ناغورنو كاراباخ.. قلب الصراع الممتد منذ عشرات السنوات بين أرمينيا وأذربيجان

98

هزت انفجارات ضخمة وضربات صاروخية اليوم الأحد مدينة “ستيباناكيرت”، وهي المدينة الرئيسية في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه، مع استمرار القتال بين قوات أرمينيا وأذربيجان ودخوله الأسبوع الثاني.

وقد سمعت أصوات صفارات الإنذار تدوي في مدينة “ستيباناكيرت” صباح اليوم تلاها أصوات انفجارات. وانقطع التيار الكهربائي عن المدينة إثر ذلك.

وقال أرتسرون هوفانسيان، المتحدث باسم وزارة الدفاع الأرمينية لوكالة الأنباء الفرنسية إن “قوات أذربيجان تقوم بقصف أهداف مدنية في ستيباناكيرت بالصواريخ”.

وتقول أذربيجان إن ثاني أكبر مدينة لديها “غانجا” تعرضت للهجوم من قبل القوات الأرمينية. وقال مساعد للرئيس الأذري في تغريدة له على تويتر إن المدنيين في المدينة تعرضوا للقصف، ونشر شريطاً مصوراً يظهر على ما يبدو صوراَ للدمار الذي لحق بالمباني هناك. وتفيد تقارير من الجانب الأرميني بأن قواته دمرت قاعدة جوية في مدينة “غانجا”.

وكان رئيس إقليم ناغورنو كاراباخ قد حذر في وقت سابق باستهداف “مواقع عسكرية” في المدن الكبيرة في أذربيجان، متهماً الأخيرة باستهداف المدنيين في مدينة “ستيباناكيرت”.

أما السلطات في أذربيجان فقالت إنها اتخذت “إجراءات انتقامية” بعد قيام انفصاليين أرمينيين بإطلاق صواريخ من داخل المدينة.

وقالت وزارة الدفاع الأذرية إن القوات المسلحة الأرمينية كانت تطلق الصواريخ على بلدات “تيرتر” و “هوراديز” الواقعتين في منطقة “فيزولي” انطلاقاً من “ستيباناكيرت”.

جنود من قوات المدفعية الأرمينية

وقد رفضت أذربيجان الدعوات لوقف إطلاق النار ملقية اللوم على أرمينيا في اندلاع الصراع. وطالبت بانسحاب القوات الأرمينية من إقليم ناغورونو كاراباخ الذي انفصل عن أذربيجان في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي وبعد حرب ضروس أودت بحياة 30,000 شخص.

وكان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشنيان قد قال أمس إن بلاده تواجه لحظة حاسمة مع استمرار القوات الأذربيجانية في التقدم داخل إقليم ناغورنو كاراباخ.

تعتبر موجة القتال الجديدة التي اندلعت في 27 سبتمبر/ أيلول الماضي الأشد والأعنف منذ عقود وقد حصدت حتى الآن أرواح أكثر من 240 شخصاً، بينهم أكثر من 30 مدنياً.

map

دعوات لوقف القتال

ويستمر القتال رغم الدعوات الدولية للدولتين الجارتين بوقف الاشتباكات والبدء في محادثات لإنهاء الصراع، حيث تتنامى المخاوف من أن يتوسع القتال ليتحول إلى حرب على عدة جبهات تجر إليها القوتين الإقليميتين تركيا وروسيا، وهو ما يزيد القلق بشأن الاستقرار في جنوب القوقاز، حيث تنقل خطوط الأنابيب النفط والغاز من أذربيجان إلى الأسواق العالمية.

وقد عرضت روسيا قبل أيام استضافة مفاوضات تهدف إلى وضع حد للقتال الدائر في منطقة ناغورنو كاراباخ.

يذكر أن روسيا متحالفة عسكريا مع أرمينيا ولها قاعدة فيها، ولكنها تقيم في الوقت ذاته علاقات وطيدة مع الحكومة الآذرية.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد حذر تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والتي تدعم أذربيجان، من مغبة ما قيل عن نشر مسلحين من سوريا على خطوط المواجهة في ناغورنو كاراباخ.

