Take a fresh look at your lifestyle.

رحمةً بنا… نريد قلوباً بيضاء!

0

زكية حادوش

منذ عودتي إلى ديباجة ما أعشقه، أي كتابة أي شيء لا يتوقف عليه مصدر عيشي، قررت مع نفسي ألا أخوض في متاهات السياسة الوطنية لأنها في الواقع تُعَرِّض من يكتب عنها إما إلى التحفظ الشبيه بالتقية البعيدة عن الجرأة المطلوبة في مجال كهذا، أو إلى التسرع في إطلاق الأحكام والتعاليق غير المستمدة من الخبر اليقين ومن التحليل العلمي للأحداث. وفي نهاية المطاف، قد تجعلك دون أن تنوي وسط تقاذف التهم والكلام الشعبوي والساقط أحيانا بين أطراف يبدو أن مثلها الأعلى هو دونالد ترامب.

غمار السياسة، بل وحتى السياسوية، في بلادنا سهل بالنسبة لمن يطلق الكلام على عواهنه ولمن لا يقدر عواقب الأمور إذا آلت إلى غير أهلها، لكنه غاية في الصعوبة لمن يحترم أبجديات علم السياسة وأخلاقيات أي مهنة بما فيها مهنة الصحافة أو تدريس العلوم السياسية أو الاجتماعية…     

بما أن الاعتراف فضيلة، لا أخجل من الاعتراف بأني لم أفهم معنى التصويت بالورقة البيضاء في انتخاب رئيس مجلس النواب. ليست واحدة، بل عددها 137، إضافة إلى 7 ملغاة من أصل مجموع الأصوات المدلى بها وعددها 342. أما المرشح المالكي ففاز بما عدده 198 صوت. أمر غريب حقاً!

لذلك، لم أفقه شيئاً وأتمنى ممن فهم “الفيلم” أن يشرح لي ويشرح لأمثالي ما حصل. بغض النظر عن ميزات الحبيب المالكي وتجربته وقربه التاريخي من أصحاب الحل والعقد بالبلاد، وعن تقدير جدارته لرئاسة الغرفة الأولى، أجد التصويت الأبيض غير مفهوم، بل غير مقبول. لأن السادة النواب الذين من بينهم “صفوة” الحزب الحاكم “مرتين” لم يصلوا إلى مجلس النواب بالتصويت الأبيض، ولم يخترهم من صَوَّت لصالحهم من قواعدهم ومن مواطنين عاديين بالأوراق البيضاء. وبالتأكيد أنهم لم ينتخبوهم ليصوتوا بالأبيض في انتخاب رئيس مجلس النواب وهو حدث هام وحاسم في الحياة السياسية العادية لأي بلد. ولا لكي يقدموا تبريرات وتفسيرات لذلك التصويت الأبيض لم نفهم منها نحن العامة سوى أن ما يحدث في مطبخ تشكيل الحكومة طبخة على وشك الاحتراق رغم أنها تطبخ في طاجين وعلى نار “المجمر” منذ شهور.

لا قياس مع وجود الفارق، لكن رغما عني ذكرتني هذه الواقعة بانتخاب رئيس لبنان، حيث انتخب مجلس النواب في نهاية أكتوبر 2016 ميشال عون رئيسا للدولة بعد شغور كرسي الرئاسة منذ ماي 2014، أي لمدة 29 شهراً ظل فيها لبنان بدون رئيس وبدون حكومة. وقد فاز عون بعدد 83 صوتا في حين وصل عدد الأوراق البيضاء 36 ورقة. الحمد لله أن عدد نوابهم أقل وأن القوى الفاعلة في السياسة اللبنانية مكشوفة وتعمل في العلن منذ الحرب الأهلية. لذلك، رغم تعقيد الحياة السياسية في بلاد الأرز تظل قابلة للتحليل والفهم.

أما في بلادنا، فما يعتمل في الخفاء أكثر مما يبدو للعيان…و”العيانين” كُثُر ويصعب تصنيفهم، وتصنيف انتماءاتهم وولاءاتهم، فكيف يمكننا فهم مواقفهم فبالأحرى توقعها؟ أقصى ما نتمناه لهذا الوطن ليس أوراقا بيضاء طبعاً، ولكن قلوباً بيضاء ترأف به وبنا.

أمنية لا علاقة لها بما سبق:

ضم فراش المرض في هذه الأيام أعز أصدقائي، بل بمثابة أب ثان لي (لن أذكر اسمه بناء على رغبته)، وكذا رفيقي الأستاذ محمد الفرسيوي، متمنياتي لهما بالشفاء العاجل وأرجو من الله أن يخفف عنهما الألم، ويمنح الأول قوة الاستمرار في خدمة هذا الوطن، بكل طريقة ممكنة كما عهدناه دائماً، والثاني جهد استئناف الكتابة والإبداع.     

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.