Take a fresh look at your lifestyle.

الزواج بين الترغيب النبوي والترهيب الاجتماعي

0

محمد البوبكري

كثير منا عندما يقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم:”يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج”، يظن أن الأمر هنا موسع ، و ربما يعتبره من قبيل الترغيب لا أقل و لا أكثر ؛ لكن الأمر ليس كذلك، بل هو بخلافه تماما؛ إذ إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مرتبط بالاستطاعة؛ و مسبوق بالفاء التي تفيد التعقيب والسرعة وهما عاملان أساسيان سأفصل القول فيهما بحول الله مبرزا تأثيرهما على دلالة الأمر هنا.

نقف أولا مع كلمة “استطاع”، و التي هي القدرة و الإمكان و الطاقة، و هذا الأمر موكول إلى ذات الإنسان من حيث هي ذات مفكرة و عاقلة و مكلفة، تستطيع اكتشاف و معرفة ذاتها و إمكاناتها و قدراتها و خبراتها، مصداقا لقوله تعالى في سورة القيامة :”بل الإنسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره”. و كنتيجة لذلك فالمرء هو الأدرى بقدراته و كفاياته المعرفية و التواصلية و الوجدانية أكثر من أي خبير بشري درس علم النفس دهرا.

وبتدقيق النظر و التعمق في صلب الموضوع قصد الدراسة فكل إنسان يعلم يقينا قدراته المادية و المعنوية، التي يستطيع بواسطة معرفتها أن يقرر ما إذا كان يستطيع الزواج أم لا ، و إذا أضفنا إلى هذا المعطى معطى آخر و هو أن كثيرا من رجال الأربعينات تقدر مصاريفهم عن اللهو و الخمور و المخدرات ما يكفي أسرته و أسرة جيرانه، يتأكد لنا و بالملموس أن هذه الفئة قادرة على الزواج من الناحية المادية. هذه نتيجة أولى نحتفظ بها للننتقل إلى العنصر الثاني و هو :

ثانيا نقف مع كلمة  “فليتزوج” هنا أمر نبوي شريف بالزواج مقرونا بحرف الفاء االتي تفيد لتعقيب و السرعة، و عليه يكون أمر الزواج مطلوبا على وجه السرعة، دون تسويف و لا تماطل بأنواع كثيرة من الحيل و التبريرات الواهية، المتخيلة و المرتبطة بعادات و تقاليد أكل عليها الدهر و شرب، و نسينا أنه أمر نبوي له نفس القيمة مقارنة مع الأمر الإلاهي القرآني، مصداقا لقوله تعالى:” و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول لعلكم ترحمون”، و استصحابا لقوله صلى الله عليه وسلم:”ألا إن ما حرم رسول الله كما حرم الله”، مما يدل دلالة واضحة على وجوب اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، و أنه هو سبيل النجاح و الفلاح في الدنيا والآخرة، و أن عصيان أمره صلى الله عليه وسلم يقين الهلاك و البوار. و ما غزوة أحد عنا ببعيد حيث عصى بعض الصحابة أمر  رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت النتيجة هزيمة و خسرانا في تلك الغزوة، و قياسا على ذلك فعدم اتباع خير الورى و شفيع الأنام في أمر الزواج شاهدنا نتائجه على الأمة من عنوسة و تبرج و فحش و زنى و خمور و ملاهي.

و بالربط بين النتيجتين السابقتين نجد أن أمر الزواج مطلوب و واجب على الفور حال تحقق الاستطاعة، التي وكلت إلى الذات مما يجعل التكليف  هنا أكثر قوة من غيره فلو علمت من نفسك القدرة على الزواج و لم تتزوج كنت آثما و عاصيا لله و لرسوله صلى الله عليه وسلم، و قد تكون ممن قال فيهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:”من أعرض عن سنتي فليس مني”.

بعد كل الذي تقدم لا بد من استحضار العنصر النفسي و الاجتماعي و الاقتصادي في مشروع الزواج، حيث يقول الباحث عبد الرزاق الحسوني موضحا تداخل كل تلك الجوانب في تعقيد مشروع الزواج و ربما عرقلته:( إن تخوف الشباب من الزواج المبكر ناتج عن مجموعة من العوامل المتداخلة فيما بينها و تكاد أن تكون كتلة واحدة يستعصي على والج هذا الباب الذي أصبح حديديا بعدما كان في يد أجدادنا قصبا، حيث إذا سألت شابا في مقتبل العمر عن أحلامه المنتظرة فكن متأكدا من جوابه: أريد عملا و زوجة تكون لي سندا في الأيام الصعاب”، إن نظرة هذا الباحث المغربي نابعة من معاناة حقيقية يكابدها العازب المغربي نفسيا و اجتماعيا و اقتصاديا، تجعله _كما يؤكد على ذلك نفس الباحث عبد الرزاق الحسوني _ حلما جميلا موشى بأحلى ما تتمناه النفس، و الواقع عقبة تحول بينه و بينها، لقد أصبح الزواج في عصرنا الحاضر حلما لا بد منه و واقعا مستحيلا مرا.

 

 

 

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.