تشتد وتيرة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان حول السيطرة على منطقة ناغورنو كاراباخ.

وقد دخل النزاع أسوأ موجة من القتال منذ تسعينيات القرن الماضي، فقد تفيد الأنباء بأن القتال المندلع منذ الأحد الماضي أودى بحياة قرابة 100 شخص بينهم مدنيون وخلف مئات الإصابات.

جذور الخلاف بين البلدين على المنطقة

يقع إقليم ناغورنو كاراباخ في قلب الصراع الممتد منذ عشرات السنوات بين أرمينيا وأذربيجان. فماذا نعرف عن هذه المنطقة المتنازع عليها بين الجمهوريتين السوفيتيتين السابقتين في منطقة القوقاز؟

تقع منطقة ناغورنو كاراباخ داخل أراضي أذربيجان وتسكنها أغلبية أرمينية وتحظى بدعم من أرمينيا المجاورة.

كلمة ناغورنو باللغة الروسية تعني مرتفعات، بينما تعني كراباخ الحديقة السوداء باللغة الآذرية.

ويفضل أبناء عرقية الأرمن استخدام الاسم الأرميني القديم للمنطقة “أرتساخ”.

القوات الأرمينية أخرجت نظيرتها الأذرية من ناغورنو كاراباخ في تسعينيات القرن الماضي

في عام 1988 وقرب نهاية الحكم السوفيتي دخلت القوات الأذربيجانية والانفصاليون الأرمن في حرب دموية انتهت بتوقيع اتفاق وقف اطلاق النار وهدنة عام 1994، غير أن المفاوضات فشلت في أن تقود للتوصل إلى معاهدة سلام دائم حتى اللحظة، ولايزال هذا النزاع واحداً من “الصراعات المجمدة” لما بعد الحقبة السوفيتية .

وتعود جذور الصراع إلى أكثر من قرن مضى، حين كانت المنطقة مسرحاً للتنافس على النفوذ بين المسيحيين الأرمن والمسلمين الترك والفرس.

وقد سكن المنطقة لقرون مسيحيون أرمن وأذريون ترك، وأصبحت جزءاً من الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر.

وعاش سكانها في سلام نسبي، على الرغم من أن بعض أعمال العنف الوحشية التي ارتكبتها عناصر من الجانبين في أوائل القرن العشرين ما تزال عالقة في ذاكرة أبنائها.

فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية في روسيا، أسس النظام السوفيتي الجديد وقتها -ضمن سياسة فرق تسد في المنطقة- منطقة حكم ذاتي في ناغورنو كاراباخ تسكنها أغلبية أرمينية داخل حدود جمهورية أذربيجان السوفيتية السابقة في أوائل عشرينيات القرن الماضي.

مقتل عشرات الآلاف ونزوح مليون شخص

ومع تراجع القبضة السوفيتية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، تطورت الخلافات بين الأرمن والأذريين إلى أعمال عنف بعد تصويت برلمان المنطقة لصالح الانضمام لأرمينيا.

وتشير التقديرات إلى أن الصراع أسفر عن مقتل ما بين 20 ألفاً إلى 30 ألف شخص، ونزوح نحو مليون شخص وسط تقارير عن تطهير عرقي ومذابح على الجانبين.

وانتزعت الأغلبية الأرمينية السيطرة على الإقليم، ثم سعت إلى احتلال منطقة متاخمة ضمن أراضي أذربيجان لعمل منطقة منزوعة السلاح تربط بين كاراباخ وأرمينيا.

حرب أذربيجان وأرمينيا.. تركيا تعمق جراح القوقاز

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر عام 1991، أعلنت كراباخ نفسها جمهورية مستقلة، مما أدى إلى تصاعد الصراع وتحوله إلى حرب شاملة. ولم يتم الاعتراف بدولة “الأمر الواقع” من الخارج، حتي من جانب أرمينيا ذاتها.

