتصاد والداخلية – ويبقى لمدة يومين، إذا كان كل ما سيناقشه هو الماضي”.

ويضيف عبيدي أن الجزائر، باحتياطياتها الهائلة من النفط والغاز – والكثير منها لا يزال غير مستغل – وبخطوط الأنابيب التي تربطها بإيطاليا وإسبانيا، تعد في وضع جيد، “ليس لتحل محل روسيا ولكن لمساعدة أوروبا بالتأكيد في إمداداتها من الطاقة على المدى المتوسط”.

“ومن أجل ذلك يحتاج إلى الاستثمار”.

وكان الرئيس تبون قد وقع في مايو/أيار عقدا كبيرا في روما، تزيد الجزائر بموجبه صادرات الغاز والكهرباء إلى إيطاليا بشكل كبير. ويقول خبراء إن الصفقة صدمت فرنسا ودفعتها إلى إعادة تقييم أهمية الجزائر.

وعلى الرغم من الروابط التاريخية والعائلية بين البلدين، لم تعد فرنسا الشريك التجاري الرئيسي للجزائر، إذ حلت محلها الصين منذ فترة طويلة.

ومن الناحية الأمنية تتألم فرنسها من انسحابها الذي انتهى لتوه من مالي حيث كانت تقود القتال في مواجهة الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.

ومهما تكن الاستراتيجية الجديدة التي ستظهر، فيجب أن تنفذ بالتنسيق مع الجزائر، التي بحكم حجمها الهائل تعد عنصرا مهما لا مفر منه في الصراع المالي، وكذلك في ليبيا غير المستقرة على حد سواء.

لكن محللين يقولون إنه سيكون من الخطأ رؤية فرنسا تتوسل الجزائر من أجل المساعدة من مستعمرتها السابقة.

ويقول حسني عبيدي: “الجزائر أيضا بحاجة إلى فرنسا. إنها بحاجة إلى استثمارات فرنسية لتطوير قطاع الطاقة. لكن فرنسا، بالإضافة إلى ذلك، تمنح الجزائر مصداقية.

ويضيف “الجزائر لديها علاقات تاريخية ممتازة مع روسيا. ولكنها بعد غزو أوكرانيا لا تريد أن تظهر باعتبارها عميلة لموسكو، أو جزءا من محور الشر الروسي”.

ويقول إن الجزائر، من خلال إحياء العلاقات مع فرنسا، يمكن أن تظهر أنها جزء محترم من المجتمع الدولي.

واختار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارة من ثلاثة أيام إلى الجزائر، أن ينزل ضيفا على عدة منشآت ثقافية وتاريخية، سواء في العاصمة أو في وهران، غربي البلاد.

وأحدث ماكرون تغييرا في الوجهة المعتادة للرؤساء الفرنسيين، حيث جرت العادة أن يزوروا شرقي الجزائر، تحديدا مدينة قسنطينة، بينما اختار الرئيس الحالي مدينة وهران.

بعد 47 عاما على اختيار الراحل جيسكار ديستان لمدينة قسنطينة لزيارتها، بصفته أول رئيس فرنسي يزور الجزائر بعد الاستقلال، قرر ماكرون في ثاني زيارة له إلى الجزائر، أن يذهب إلى مدينة وهران، للوقوف على بعض المعالم الثقافية التي ذاع صيتها في الفترة الأخيرة.

ومن بين المعالم، بيت مصمم الأزياء العالمي الشهير إيف سان لوران، والاستوديو الموسيقي الذي ارتبطت به قصة موسيقى الراي “استوديو مغرب” بوهران، بالإضافة إلى زيارته لكنيسة “سانت كروز” التاريخية.

الناس/وكالات

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.