وعلى الرغم من أن أرمينيا لم تعترف رسمياً باستقلال المنطقة، فقد ظلت الداعم المالي والعسكري الرئيسي لها.

هدنة

تم التوقيع على وقف لإطلاق النار بوساطة روسية عام 1994، لتصبح كاراباخ ومساحات من الأراضي الأذرية في هذا الجيب تحت السيطرة الأرمينية.

وقد قتل جنود من كلا الطرفين خلال وقائع خرق متفرقة للهدنة. وتسبب إغلاق الحدود بين تركيا وأذربيجان في مشكلات اقتصادية حادة لأرمينيا، كونها دولة حبيسة لا تطل على بحر.

ومنذ التوصل للهدنة، تسير الأمور في طريق مسدود ما بين الأذريين الذين يشعرون بالمرارة لخسارتهم أرضاً يرونها حقاً لهم، والأرمن الذين لا يبدون أي استعداد للتخلي عنها.

وتتولى روسيا وفرنسا والولايات المتحدة رئاسة ما يعرف بمجموعة مينسك -ضمن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا- والتي تبذل مساعي للتوسط من أجل وضع حد للنزاع.

وخلال الاستفتاء الذي أجراه الإقليم في ديسمبر/ كانون الأول 2006 واعتبرته أذربيجان غير شرعي، أقرت المنطقة دستوراً جديداً.

وكانت بعض بوادر التقدم تظهر من حين لآخر خلال لقاءات متقطعة بين رئيسي أذربيجان وأرمينيا.

فقد أُحرز تقدم ملحوظ قد خلال المحادثات بين الزعيمين عام 2009، إلا أنه لم يستمر، ووقعت منذ ذلك الحين انتهاكات عدة خطيرة للهدنة، كان من أبرزها مقتل عشرات الجنود من الجانبين في أعمال عدائية متبادلة في إبريل/ نيسان 2016.

عوامل جيوسياسية

تزيد العوامل الجيوسياسية الصراع تعقيداً. إذ أن تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو” كانت أول دولة تعترف باستقلال أذربيجان عام 1991. وقد سبق ووصف رئيس أذربيجان السابق حيدر علييف البلدين تركيا وأذربيجان بأنهما ” بلد واحد في دولتين”. وتجمع البلدين صلات ثقافية واجتماعية، كما تعهد الرئيس رجب طيب إردوغان بدعم بلاده بأذربيجان.

كما أن تركيا ليست لديها علاقات رسمية بأرمينيا، وقد أغلقت حدودها معها عام 1993 دعماً لأذربيجان خلال الحرب بشأن ناغورنو كاراباخ.

في حين تحتفظ أرمينيا بعلاقات جيدة مع روسيا. وتوجد فيها قاعدة روسية ، والبلدان عضوان في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، أو ما يعرف بحلف طشقند الذي يضم عدد من الدول المستقلة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

وفي الوقت نفسه، يتمتع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعلاقات جيدة مع أذربيجان. وقد دعت موسكو إلى هدنة بين الجانبين.

خريطة الصراع/بين🇦🇿 اذربيجان وارمينيا🇦🇲 واحدث التطورات - YouTube

وفي عام 2018 شهدت أرمينيا انتفاضة سلمية أطاحت بالرئيس سيرج سيركسيان من السلطة. وتولي زعيم المعارضة نيكول باشينيان رئاسة الوزراء بعد انتخابات حرة في العام نفسه. وبعد توليه السلطة، اتفق باشينيان مع رئيس أذربيجان إلهام علييف على تهدئة التوتر بين الجانبين.

وأصدر البلدان عام 2019 بياناً يعلن حاجتهما “لاتخاذ إجراءات ملموسة لإعداد الشعبين للسلام”.

غير أن هذه الكلمات لم تفض إلى نتيجة. ومن غير الواضح أي البلدين بدأ بالهجوم في أعمال العنف الأخيرة، غير أن التوتر كان يتصاعد بالفعل في الآونة الأخيرة منذ الاشتباكات التي وقعت في يوليو / تموز الماضي وخلفت خسائر على الجانبين.

الناس/وكالات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.